(1)

في الوقت الذي كان المستفيدون من ريع النظام الجزائري يبايعون السيد عبد العزيز بوتفليقة ملكا على الجملوكية الجزائرية في القاعة البيضاوية بالعاصمة، كانت أشلاء سبعة جزائريين تتناثر في ضواحي مدينة تبسة شرقا جراء تفجير قنبلتين على جانبي الطريق. في رسالة من الجماعات المسلحة إلى النظام بأننا (هاهُنا قاعدون). تزامنا مع البيعة أيضا، خرجت جريدة الخبر الجزائرية واسعة الانتشار بمانشيت عريض، (مطالبُ بترسيم المذهب الإباضي..لا يمكنني أن أدفع الضرائب، والدولة تحرم ابني من الدراسة) الجريدة كانت تعلّق على المنتدى الذي نظمتْه واستضافت فيه بعض ممثلي المجتمع المدني في مدينة بريان التي شهدت أحداث عنف طائفية ذهب ضحيتها قتيلان على الهوية الإباضية ومئات الجرحى إضافة إلى حرق العشرات من المنازل والمحال التجارية. وأخطر حدث رافق البيعة الكبرى، الانتشار الواسع لشريط فيديو يُظهر انحياز أفراد من قوات الأمن ومشاركتها في أعمال الشغب ضد الأقلية الإباضية وتدنيس قبورها. وهذه سابقة فريدة من نوعها تشهدها جزائر مابعد الاستقلال ما استدعى فتح (تحقيق) على مستوى وزارة الداخلية.

أنقر على الفيديو:

http://www.archive.org/details/exactions_a_berriane

(2)

البيعة الكبرى:

أحيّي مستشاري الرئيس لأنهم اختاروا يوم الخميس الثاني عشرمن هذا الشهر لتنظيم العرس ولم يقع اختيارهم على الجمعة 13 لأنني أعرف جيدا أن الرئيس يتطيّر من شؤم التواريخ والأمكنة، والجمعة 13 يُعتبر يوما مشؤوما عند عشاق الشعوذة، لكنني لم أفهم كيف دخل الرئيس القاعة البيضاوية على وقع أغنية مطرب الراي الشاب مامي والمغني ملاحق من قبل العدالة الفرنسية بتهمة تخذير فتاة وإجهاضها وهو في حُكم الهارب من العدالة! فعلى مستشاري الرئيس أن ينتبهوا لمثل هذه الهفوات الخطيرة لأن الأمر يتعلق بالبيعة الكبرى ولا مجال للخطأ. على كل، فإن المتابع للعرس يصل إلى نتيجة مفادها أن الحفل لم يكن لإعلان الترشح بل لتثبيت الحكم. من هنا أتمنى على أصحاب القرار أن يعلنوا السيد بوتفليقة ملكا من الآن، بدل الخوض في حملات انتخابية وتوعوية للشعب لأن النتيجة معروفة سلفا. وحرام عليهم أن يصرفوا مليارات الشعب على تلك المسرحية الانتخابية التي تحدَّد موعدها في التاسع من شهر أبريل-نيسان. فالحاضرون الذين بايعوا الملك لم يتعرفوا حتى على برنامجه الانتخابي ومشاريعه المستقبلية. كما أن سيادته طمأن الفرنسيين قبل أسبوع بأن لا خوف على مستقبل الجزائر السياسي إذا ماحصل له مكروه ndash;لاقدر الله- لأنه سيعلن قريبا عن استحداث منصب نائب الرئيس وسيكون من نصيب تلميذ النظام النجيب: أحمد أويحيى. وهذا ما كتبناه منذ ستة أشهر تقريبا.

(3)

الفتنة الكبرى:

