خميس قلم: الأجناس السردية حافلة بالتنوع في مصطلحاتها ورؤيتها وأنواعها وعناصرها، فالرواية والقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والحالة وغيرها تتماس في بعض معطياتها وعناصرها وتنفصل في بعض خصائصها وفق ظروف وملابسات وعي الكاتب وتوظيفه للتقنيات الفنية المتاحة لديه وحتى على صعيد ما يسمى محددات القصة القصيرة، فقد اختلف نقّاد الأدب في طبيعتها قياساً بالنماذج الريادية لـ (إدجار ألن بو) و(جوجول) و(تشيخوف) وغيرهم، وتحولاتها فيما بعد حتى ليصف بعض النقاد بعض نصوص (بورخيس) بأنها تمثل حالة وليست قصصاً قصيرة .
أقول إن هذا الاختلاف مرهون بظروف تتعلق بالمادة الإبداعية ذاتها، فلا يمكن وضع قوانين صارمة يتموضع القاص على أساسها في زاوية أو خانة محددة .
ومجموعة (الممثل) للكاتبة أزهار أحمد الصادرة عن دار الانتشار العربي 2007م لا تتعامل في مجمل نصوصها مع عناصر القصة تعاملاً صارماً، بل تختار من تلك العناصر ما يخدم بنية السرد ويكشف فكرته، والفكرة في كل نص من نصوص المجموعة هي بؤرته وليس الحدث ولا أقصد بالفكرة هنا مغزى النص أو مراميه ومضامينه الدلالية بل النواة الأولى لكتابة نص مختلف على الصعيد الشكلي الخارجي للنص، كتقسيم النص إلى مشاهد مسرحية كما في نص (ستة صناديق من العنب)، (سنوات البياض) وعلى المستوى الداخلي المضموني بما يحمله الموضوع المطروح من غرائبية أو مفارقة كما في نص (الممثل)، ( إما أنا أو أنتِ).
وتأكيداً على سعي الكاتبة لإنشاء نصوص قائمة على الفكرة الجديدة أستعير هنا عبارة إحدى شخصيتها وهي (فرح) في نص (طلبنا طعاماً صينياً)، إذ تقول في حوار لها مع صديقتها (منى) ص 13:
ـ من كتب هذا الهراء يا فرح؟؟
هراء؟؟ ألا يعجبك؟؟ أنتِ الوحيدة التي ظننت أنه سيفتنك.
ـ ما الذي يمكن أن يفتنني فيه يا عزيزتي؟؟
الأسلوب (الفكرة)، البنية، ( النص جديد تماماً)
هذا هو حال الكاتبة تسعى من خلال الفكرة إلى كتابة نصٍ جديد تماماً.
للوهلة الأولى يظن الناظر إلى نصوص المجموعة أنها متجاورة، كل نص مستقل بفكرته وبنائه، لكن سرعان ما تتضح خطوط التماس بين النصوص بالقراءة الفاحصة وبمقدار ما تحدد هذه الخطوط ملامح النصوص وعلاقاتها وتسرّب ضمنها انفعالات الكاتبة النفسية وأفكارها. قد تتمركز هذه البؤرة/ الفكرة في أحد عناصر القصة كالحوار أو العقدة أو الشخصية مذوّبةً بقية العناصر بمعنى أن عناصر القصة تضمر وتنصهر لحساب فكرة النص فيغدو النص (نص الفكرة).
يمثل الحوار في قصة (ساشا والحصان) نموذجاً للفكرة الشكلية، فالحوار هو بؤرة النص والمسيطر على بنية السرد من البداية إلى النهاية بمعنى أن (النص برمته قائم على الحوار والعناصر الأخرى تتضاءل أمام سطوته)، ملامح الشخصيتين المتحاورتين مثلاً لا تكاد تبين ولا تتمايز فهما ذاتان تقعان في إشكال لغوي حول جملة خبرية إخبارية تحتمل الصدق أو الكذب وهي (ساشا وقعت عن الحصان)، ويستدعي هذا التشاكل اللغوي تحري الحادثة (حادثة وقوع ساشا عن الحصان) وتقصي علاقة (ساشا) بالأحصنة يتم ذلك باستخدام جمل استفهامية مكثفة عن طريق أحد أطراف الحوار الذي يبدي قلقه لأمر ما. ورغم أن وقوع ساشا عن الحصان يمثل حدثا بسيطاً لكن هذا الحدث لا ينمو بل يُنمَّي أو يساهم في نمو الحوار وتداعياته. كما أن الحوار لا يكشف أبعاد الشخصية المحورية (ساشا) التي يبدو من اسمها فقط أنها غير عربية وكل ما نعرفه أنها صديقة للمتحاورين. والتشاكل اللغوي الذي سوَغه الحوار يتأكد في نهاية النص ص 27:
ـ لكن قل لي: هل وقعت عن أم من؟
لماذا؟
ـ لكي أكتبها بشكل صحيح في قصتي عن ساشا والحصان.
