قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

قد يكون الوعد الوحيد الذي صدق فيه صدام هو تسليم العراق عبارة عن quot; خرابة quot; كما كان يبشر في ذلك منذ عقد الثمانينات. وهذا السلوك وهذه الثقافة التدميرية هي وليد شرعي وهي سمة أساسية لحكم الديكتاتورية والاقصاء والتفرد. لذلك وهو يلوذ بحفرته الحقيرة وبعد ان سلم بغداد وكل العراق الى القوات الاجنبية في نيسان عام 2003، كان العراق عبارة عن بلد متهالك وبغداد التاريخية عبارة عن مدينة هرمة متداعة لاتملك من سمات التطور والحضارة اي أشارة بارزة تدعو للاعجاب او الفخر بها، بل انها تحولت الى بؤرة لصور وجداريات واصنام متعددة للديكتاتور مع حوالي 168 قصر رئاسي لاينتمي طرازها ونقوشها الى العمارة الانسانية او حتى العمارة العراقية التاريخية المميزة، بل تنتمي الى خانة نهم وجشع وخوف وتخلف ابناء القرى المعزولة.

واليوم والعراق الجديد يدخل الى العام السادس بدون ذلك الصنم فلا منصف يتوقع ان يتحول الى جنيف الشرق الاوسط وان يتم تعميره بشكل يفوق كل التصورات خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار الارهاب والانفلات الامني والطائفي الذي احاط بالبلد وايضا المحاصصة التي أثقلت كل مفاصل الحياة في العراق. ولكن حتى هذه الاسباب الواقعية ليس كافية لتعطيل الاعمار والبناء ولو على الاقل بحدوده الدنيا خاصة وان الوضع الامني في بعض المدن العراقية اصلا كان اكثر استقرار وايضا ان الوضع الامني في كل العراق يشهد تطور كبير وواضح منذ حوالي عامين.

ان مبرر شماعة النظام السابق في بلد تصل ميزانيته كمعدل سنوي الى حوالي اكثر من 70 مليار دولار. لم يعد هذا المبرر يمتلك ظلال تحيط به من الصدق والاخلاص في العمل وايضا لم يعد يجد ولو أدنى اصغاء من اي مواطن عراقي بسيط ممكن ان تنطلي عليه مثل هكذا مبررات اصبحت بصراحة quot; مسخه quot; ومتكررة بشكل يثير الاشمئزاز ويثير ايضا اكثر من علامة استفهام عن هذا quot; الهدر الملياري quot; بثروات العراقيين الاكارم. ان نزيف كبير تتعرض له ثروات العراقيين وبشكل لايمكن السكوت عليه. واذا كانت كل هذه المليارات تتبخر بسبب الفساد الاداري والاخلاقي في اهم مؤسسات الدولة العراقية فالعراق اذن ليس في طريقه للكارثة بل انه الكارثة نفسها.

ففي العراق اليوم اصبح تسيب الاطفال من المدارس ظاهرة واسعة لايمكن تجاهلها. وفي العراق اليوم لم يحصل المواطن العراقي على مفردات حصتة التومينية كاملة منذ سبعة سنوات وحتى يومنا هذا. والعراق اليوم يعيش دون أدنى تطور يثير الانتباه بالطاقة الكهربائية.ونفس الشيء ينطبق على طريقة عمل وزارة النفط ودوائرها. وقد تختصر صورة ابسط انفجار ارهابي يجري في بغداد حال وزارة الصحة العراقية حيث يفترش الجرحى الارض في ممررات المستشفى حتى وان كان هولاء الجرحى لايتجاوز عددهم عشرة اشخاص. ان في العراق اليوم تغيب كل شخوص وعلامات الفن والثقافة العراقية وكل النشاطات التي تجري والتي برزت في هذا المجال خلال الاشهر الاخيرة كانت تتم بمجهود فردي من بعض المصرين على احياء هذه المنارة العراقية. وفي عراق اليوم الرياضة متخلفة بكل مجالاتها فلا ملاعب ولا خطط يعتد بها. وفي عراق اليوم كل شيء مستورد حتى الطماطة والخيار بل ان الرافدين العظمين يتعرضى الى عملية قتل وموت بطيء على يد دول الجوار. وفي عراق اليوم السفارات عبارة عن بؤر للطائفية والعنصرية وصورة ناصعة للتخلف.


وفي عراق اليوم رواتب الوزراء واعضاء البرلمان فاقت كل تصور وكل انصاف او سلوك ممكن ان يكون في خانة quot; البشريه quot; بل ان هذه الرواتب والمخصصات تنتمي الى خانة اخرى. ولاغريب ان لم يتم محاسبة او اقالة وزير من قبل برلمان هو الاجدر في حقيقة الامر الى الاقالة واختفاء رموزه العاجزين من الواجهة الرئيسية في عراق اليوم بعد ان اثبت فشله وعجزه الذي وصل الى حد العوق التام. وفي عراق اليوم وفي مكاتب ومناصب مهمة يعملون اشخاص لاهم لهم سوى تعطيل اي مشروع عراقي وطني ووضع االمعوقات امامه. وفي عراق اليوم لايريد الكثيرين التفريق بين دعم العملية السياسية والدستورية ومحاربة الارهاب وبين السكوت على هكذا فساد لايقل انحطاط عن الارهاب نفسه. لذلك تراهم يسجلون استغرابهم علينا بعد كل مقالة ننتقد بها هذا الوضع المشين. ويفوت على هولاء ان ثروات العراقيين ليس أرث لهم، كما يفوت عليهم ان من واجبنا الاخلاقي والوطني ان نكسر مثل هكذا quot; شماعة quot; اصبحت من الماضي الذي يجب ازالة ركامه وتأسيس بناء جديد يعتمد المهنية والعلمية وايضا وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.


نعم كل هذا التخلف هو امتداد للخراب الذي بشرنا به الصنم الساقط. ولكن لاعراقي وبعد ستة سنوات يرى على الاطلاق ولو بذرة تعمير او بناء او الاقل بناء قاعدة صلبة للتحضير للبناء والاعمار المرتقب. لكن بذات الوقت ممكن الشعور وايضا رؤية العمارات والنشاطات التجارية في بيروت و عمان ودبي ودمشق وطهران واليمن والرياض والقاهرة ولندن وباريس ووارشو وعواصم اخرى، لذلك يبدوا على العراقيين مراقبة هذه العواصم جيدا اكثر من مراقبتهم لعاصمتهم التاريخية لان ثرواتهم بدأت تمد اعناقها في تلك المدن بعيدا عنهم.

محمد الوادي
[email protected]