للمسلمين روائع كثيرة، كما لغيرهم، عبر تأريخهم الحافل بالإنجازات المختلفة الغائبة اليوم أمام الأنظار، بسبب ما يعيشه المسلمون من تراجع وإنكسار وفوضى وإنهزام على الصعيد العالمي.
يوم كان المسلمون صلحاء في دينهم ودنياهم، يقودهم العقل باستنارة الهدي الإلهي الرسالي، قدموا لأنفسهم ولغيرهم ماينفع دينهم ودنياهم ودنيا غيرهم، ما يبقى وينمو بمقدارٍ في كلتا السبيلين.
وأسرج المسلمون الأوائل عرباً وكُرداً وتركاً وفرساً وأمازيغاً وآخرون، بل ومسيحييون شرقييون في ظل دولة الإسلام، خيول الحضارة في بلاد المشرق وإلى أطراف العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوبا.
ومازالت آثار أعمال المسلمين قائمة في الهند، وفي بلاد القوقاز، وفي شرقي أوروبا، وفي أفريقيا وشمالها، وإلى حيث الأندلس وما ورائها من بلاد الإفرنجة.
تاج محل ينتصب قائماً في الهند يبدي جمالاً وروعة. أما مسجد قرطبة والقصور والمدن والبناء الذي يدهش العقول، فما زال الإسبان والبرتغالييون يفتخرون به بين أمم الأرض. وليس في مكان في قطر من الأقطار وصل إليه المسلمون، إلا وتركوا فيه ما يدل على حرصهم على تزيين المكان وكسوه بالجمال، وفتح جداول الحياة إليه وفيه ومنه وإلى ما شاء الله.
هذا على مستوى البناء المادي والعمراني في الأرض. على أن ما قدمه المسلمون على الصعيد العلمي والروحي، يفوق بكثير ما تركوه من معالم فوق الأرض.
الصحيفة السجّادية من المعالم الروحية العظمى، الغائبة اليوم في حياة المسلمين.
الصحيفة السجّادية، هي جامعة أدعية إمام المسلمين علي بن الحسين بن علي (ع)، الملقب بزين العابدين.
ولد الإمام زين العابدين في منتصف العقد الرابع للهجرة، وتوفى عن سبعة وخمسين عاما، وهو عند الشيعة الإمام الرابع ضمن الإثني عشر إماماً قرشياً، حسب ما جاء خبر ذلك في روايات الحديث عند أهل السنّة والشيعة على السواء.
وقال الإمام الشافعي: إن علي بن الحسين أفقه أهل المدينة. وقال الإمام مالك: سمّي زين العابدين لكثرة عبادته. وأقر للإمام زين العابدين بالعلم والتقوى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، الذي جزم أن أحداً لم يؤت ذلك مثله إلا سلف زين العابدين من آبائه.
وأجمل ما قيل فيه هو قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: سراج الدنيا وجمال الإسلام زين العابدين.
ومما يؤسف له في حياة المسلمين المعاصرة، غياب هكذا تراث عظيم يكمن فيه الرشاد والهدي والتوفيق.
فعند السنّة بقي إسم زين العابدين وأسماء أعلام أهل البيت مكسوة بظلال كثيفة، ليس لها ذلك الحضور الطافح، لتستقي منه الناس إرشاد سبلهم بمعالمهم الجليلة.
فأهل البيت ظلوا عظماء عند أهل السنّة شأناً ومقاما، ولكن بسبب تراكم أحوال الإستبداد في عصور المسلمين الأوائل، وما جرى من إقصاء لدور أهل البيت سيادة وريادة، قلّ الإحتفاء بهذا التراث المبارك لدى أبناء المسلمين، بسبب الجهل لا الضغينة والأحقاد.
أما عند الشيعة فأقصي أهل البيت بصورة أخرى، لا تقلّ مأساةً عن تلك التي سلف ذكرها.
فالشيعة وعلى خلاف ما أوصى به أهل البيت والأئمة العظام، قاموا بتقديس أسماء ومظاهر أهل البيت شأناً أخرجهم من عالم الأرض والأنام، حتى أمسى جوهر أهل البيت أسطورة، أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. وفوق ذلك ومن أجل إستكمال صورة المأساة هذه، وما إستلزمها من هرطقة وبدعة وخرافة وإنحراف، تواترت عند الشيعة أخبار وقصص وتواشيح إستقرت في لبابهم، حتى أمست كينونة فارغة من محتوى رسالي سامي، كما هو جوهر الإسلام.
وفي هذا المدى الحزين أهمل تراث هؤلاء الأئمة الأطهار، ومنهم الإمام زين العابدين وصحيفته المشرقة الرائعة.
فالشيعي يعرف ويحفظ عن ظهر قلب ما هبّ ودبّ من الخزعبلات والقصص الخرافية، والترهات البريئة من الحقيقة، لكنه لا يعير كتاب الله عز وجل إهتماماً ينير له درب الحياة.
يحفظ تواشيح (مقامات)، ويعلم طرق اللطم والتطبير، لكنه لا يحفظ دعاء واحداً من صحيفة الإمام زين العابدين. هذا في العموم وقد لا يخلو الأمر من إستثناء نادر جداً، وهو ما يصبح الرقم الشاذ في سوادٍ مُهيمن.