الواضح أن القلق والتوتر المصاحب لأسئلة الحوار يتبخر في النهاية، فالمحاور السائل يتحرى الدقة اللغوية لكي ينجز قصته عن ساشا والحصان، لاغياً قلقه على ساشا وغير مكترث بمصيرها. هذه الجرأة في كتابة نص سردي قائم على الحوار فقط يؤكد سعي الكاتبة وتفتيشها عما هو جديد عن طريق التجريب الشكلي.
وتأكيداً على سعي الكاتبة لإنشاء نصوص قائمة على الفكرة الجديدة أستعير هنا عبارة إحدى شخصيتها وهي (فرح) في نص (طلبنا طعاماً صينياً)، إذ تقول في حوار لها مع صديقتها (منى) ص 13:
ـ من كتب هذا الهراء يا فرح؟؟
هراء؟؟ ألا يعجبك؟؟ أنتِ الوحيدة التي ظننت أنه سيفتنك.
ـ ما الذي يمكن أن يفتنني فيه يا عزيزتي؟؟
الأسلوب (الفكرة)، البنية، ( النص جديد تماماً)
هذا هو حال الكاتبة تسعى من خلال الفكرة إلى كتابة نصٍ جديد تماماً.
للوهلة الأولى يظن الناظر إلى نصوص المجموعة أنها متجاورة، كل نص مستقل بفكرته وبنائه، لكن سرعان ما تتضح خطوط التماس بين النصوص بالقراءة الفاحصة وبمقدار ما تحدد هذه الخطوط ملامح النصوص وعلاقاتها وتسرّب ضمنها انفعالات الكاتبة النفسية وأفكارها. قد تتمركز هذه البؤرة/ الفكرة في أحد عناصر القصة كالحوار أو العقدة أو الشخصية مذوّبةً بقية العناصر بمعنى أن عناصر القصة تضمر وتنصهر لحساب فكرة النص فيغدو النص (نص الفكرة).
يمثل الحوار في قصة (ساشا والحصان) نموذجاً للفكرة الشكلية، فالحوار هو بؤرة النص والمسيطر على بنية السرد من البداية إلى النهاية بمعنى أن (النص برمته قائم على الحوار والعناصر الأخرى تتضاءل أمام سطوته)، ملامح الشخصيتين المتحاورتين مثلاً لا تكاد تبين ولا تتمايز فهما ذاتان تقعان في إشكال لغوي حول جملة خبرية إخبارية تحتمل الصدق أو الكذب وهي (ساشا وقعت عن الحصان)، ويستدعي هذا التشاكل اللغوي تحري الحادثة (حادثة وقوع ساشا عن الحصان) وتقصي علاقة (ساشا) بالأحصنة يتم ذلك باستخدام جمل استفهامية مكثفة عن طريق أحد أطراف الحوار الذي يبدي قلقه لأمر ما. ورغم أن وقوع ساشا عن الحصان يمثل حدثا بسيطاً لكن هذا الحدث لا ينمو بل يُنمَّي أو يساهم في نمو الحوار وتداعياته. كما أن الحوار لا يكشف أبعاد الشخصية المحورية (ساشا) التي يبدو من اسمها فقط أنها غير عربية وكل ما نعرفه أنها صديقة للمتحاورين. والتشاكل اللغوي الذي سوَغه الحوار يتأكد في نهاية النص ص 27:
ـ لكن قل لي: هل وقعت عن أم من؟
لماذا؟
ـ لكي أكتبها بشكل صحيح في قصتي عن ساشا والحصان.
الواضح أن القلق والتوتر المصاحب لأسئلة الحوار يتبخر في النهاية، فالمحاور السائل يتحرى الدقة اللغوية لكي ينجز قصته عن ساشا والحصان، لاغياً قلقه على ساشا وغير مكترث بمصيرها. هذه الجرأة في كتابة نص سردي قائم على الحوار فقط يؤكد سعي الكاتبة وتفتيشها عما هو جديد عن طريق التجريب الشكلي.
