ليس من أدنى شك بأن هناك قصور عربي رسمي واضح بخصوص التعاطي مع الملف الفلسطيني بشکل خاص و ملفات ساخنة أخرىquot;کالملفين العراقي و اللبنانيquot; بشکل عام، و واضح بأن العلة الاساسية في هذا القصور يعود الى أسباب عديدة لکن أهمها هو التخلف السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الفکري الذي تعاني منه هذه الانظمة وعدم تمکنها من خلق نظام متکامل نوعا بمقدوره أن يفي بالاحتياجات الرئيسية للمجتمع و المواطن العربي.

ولعل صرف المليارات النفطية العربية بطرق لا تصب في المصلحة الاساسية للشعوب العربية و إزدياد نسبة البطالة و الفقر و المعاناة داخل هذه الشعوب و إرتفاع وتائر الجرائم بشکل ملحوظ، قد ساهم بقوة في تفاقم مشکلة ضياع و حيرة جيوش جرارة من الاجيال العربية الشابة التي نظرت و تنظر بعين الشك و الريبة الى الانظمة العربية وتراها غير جديرة بالمسؤولية و الثقة ولذلك فمن الطبيعي جدا أن تجدquot;نسباquot;قد لا تکون قليلة من تلك الجيوش الشابة طريقها الى أحضان التنظيمات الارهابية و المتطرفة التي تعتاش على مخلفات النظام العربي الرسمي من الجهل و الظلام و تنسج خيوطها العنکبوتية السوداء في أعماق ذلك. وقد کان لذلك الصعود غير العادي لحزب الله اللبناني و وصوله الى مکانة و مستوى بحيث يکاد يطرح نفسه بديلا للنظام الرسمي العربي، ناقوس خطر يقرع بقوة ليس للأنظمة العربية لوحدها و إنما للعالم المتحضر برمته إذ أن سيطرة هکذا تنظيمات متطرفة و مغامرة على مقاليدquot;الشارع الشعبيquot;في بلد مهم و حساس کلبنان، هو مؤشر بالغ السلبية على المستقبل المظلم الذي ينتظر المنطقة بوجه خاص و العالم بوجه عام.

لقد لفت حزب الله اللبناني بحجم قوته التسليحية و المالية التي فاقت الحکومة اللبنانية بأضعاف، نظر و إهتمام العالم و وکان من الطبيعي جدا أن يبادر هذا الحزب الى القيام بنشاطات و أعمال مصيريةquot;کالحرب و فرض حالة الطوارئquot;وهي أساسا من صلب أعمال و واجبات الدولة اللبنانية و أن يفاجأ العالم بسياساته المتشنجة و المتطرفة التي تسعى من خلال إستغلال ورقة المقاومة أن تسحب البساط من تحت أnbsp;قدام کافة القوى اللبنانية الاخرى. حزب الله، قد شکل أرقا دائميا للمنطقة و دول العالم سيما مع توارد تقارير خاصة تفيد بتورطه في قضايا تهريب الاسلحة و المخدرات تضع أکثر من علامة إستفهام و شبهة على هذا الحزب و مصادر تمويله الاساسية، الامر الآخر المثير للقلق هو کون هذا الحزب قبل کل شئ ورقة إيرانية ضاغطة ترفع بوجه أکثر من جهة و طرف و قد أکد قادة هذا الحزب إرتباطهم المصيري بطهران و نظامها السياسي و إستعدادهم للقيام بأي عمل أو نشاط يخدم مصالحquot;الجمهورية الاسلامية الايرانية و الولي الفقيهquot; وهو إقرار کاف بماهية و معدن هذا الحزب الذي تخفق له قلوب الملايين من الشباب العربي الضائع.

أما حرکة حماس و زعيمهاquot;الخارج على القانون و الشرعيةquot;، فقد باتت هي الاخرى نموذجا و نسخة أخرى من حزب الله اللبناني، سيما من حيث ميله للمغامرة و المجازفة بمقدرات و مصير الفلسطينيين من أجل سياقات سياسية خاصة تخدم أجندة إيرانية واضحة ومع أن الهجمة الاسرائيلية البربرية ضد غزة بصورتها العمياوية مدانة و مرفوضة بقوة، لکن الذي دفع بإسرائيل لإرتکاب هکذا کارثة إنسانية بحق الفلسطينيين العزل، کان الخط العام لتلك السياسة الخاطئة التي إتبعتها و تتبعها حرکة حماس. وقطعا أن إرتفاع مستوى الشجب و الادانة الدوليين لما قامت به إسرائيل في غزة لن يؤدي بنتيجته النهائية لأية محصلة مفيدة بالنسبة للشعب الفلسطيني وإنما ستکون مجرد حقنة مهدأة أخرى لن تنهي الجرح و الالم وإنما توقفه لفترة محددة ليجد هذا الشعب البائس نفسه أمام دمار هائل مخلف من ذلك الهجوم المنتج في مختبرات العقلية الحماسية ـ الاسرائيلية و حينها فإن قادة حماس سيطلبون من الشعب الصبر و التحمل و يمنونه بشتى أنواعquot;التسلياتquot; وکل ذلك مجرد کلام عرضي لن يستفاد منه الشعب الفلسطيني بأي شکل من الاشکال و نفس الوضع ينطبق تماما على الشعب اللبناني و حزب الله حيث يقوم الاخير بتنفيذ سياسة متعددة الاهداف و الوجوه و لاتخدم المصالح الحقيقية للشعب اللبناني إلا في الظاهر أما مضامينها فهي متعلقة بأطراف خارجية وهي في کل الاحوال تؤدي بسياقها النهائي الى نتائج لن تکون أبدا مفيدة لحاضر و مستقبل لبنان و شعبه، الحق أن مايفعله هذان الحزبان و أحزاب أخرى مشابهة لهما من حيث الممارسات و الافکار، لا يعني بالنتيجة شيئا سوى المغامرة على حساب الشعوب.


واضح أن إنشغال المنطقة و العالم بمجموعة من المشاغل و الهموم الدولية المؤثرة، قد دفع بکل من إيران و إسرائيل لکي تلعبا في الوقت الضائع هذا، إيران تعبث و تحرك أوراقها في غزة و لبنان على أمل أن تدفع الامور بسياقات قد تخدم مصالحها الآنية بشکل خاص و البعيدة المدى بشکل عام و إسرائيل تبادر بالرد بماکنتها العسکرية الفتاکة لإستثمار المغامرة الايرانية و الاستفادة القصوى منها و ليس هناك من خاسر سوى المدنيين الابرياء العزل، وبين هذا و ذاك، تزداد وتائر و نسب إنبهار الشارع الشعبي العربي بنموذجي حزب الله اللبناني و حماس ولاسيما عندما يرونه متصديا و مقارعا لإسرائيل، لکن الطامة الکبرى أن لا أحد يتصور السيناريو المحتمل للوضع القادم في المنطقة خصوصا بعد إن تتم عملية تصفية الحسابات بصورة قطعية و حاسمة مع إيران وهو أمر وارد کثيرا وليس بالامکان أبدا إعتباره مجرد تخمين أو إحتمال عابر، وفي لغة المصالح المهمة و الاستراتيجية خصوصا عندما يحين الظرف الملائم للتحرك من أجله، فإن لا شئ إطلاقا يعلو عليه!

نزار جاف
nbsp;
[email protected]