الصحيفة السجّادية تستقي المعاني والمفردات البلاغية من روح سامية، طافت في العلياء حتى دنت منها الرقّة، واستخلصت اللهفة الشفيف عند اللقاء.
فالإعجاز فيها بسطٌ، والكلمة فيها مشهدٌ حيّ، والمعنى تجربة إنسان يسير بعناية ملكوت السماوات في الأرض، وينظر من قلب الرحمة، كلّ الرحمة، إلى الحياة حتى كأنّ الدعاء رسم زين العابدين قبل أن يلفظه هو نطقاً وحرفا.
وكما يبدو من شهادة أولئك الخلفاء والعلماء، كان الإمام زين العابدين قد جسّد في نفسه الإمتلاء بالإيمان، والتشبع بالإسلام، حتى صار قدوة ومثالاً في العلم والورع والتقوى.
ويظهر جليّاً في هذه الصحيفة أن زين العابدين كان رجل الدعاء، ويتخذه مملكته التي يتحصن بها، وسلاحه الذي يواجه به الشر والمحنة، والرحابة التي يردفها حضناً مليئاً بالشفقة للبشر جميعا: quot; اللهم صلّ على محمد وآله، واكسِر شهوتي عن كلّ محرم، وازوِ حرصي عن كلّ مأثم، وامنعني عن أذى كلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة. اللهم وأيما عبدٍ نال منّي ما حظرت عليه، وانتهك منّي ما حجرت عليه، فمضى بظلامتي ميّتا، أو حصلت لي قِبَلَه حيّا، فاغفر له ما ألمّ به منّي، واعفُ له عمّا أدبر به عنّي، ولا تقِفه على ما ارتكب فيّ، ولا تكشفه عمّا اكتسب بيّ... وعوّضني من عفوي عنهم عفوك، ومن دعائي لهم رحمتك، حتى يسعد كلّ واحد منّا بفضلك، وينجو كلّ منا بمنّكquot;
وفي خلال الدعاء ينشر الإمام علي بن الحسين (ع) من وحي رسالة الإسلام متربيّاً في مدرسة جدّه الأعظم رسول الله (ص)، منهج العرفان والتربية، وما ينبغي أن يقوم عليه الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي.
فالدعاء كان الرفيق الملازم لهذا الإمام الربّاني في كل وقت وفي كلّ مناسبة، حتى ليظن المرء أن الدعاء لم يفارق زين العابدين، في يقظته وقيامه وجلوسه دائماً وأبدا.
إنها رسالة تشمل جلّ نواحي حياة الإنسان في شؤون الحياة والدين، على درجة جد عظيمة في السموّ بالمرء إلى علياء الروح.
إن من يقرأ هذه الصحيفة، ستُسابق دموعه اشتعال قلبه ولهفة روحه. فالمقام يتبدل غير المقام، والرحلة في مدى الأبد تبدأ والجسد جامد في حيز المكان. ومن ثم يسمو الإنسان على كثافة المادة، وما يتغلغل إلى الروح من جشع وطمع وبغض وحقد وعدوان.
والصحيفة السجاديّة دون مبالغة بمرتبة منهج متكامل للتربية، وميثاقاً لحقوق الإنسان، ومركباً أميناً جميلاً هنيئاً للقاء بالخالق الرحيم.
كلّ دعاء منها حديقة من حدائق الجنة، وكلّ كلمة زهرة من أزاهيرها.
إن الحديث عن الصحيفة السجّادية في مقالٍ واحد أمرٌ محبط ومخجل. لكن الشفاعة في هذا، أن المقال ليس سوى دعوة للنظر في هذه الصحيفة، وتنويهاً بمكانتها العظيمة، وتأثيرها في نفوس المسلمين، لطالما عشتُ في رحابها الواسع الهنئ.
إنها لسعادة كبيرة العيش مع الصحيفة السجّادية، ولو كانت لأمة غير أمتنا لكانت منذ زمن بعيد واحدة من أشهر وأعظم كتب التأريخ!

ولكن ما عساها تفعل وهي ضائعة بين إهمال هذا، وإنشغال ذاك باللهو واللغو والزبد.
وا خجلتاه، وا حسرتاه!

علي سيريني

[email protected]