بعد معركة قانونية استمرت أربعة أشهر رفضت المحكمة الدستورية في تركيا حل حزب العدالة والتنمية الحاكم و حظر نشاط 71 من قياداته مكتفية بحرمانه من نصف المخصصات المالية التي كان يتلقاها كغيره من الأحزاب من الدولة.


صحيح أن الحكم أنقذ حزب العدالة من أن يواجه نفس مصير عشرين حزبا تركيا حظرتها المحكمة الدستورية في السابق بسبب أجندتها الإسلامية أو الكردية لكنه تضمن في الوقت نفسه تحذيرا قويا له من القيام بأنشطة مناهضة للعلمانية.


كما حال الحكم دون حدوث أزمة سياسية كبيرة كان يمكن أن تعصف باستقرار تركيا في حالة حل الحزب الذي حصل على47% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة أو حظر نشاط كبار قادته بمن فيهم رئيس الجمهورية عبد الله جول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.


وهي أزمة كانت ستمتد آثارها السلبية بكل تأكيد إلى الجهود التي تبذلها تركيا من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وكذلك إلى الاقتصاد التركي الذي تعرض لهزة واضحة مؤخرا تجلت في انخفاض قيمة الليرة وتراجع أسعار الأسهم في سوق المال.


بل إن آثارها كانت ستمتد إلى المؤسسة العسكرية التي بلغ رئيس أركانها الحالي الجنرال يشار بيوكانيت سن التقاعد وأصبح من الضروري اختيار خليفة له فورا وهو ما كان سيصبح متعذرا في حالة حل الحزب الحاكم واستقالة الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية جديدة.


لكن حزب العدالة لم يحقق في هذه المعركة انتصارا كاملا كما يعتقد الكثيرون فقد أفلت من قرار الحل لأسباب إجرائية تمثلت في عدم اكتمال النصاب القانوني الذي يستلزم موافقة ستة من مجموع 11 من قضاة المحكمة الدستورية وفي نفس الوقت تلقى تحذيرا عنيفا من المحكمة من انتهاك النظام العلماني للجمهورية التركية.


وأصبحت الكرة الآن في ملعب زعيم الحزب رجب طيب أردوغان الذي أصبح مطالبا قبل أي وقت مضى باعتماد سياسة أكثر مرونة تجاه العلمانيين الذين ينظرون بتوجس شديد لما يعتبرونه مشروع حزب العدالة لأسلمة الدولة التركية.
كما أصبح الحزب ملزما بوقف مساعيه - في الوقت الراهن على الأقل - لرفع الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الجامعات والتركيز على استتباب السلم الاجتماعي.


ولعل هذا ما دفع أردوغان فور صدور الحكم لتأكيد تمسكه بالمبادئ العلمانية للجمهورية التركية مؤكدا اعتزامه التشاور مع أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان حول الإصلاحات الدستورية والاقتصادية لتسريع وتيرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي كل الأحوال ليس واردا أن يغير أردوغان أهدافه لكنه سوف يكون مجبرا الآن على تغيير أولوياته وأساليبه حتى لا يواجه حزب العدالة والتنمية الذي تشكل في أغسطس 2001 كحزب سياسي علماني ذي جذور إسلامية وتسلم السلطة في مارس 2003 طلبا جديدا بحظر نشاطه. وهو احتمال سوف يظل قائما في ظل نصوص الدستور الحالي التي تسمح بحل أي حزب سياسي في حالة انتهاكه النظام العلماني للدولة او ممارسته العنف والإرهاب.


كما أن الصراع على السلطة لن يتوقف بين العدالة والتنمية وبين القوى العلمانية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي لا تخفي عدم ارتياحها لتوجهات حزب العدالة ورفضه الانضواء تحت عباءتها أسوة بالأحزاب التركية الأخرى.


والسؤال المطروح ما هي خطة زعيم حزب العدالة لتفادي المخاطر الناجمة عن تحذير المحكمة الدستورية؟
كل المؤشرات تؤكد أن أردوغان سوف يعطي الأولوية في المرحلة المقبلة للإصلاحات المطلوبة لتسريع انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي وتحت هذا الشعار سوف يواصل مفاوضاته مع الأوروبيين بالتوازي مع حزمة من الإصلاحات الدستورية التي تضمن عدم تعريض حزبه مجددا لخطر الحظر والحد من تدخل المؤسسة العسكرية في أداء المؤسسات المدنية.


كما ستتضمن التعديلات إصلاحات قضائية تنص على تولي أعضاء المحكمة الدستورية العليا مناصبهم بالانتخاب وليس بالتعيين الذي تتحكم في معظمه المؤسسة العسكرية وكذلك منع حظر الأحزاب السياسية عبر المحاكم ما لم تكن متورطة في أعمال عنف أو إرهاب وترك ذلك لصناديق الاقتراع.


وفي كل الأحوال سوف يحرص أردوغان على تنسيق المواقف مع الأحزاب الممثلة في البرلمان للاتفاق على الإصلاحات المطلوبة.
وفي هذا الإطار ليس مستبعدا أن يلجأ الرجل لإجراء تعديل وزاري وتغييرات داخلية في هيكل الحزب بهدف التمهيد لإستراتيجيته التي من المرجح أن تحظى بترحيب المجتمع الدولي الذي أكد ثقته في قدرة الحكومة التركية الحالية على مواصلة مسيرة الإصلاحات.


والسؤال الآن هل تنجح خطة أردوغان في تخفيف الاحتقان على الساحة السياسية التركية أم أنها ستؤدي إلى مواجهة جديدة مع خصومه العلمانيين؟!

عبد العزيز محمود
[email protected]