قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مع إنطلاق الحملة الإنتخابية الرئاسية في أمريكا، كانت القضية العراقية مطروحة كواجهة رئيسية على أجندة السياسة الخارجية للمرشحين الديمقراطي باراك أوباما، والجمهوري جون ماكين. ولا يهونن أحد من حجم وضخامة هذه القضية على صعيد السياسة الخارجية الأميركية في هذه المرحلة، لأنها قضية حساسة وكبيرة تشغل الرأي العام الأمريكي قبل أن تشغل الدول المتعاطية مع السياسات الخارجية الأميركية، وقد يوازي الإهتمام بهذه القضية الأزمة المالية التي إستقطبت أصوات الناخب الأمريكي أثناء الإنتخابات الأخيرة.


وسوف لن أكون مثل بعض المتعصبين الإسلاميين أو القومجيين العرب الذين يربطون الأزمة المالية الأميركية الحالية بالعقاب الألهي أو بسقوط الرأسمالية العالمية كنظرية، لأنني أرفض مثل هذه الطروحات الساذجة في تحليل أسباب أزمة تعصف بالعالم كله بما فيها الأنظمة التي تعتمد الإشتراكية منهجا لها في الإقتصاد، ولكني حين أساوي بين القضيتين المالية والعراقية، فإنني أعتقد بأنهما أصبحتا الشغل الشاغل للرأي العام الأمريكي وبقدر متساو، فالقضية الأولى تتعلق بتدهور الإقتصاد الأمريكي جراء الأزمة المالية، والثانية تتعلق بالسياسة الخارجية للإدارة الجمهورية التي باتت تقلق الرأي العام الأمريكي، بقدر الرعب الباعث على الإقتصاد الأمريكي بسبب الأزمة المالية.وأعتقد بأن الإرتفاع المضطرد لعدد القتلى الأمريكيين في العراق من جهة، وتصاعد التكاليف المالية لإحتلال العراق من جهة ثانية أصبحت محل إهتمام ملحوظ من قبل الشعب الأمريكي.


فلو عدنا الى التاريخ القريب نجد أن أمريكا التي ورطت نفسها في حرب فيتنام في ستينات القرن الماضي إضطرت الى الإنسحاب منها تحت ضغط الرأي العام الداخلي عندما وصل عدد القتلى هناك الى حدود الخمسة آلاف، ويبدو أن هذا العدد يشكل السقف الأعلى المسموح به داخليا لوجود القوات الأميركية في أي بلد كان، والعدد الحالي للقتلى الأمريكيين في العراق يقترب من حافة المسموح به من تلك التضحيات.


ثم أن الشارع الأميركي وصل الى حالة من الملل من تطورات الأوضاع الداخلية في العراق التي لا يستقيم لها حال، خصوصا مع تنامي كره العراقيين للتواجد الأمريكي على رغم كل تلك التضحيات والأموال التي صرفتها أمريكا على تحريرها للعراق، والدليل على ذلك هو تنامي المعارضة الشعبية القوية للإتفاقية الأمنية الإستراتيجية المزمع فرضها على العراقيين تحت طائلة عقوبات قاسية تصل بحسب التصريحات الأميركية الى حد التخلي عن بناء القوات الأمنية العراقية، أو الدفاع عن البلد ضد التهديدات الإقليمية والخارجية.

أظهرت إستطلاعات الرأي المحدودة التي جرت في خضم حمى الإنتخابات الرئاسية الأميركية، أن نسبة كبيرة من العراقيين يؤيدون فوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما في الإنتخابات الرئاسية وهو الرافع لشعار الإنسحاب من العراق، على عكس الأوساط الشعبية الكردية التي كانت ترغب بفوز جون ماكين الجمهوري، وهذا التأييد الكردي ناجم بطبيعة الحال عن عدم خضوع كردستان بشكل مباشر للإحتلال الأمريكي المهين المفروض على بقية أجزاء العراق.

بالمقابل هناك نسبة كبيرة من الساسة والأحزاب والكتل العراقية التي أيدت فوز المرشح الجمهوري جون ماكين وذلك لضمان إستمرار الدعم العسكري والأمني الأمريكي للعراق، وهذا الموقف وإن شكل نسبة قليلة جدا قياسا الى رأي الشارع العراقي، يعود سببه الى عدم جاهزية القوات الأمنية والعسكرية العراقية للسيطرة على الأوضاع الداخلية والتي تشكل تهديدا لنظام الحكم القائم في حال عدم إستقرار تلك الأوضاع، أو بسبب تهديدات القوى الإرهابية التي تهدف الى نسف العملية السياسية، خصوصا وأن تلك القوى ما زالت تشكل خطرا على الوضع القائم رغم خفوت نشاطات تنظيم القاعدة الإرهابي، ولكن تبقى الفلول البعثية وتلك المدعومة من الدول الإقليمية جزءا من تلك التهديدات.إذن الموقف الداعم لأغلبية القوى والأحزاب العراقية للإتفاقية الأمنية لها مسوغاتها ومبرراتها الموضوعية، على عكس الموقف الشعبي الرافض الذي يعتمد أساسا على العواطف وموروثات الثقافة العربية المعادية لكل ما هو أمريكي.