والكاتبة مسكونة كذلك بفكرة الكتابة أو (الكتابة عن الكتابة) ويظهر ذلك بشكل عرضي في النص السابق في الجملة الأخيرة تحديداً (لكي أكتبها بشكل صحيح في قصتي عن ساشا والحصان)، كما تظهر ذات الفكرة في الجملة الأخيرة أيضاً من نص (قطعة خبز ومربى) حين تقول ص 55:
(وما بيدي حيله سوى أن أقضي الوقت بين جر حقائبي ومراقبة الناس والقراءة والكتابة)
هذه إشارات عابرة إلى حضور الكتابة، بينما تكرس الكاتبة النص الأول والثاني في المجموعة للتعبير عن هذه الفكرة: (الكتابة عن الكتابة)
النص الأول: (الكاتب الذي لا يحسن صياغة كذبة)
النص مركب يتشكل من ثلاثة نصوص فرعية غير مكتملة وهي:
1ـ أنا وصديقي في شوارع حلب الشهباء
2ـ أنا وصديقي في القاهرة الجميلة
3ـ أنا وصديقي في لشبونه
تتضام هذه النصوص الفرعية في داخل النص الرئيسي المشتمل على صوت السارد الذاتي وهو يعلق على محاولة كتابته للنصوص الفرعية وإخفاقه.. النص الرئيسي يكشف عن إفلاس (السارد/ شخصية محورية) وفشله في أن يصبح شاعراً: ص 11:
(أعلم أنني فشلت في كتابة ديواني الشعري الأول الذي أسميته quot;الرجل الذي يحب صنع الحلوى الجديدةquot; لم أكن أحب صنع شيء، لذا كانت كذباتي واضحة لأنها تفتقد إلى روح الثقة، والكذب متعب بالنسبة لي، لم أستطع كتابة قصيدة عن طبق واحد، بالرغم من إنني بذلت الكثير من الجهد في قراءة كتب الطبخ وغيرها)
بعد هذا الفشل الذريع يتوجه السارد إلى كتابة سلسلة قصصية بعنوان quot;مع صديقي في بلدان العالمquot; طارحاً أثناء سرده إشكالية الكتابة عن تجربة متخيلة في أماكن تشكلت مشاهدها الصورية من خلال المسلسلات والكتب فقط، مصحوباً بخوفه أن يكشف أحد ما كذبه في كتابة تجارب لم يعشها. هذه الرغبة العميقة من قبل السارد في الكتابة والإصرار على استمراريتها وتقديم نماذج لا تخلو من الطرافة، كل ذلك يعكس قلقاً سرياً يشغل الكاتبة، يختص بطبيعة الكتابة وحرارة التجربة ويمتد إلى النص الثاني.
النص الثاني: (طلبنا طعاماً صينياً)
يتشابك هذا النص مع النص السابق في بعض خيوطه وينفصل في أخرى، النصان ينطلقان من نفس الفكرة (الكتابة عن الكتابة).. يشترك السارد في النص السابق مع الساردة في هذا النص في عدة سمات أهمها أن كلا الساردين يمثلان الشخصية المحورية في النص، وكلاهما كاتب (قصة) وهما مصران على مواصلة الكتابة رغم العقبات. يقول الكاتب (النص السابق): ص 11:
quot;والآن لا أستطيع أن أروي حياتي بمدينة واحدة من كذبة، هناك تفاصيل تتعبني ومع هذا لن أيأس ....quot;
ويتأكد هذا الإصرار على الكتابة في نهاية النص حيث يشرع الكاتب بكتابة قصة ( أنا وصديقي في لشبونه) بتركها مفتوحة .