وهنا لا أتحدث عن معركة صفّين، بل عن تلك الفتنة التي يُراد تحريكها في مدينة بريان جنوب الجزائر، بين الإباضية والمالكية وهي فتنة لها جذورها منذ الاستقلال، لكنها حُركت مؤخرا في مارس-آذار 2008 ثم في شهر يوليو قبل أن تعود مرة أخرى في يناير الماضي. حصيلة القتلى في يناير 2009 هي، مقتل شخصين على الهوية الإباضية: عمر كروشي، وبشير بن زايط. أما في مارس آذار 2008 فهي مقتل إباضيين: علي لعساكر وعيسى الداغور. وقد شهدت بريان نفس الأحداث عام تسعين قُتل خلالها الإباضي دادي عدون حاج ناصر ونجله. كما شهدت مدينة غرداية وهي عاصمة الولاية أحداثا طائفية في شهر رمضان من عام 1985 حيث قتلت مجموعة إجرامية فلاحا من الطائفة الإباضية في مزرعته (اشقبقب بكير) وتم سحله والتنكيل بجثته. طريقة قتله هذه، جعلت السكان الإباضية يبنون له نصبا تذكاريا في منطقة (لعديرة) قرب مزرعته. أحداث العنف الطائفية ضد الأقلية الإباضية لم تكن جديدة فقبل الاستقلال بسنتين أي في عام 1960 قٌتل أحد الإباضيين على هويته. كما شهدت مدينة (القرارة) القريبة من بريان في بداية التسعينات أعمال نهب وحرق بعدما رفضت جماعات غاضبة تسمية إحدى الثانويات باسم: العلامة الإباضي الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض، ما اعتبره الإباضية طمسا لهويتهم الثقافية والعرقية، ويعتبر الشيخ بيوض من رموز الإصلاح والمقاومة في منطقة وادي ميزاب وفي الجزائر ككل. حربُ تسمية مؤسسات وشوارع المدينة امتدت إلى الخلاف حول تسمية مطار المنطقة باسم شاعر الثورة مفدي زكرياء (إباضي) وشهدت مناورات سياسية وتأخيرا على مدى عقود قبل أن يُسمى المطار باسم كاتب النشيد الرسمي الجزائري.

خلاصة القول، إن هذه الفتنة التي تخمد وتثور حسب المزاجات السياسية ليست بالصورة السطحية التي تتناولها وسائل الإعلام المحلية ومؤسسات النظام الرسمية بالزعم بأنها أعمال شغب بين مراهقين يعانون التهميش والبطالة. بل هي حسب ممثلي المجتمع الإباضي الذين كانوا ضيفا على جريدة الخبر، صراع من أجل البقاء ومعارك ضد طمس الهوية الأمازيغية الإباضية لسكان المنطقة، وإذا كانت الدولة جادة في حل تلك الأزمة، فعليها بأن تبدأ بترسيم المذهب الإباضي، وتحمي سكان المنطقة من حملات التطهير العرقية وتُعوض عائلات القتلى والنازحين وتخفف عبء الضرائب والرسوم العالية المفروضة -استثناءً- على تجار المنطقة وتُعيد الأسماء الأمازيغية إلى شوارع ومؤسسات وقرى ومدن المنطقة، كما عليها أن تطبق العدالة على كل من تسوله نفسه بالعبث بمصير المنطقة حتى لو كان من رجال الأمن. لأن المسألة حساسة جدا والمنطقة تسبح على بحر من البترول والغاز، وأعين الدول الكبرى تتربص بالمنطقة ككل، لأن سيادة وجغرافية الجزائر كدولة في المحك الآن.

وللأسف الشديد يمكنني أن أقول، إن أحداث بريان الطائفية ماهي إلا فصل جديد من فصول الصراع على الحكم في الجزائر وستتصدر هذه الأحداث عناوين الأخبار في المستقبل المنظور وسوف نشهد تطورات دراماتيكية يمكنها أن تُغيّر جغرافية المنطقة، وهذا ما بدأ فعلا حيث شيد النظام مخيمات للنازحين الفارين من بيوتهم جراء تلك الأحداث، فيما لم يستأنف التلاميذ والطلاب دراستهم إلى حد اليوم في بعض الأحياء جراء أعمال العنف التي تنشب بينهم بين الفينة والاخرى.

(4)

الإرهاب:

مع احتدام الصراع على البيعة الكبرى عاد الإرهاب ليضرب الجزائر من جديد. فعملية مدينة تبسة شرق الجزائر ماهي إلا افتتاح لتلك المعارك القذرة التي يديرها المتصارعون على الحُكم. وقد تعوّد الجزائريون على ارتفاع وتيرة الإرهاب كلما كانت الجزائر على موعد مع استحقاقات انتخابية. ورغم أن البيعة تركت الباب مفتوحا أمام الإرهابيين للتوبة إلا أن لوبيات الفساد ومصالح النفوذ تحتاج إلى أوراق لاستعمالها كلما أحست بالخطر أو بتغيّر موازين القوى في غير صالحها. ولا عجب في أن تسمع -في جزائر 2009- الإرهابي حسان حطاب أبرز قادة الجماعات الدموية المُسلحة الذي ذبح وسلخ الجزائريين، أن تسمعه على الفضائيات العربية يدعو أتباعه إلى ترك السلاح. هذه هي المصالحة على الطريقة الانتهازية: يُحاسب الشباب الذين غُرر بهم ويسجنون ويحرمون من حقوقهم الاجتماعية والسياسية في حين يُستقبل مصاصو الدماء في فيلات مُحصنة ويُسوّقون للجماهير كمنقذين للوطن.

سليمان بوصوفه