ورغم فوز اوباما برئاسة الولايات المتحدة وهو الداعي الى سحب القوات الأميركية من العراق ما يعني في الظاهر إنهاء الإحتلال الأمريكي للعراق، ولكن يجب لا ينخدع القاريء بوجود فارق كبير في سياسة الحزبين الأمريكيين خصوصا الخارجية منها عند التعامل مع القضايا الدولية، لأن الإدارات الأميركية تحكمها المؤسسات ومراكز البحوث والشركات، وهي بالتالي لن تخضع لإرادة مرشح هذا الحزب أو ذاك، بقدر ما تعتمد على معطيات تلك المؤسسات والمراكز، وحتى لو حدث تغيير في سياسة أمريكا تجاه العراق، فإنه بالتأكيد لن يكون تغييرا جذريا أو جوهريا، صحيح أن الحزب الجمهوري الأمريكي معروف عنه تشدده وإستسهال لجوئه الى القوة العسكرية في حسم الكثير من مشاكل العالم، لكن يجب أن لا ننسى أن للحزب الديمقراطي أيضا حروبه الخارجية، فهو إذن غير منزه حتى عن فرض الإحتلال على دول أخرى.


وأعتقد أنه سواء حكم أمريكا الحزب الجمهوري أو الديمقراطي سيبقى أن هناك مصالح أمريكية في المنطقة عموما وفي العراق على وجه الخصوص تسعى الإدارة القادمة لحمايتها. وبناء على ذلك أعتقد بأن التواجد الأمريكي في العراق في هذه المرحلة وفي المراحل المنظورة لن يتأثر كثيرا بتغيير طاقم الإدارة القادمة، لأن هذا التواجد ضروري جدا للحفاظ على المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، فإدارة الرئيس بوش عندما خاضت حرب تحرير العراق، لم تخضها من أجل سواد عيون العراقيين، ففي أمريكا عيون سود وجلود سمر تفيض عن حاجتها، ولكنها جاءت لتبقى وتستثمر، فالعقلية الأميركية التي تتعامل مع جميع القضايا بمنظور الربح الرأسمالي، لن تتخلى عن كل ما فعلته في العراق لمجرد تغيير رئيس الإدارة، وأمريكا التي صرفت مئات المليارات من الدولارات على حربها في العراق، ليست مستعدة للتنازل عنها هكذا لسواد عيوننا، لذلك أعتقد بأن كل تلك الأموال التي صرفتها أمريكا على العراق منذ لحظة إتخاذها قرار إزاحة صدام حسين عن حكم العراق ولحد هذه اللحظة ستبقى ديونا أمريكية واجبة الدفع من العراق، وهي سوف تستعيدها على داير المليم كما يقول المصريون.


قد تكون الإستعادة من خلال نهب ثروات العراق أو تحت يافطة الإستثمار في المجالات الإقتصادية، أو بأية طريقة أخرى، لكن المهم أن أمريكا لن تصرف دولارا إذا لم تستعد عشرة، ولعل وجود خمسة آلاف شخص يعملون في سفارة أمريكا في المنطقة الخضراء داخل بغداد تنبئنا بالهدف الأساسي لإحتلالهم للعراق وبأنهم إنما جاؤا ليبقوا، وأن التواجد الأمريكي المرفوض شعبيا سيستمر في العراق الى ما شاء الله، ولذلك أعتقد بأن من يزايدون اليوم على بعض المواقف الرافضة لتوقيع الإتفاقية الأمنية الإستراتيجية، أومن يراهنون على سياسات باراك أوباما، سيبقون أسارى أحلام وأوهام في الخيال، أو على أكثر تقدير تعتبر تلك المواقف مجرد مزايدات ومراهنات لن تغير من الواقع شيئا، فالإحتلال الأمريكي المهين للعراق سيبقى مستتراهذه المرة الى أمد غير منظور لحين إستعادة الديون الأميركية على العراق، أو سيتخذ شكلا آخر بتأطيره ضمن ما يعرف بالإتفاقية الأمنية الإستراتيجية.


وفي الختام أستغرب كثيرا من إنخداع البعض بشعار إنهاء الإحتلال وفقا للإتفاقية الأمنية المزمع توقيعها، خصوصا في ظل رغبة وتوق الجانبين الرسمي الأمريكي والعراقي بتوقيع ما تسمى بإتفاقية أمنية بعيدة المدى،فمن السذاجة التصور بإنتهاء الإحتلال وفقا لما جاء في هذه الإتفاقية والتي تنص على إنسحاب كامل من العراق بعد ثلاث سنوات من توقيعها، فكيف ستكون الإتفاقية إذن quot; إستراتيجيةquot; وهي لن تدوم إلا لثلاث سنوات؟؟

شيرزاد شيخاني

[email protected]