بالمثل تقول الكاتبة: (أحب قصتي وسأعرضها على أكثر من شخص وسأستمر في الكتابة)
ويتأكد هذا الإصرار على الكتابة أيضاً في نهاية النص عندما تقرر أن تكتب للبيت الأبيض وتسأله: ( لماذا حقاً يحب الأمريكيون الطعام الصيني؟)
وبالفعل تستمر( فرح) في عرض قصتها على شخص مناسب وهو الدكتور (أحمد) الذي يستمع إلى النص ذي اللغة الركيكة والفكرة الساذجة من وجهة نظره ومبدياً موقفه النقدي الساخر عن طريق قهقهته وتعليقه الساخر (أرجوك يا فرح لا تذهبي سأطلب لنا طعاماً صينياً، وواصل قهقهاته)
يبدأ نص الفتاة الكاتبة من ملاحظتها شغف الأمريكان بالطعام الصيني كما تصور أفلامهم رغم العداء السياسي بين الجانبين، وتجاهد لإيصال ملاحظتها لهذه الظاهرة المكرورة عبر تداعياتٍ لأحداث طريفة تتصل ببعض المشاهير مثل المطربة اللبنانية (هيفاء وهبي) ومقدمة برنامج تلفزيوني ( أوبرا).. هنا إشارة مبطنه من قبل الكاتبة الحقيقية إلى أن الأفكار التي قد نراها ساذجة وبسيطة هي بالنسبة لصاحبها رهيبة ومهمة وتعني له الكثير.
وفيما يتعلق بالاختلاف في بناء النصين نلاحظ أن الكاتبة اختارت للنص الأول (سارداً ذاتياً مشاركاً في صنع الأحداث وهو ذاته الشخصية المحورية/ ذكر، بينما اختارت أن تكون الشخصية المحورية/ الساردة الذاتية/ أنثى، في النص الثاني.
الوجه الآخر في الاختلاف يتعلق بطبيعة النصوص الفرعية داخل النص الرئيسي ففي النص الأول لا تكون نصوص الكاتب الداخلية مكتملة على عكس نص الفتاة الكاتبة في النص الثاني، فنصها مكتمل على الأقل بالنسبة لها.
وفيما يتعلق بشخوص النصوص الرئيسية فإن النص الأول يشتمل على شخصية واحدة فقط هي الكاتب نفسه، بينما يتألف النص الرئيسي الثاني من ثلاث شخصيات: منى، فرح، الدكتور أحمد.
هذا التناظر (التشابه والتقابل) بين النصين يؤكد على رؤية الكاتبة لطبيعة الكتابة كهم ذاتي وتحويله إلى فكرة مسيطرة على إيقاع النصين.
يتعالق مع هذين النصين نص آخر سميت المجموعة باسمه (الممثل) فالازدواج والتناظر الماثلان في النصين السابقين نراهما بصورة أوضح في نص (الممثل) الذي يتقاطع في نهايته الاستفهامية مع نص (طلبنا طعاماً صينياً) ويتقاطع في كون السارد الذكر هو الشخصية المحورية ذاتها، كما في نص (الكاتب الذي لا يحب صياغة كذبة)
وتلعب فكرة المفارقة دوراً فعالاً في بناء نص (الممثل) وتتجلى هذه الفكرة في عبارة (يريد أن يقدم أميراً بوجه متعب).. فدور الأمير الذي يؤديه الشاب الفقير يحقق الفكرة تماماً ص 44 :
quot;يحبون فيّ وجهي العنيد وملامحي الصارمة ، حتى أنتقم من هجره ليquot;
كما يجسد فكرة المفارقة كذلك عبارة quot;إييه أيها الأسيادquot; فأرباب عمله هم أسياده في الواقع، لكنه يذلهم بحاجتهم إليه لأداء الدور ويستخدمهم بتوفير ملذات المشاهد المصوّرة له، تظهر المفارقة أيضاً في أصوات السرد المضطربة فالشخصية المحورية تنقسم إلى ثلاثة مستويات من الضمائر بحسب السرد:
1ـ ضمير غائب quot;هوquot;
2ـ ضمير متكلم quot;أناquot;
3ـ ضمير مخاطب quot;أنتquot;
يبدأ النص بصوت لساردٍ يتحدث عن الشخصية المحورية بضمير الغائب (أخطأ مرة أخرى)، (يسمع صوتاً غاضباً)، (يبتسم بداخله)، (يحب الإعادة)، (هو الآن سيد ثروة أبيه)
لا يلبث هذا السارد أن يضمر ليحل محله صوت الشخصية المحورية معبرةً عن نفسها بضمير (المتكلم) (سأبدأ من جديد)، (تعبت من أداء أدوار الشجاعة والشهامة والمروءة، آن لي أن أهتدي)، ويستمر صوت الأنا الساردة (السارد الذاتي) حتى نهاية القصة.
ويعبر السارد الذاتي عن نفسه أيضاً باستخدام ضمير المخاطب (أنت تعلم أنه يمكنك إجادة هذا الدور يا خبيث تقول نفسك)، ( ربما هي المرة الأولى التي تؤدي فيها دوراً يفيض عنك ويأخذك إلى عالم الهوى)
هذه التغيرات في نبرة الخطاب بين (أنا) و(أنت) و(هو) تحدث مفارقة واضطراباً في أصوات السرد، وقد اختارت الكاتبة هذا الاضطراب في أصوات السرد توافقاً وانسجاماً مع طبيعة الشخصية المحورية المقلقلة بين قسوة الواقع وبؤسه ومشاهد البذخ التي يعيشها أثناء التصوير.
يمكننا مقاربة (فكرة المفارقة) كذلك في نص (اسكت لا تتكلم) / ففي حين تثير هذه العبارة في نفس أي مخاطب (غضباً وحنقاً) نرى أن الشخصية المحورية كما يروي السارد المشاهد/ نراها تنتشي فلأول مرة يمسكه أحد من يده وكأنه يمسك حياته كلها، ثم يطلب منه السكوت.. لقد استطاعت أن تفعلها وتهدم ذلك البناء المتهاوي في داخله وتريحه منه، (محمود) إذن يبتهج بشكل عبثي وجنوني جراء موقف بينه وبين حبيبته انتهى بقولها (اسكت لا تتكلم)
يتجلى هذا العبث والجنون في تصرفاته حيال الأغاني رقصاً ودندنة وقهقهة وانفتاح شهيته على الأغاني السريعة الراقصة ثم شراء أطباق وأكواب وأوانٍ مطبخية جديدة عوضاً عن الأواني القديمة التي ينوي أن يحطمها أمام عيون الجيران، المفارقة في تحول الغضب إلى موجة السخرية واللهو. هذا السلوك العبثي والمنطلق في الحياة بسبب (عبارة حبيبته) يذكرنا بتصوف السارد في نص (قربى) أيضاً بسبب (عبارة حبيبته) وهما نتيجتان ضديتان.. قالت هدى ذات مساء ص 48:
quot;أنت أروع مما يجب، لسانك سحر، وحرفك أسر، وعيناك هوى، وقلبك نعيم، إنما طولك منفىquot;
هنا مربط النص/ عقدة الشخصية المتمثلة في قصرها، فها هو العاشق يضرع لربه كي يمنحه شبرين إضافيين لتطول قامة محبته لدى حبيبته. وأثناء ابتهالاته لربه تتكشف له حقيقة الحب ويقرر أن (يترك عينيها ويهجر مكان ما وطئت قدماها إن كان الشبران مهر الحب)، تستلهم الكاتبة لغة تراثية مشبعة بنفس صوفي مستخدمة جملاً قصيرة أكثرها اسمية فيما يشبه الوصايا ص 48:
(الروح قلب المكان، والمكان قلب الأرض، والأرض وطن الجسد ومن التراب جئنا وإلى التراب نعود، وكل ما فوق التراب تراب)
وهذه العبارة الأخيرة تتناص مع أبيات تنسب للشاعرة الصوفية رابعة العدوية:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صح منك الود فالأمر هين
وكل الذي فوق التراب ترابُ
كما تتستلهم الكاتبة كثيراً من التراث الشعري بشكل مباشر وغير مباشر، ولكي لا نبتعد كثيراً عن خيط الفكرة، فإن النص هنا يتوخى فكرة استلهام اللغة/ لغة الخطابة القديمة المشبعة بروح الوعظ الديني ص 48:
quot;سلامة النفس في طلب المغفرة، والمغفرة هبة الله، الله نور السماوات والأرض، والله قريب، تذكر الله وارفع عينيك له، تبقى لك عيناه أبد الدهر، ويعدك بخلود النعيمquot; quot;الظن سوء، والجهل عقبة، والفتح قريب، لا الأرض غرس باق، ولا الجسد ثمرة الجنةquot;
ورغم محاولة الكاتبة توظيف تلك اللغة بحيث تنسجم مع لحمة النص إلا أن خيوط السرد تفلت منها ولا تظهر إلا في نهاية النص لتدلل على تحول الشخصية دون منطق سردي مقنع.
وإذا كانت الكاتبة تستلهم في النص السابق لغة الخطابة القديمة فإنها في نص(فيض) تستلهم لغة الشعر المكتظة بالمجاز والغموض، هل بسبب حساسية الموضوع وخصوصيته ينشأ قلق الكاتبة من الإفصاح والوضوح؟ ربما.. إنّ وقوع النص في منطقة ضبابية تجعله أشبه بقصيدة شعرية ينقل لنا الحالة والشعور دون أن يمنحنا جسداً للمعنى نستطيع الإمساك به، و يعضّد من ارتباط النّص بالشعر لغته الحافلة بالمجاز والتصوير ( جبلان وقفا والمسافة طريق اعتناق..) ( أمطرت الشهلاء.. ثم غابت بعد برهة) (وجم إبراهيم، الورد ما زال ورداً، فأين قميصي يا شهلاء؟ مطرك لم يبلل قلبي الغض والزهرة ما زالت بذرة) ( الميّاسة ذئب والعواء يقض جسد إبراهيم)
ننتقل الآن إلى فكرة أخرى تقسيم النص إلى عناوين داخلية توظفه في نصين، ينسجم مع نص أكثر من الآخر.
أولاً: من النصوص الإنسانية البديعة نص (سنوات البياض) وفيه تستعرض الكاتبة من خلال (سارد مشاهد) قصة فتى يُصاب بسرطان الدم، ويبقى سنوات في مرحلة العلاج داخل الدولة ثم خارجها وخلال سنوات البياض (كناية عن مرحلة العلاج بالمستشفيات) يتخلق نوعان من المشاعر المتناقضة تلف الأم والأسرة بالخوف والأمل، الخوف من المصير المحتوم، والأمل في الشفاء. وبين تلك المشاعر يكبر الفتى ويكبر المرض الخبيث داخله، خانقاً أحلام الفتى في قيادة (الفيتارا) وإطعام حماماته. لا شك أن النص مؤثر إنسانياً وناضج فنياً. وقد اشتغلت الكاتبة فيه على فكرة (انقطاع الزمن اعتماداً على عناوين داخليه) السنة الأولى من البياض، السنة الثانية، السنة الثالثة من البياض، السنة الرابعة. وشخصياً أرى أنه كان بإمكان الكاتبة الاستغناء عن تلك العناوين بوضع فواصل أو فراغ بين الفقرات لكنها أصرت على وضع العناوين رغم حذرها ودقتها في رصد نمو الزمن فقد استخدمت جملاً تؤدي غرض العناوين في إبراز حركة الزمن:
quot;ولكن أربعة عشر عاماً لا تدرك أن أول الغيث قطرةquot;' تكشف هذه الجملة عن العمر الذي بدأ فيه المرض بالظهور.. quot;وأبي وعدني بسيارة فيتارا بعد نجاحي من الثانويةquot; هذه الجملة تدل على نمو الزمن فالفتى صار على مشارف التخرج من الثانوية.. quot;عاد بعد أربعة أشهرquot; هذه الجملة تعبر أيضاً عن اختزال الزمن بين السفر والعودة.. quot;بدأت الثامنة عشرة تزحف إلى جسدهquot; تؤكد هذه الجملة على أن عدد السنوات التي قضاها الفتى تحت وطأة المرض هي أربع سنوات.
نلاحظ إذن أن تحت كل عنوان داخلي يوجد جملة ترتبط بنمو الزمن تجعل من العنوان الجزئي تحصيل حاصل على عكس العناوين في نص (ستة صناديق من العنب) فلقد شاركت العناوين الداخلية للمشاهد في إذابة المضمون في الشكل بمعنى أن فكرة (العناوين) الداخلية أدت دوراً فعالاً في توصيل المحتوى.
إن التوزيع المشهدي المسرحي في نص quot;ستة صناديق من العنبquot; يصور الجانب الشكلي للنص بينما يصور الوصف التعبيري البصري الجانب المعنوي، والجانبان الشكلي والمعنوي متضافران في جديلة النص، النص الذي يتألف من أربعة (عناوين/ مشاهد) متتابعة ومترابطة داخل النص.
يعرض المشهد الأول قلق المرأة وحيرتها وهي تتوزع بين احتمالات البياض والسواد المحيطة بها في مربعات الشطرنج:
ـ تكثيف اللغة يفتحها على احتمالات التأويل والقراءة بما تحفل به من رمزية.
ـ حركة المرأة داخل المشهد الأول حركة مسرحية توحي بالتراجع والاختباء والانكسار والهزيمة وهي أقرب إلى حركة الحصان في رقعة الشطرنج.
ـ المشهد الأول (مشهد داخلي ـ ليلي) يكشف نفسية المرأة من الداخل باستعراض قلقها وحيرتها عن طريق الألوان والحركة.
ـ توظف الكاتبة في هذا المشهد تقنيات تتعلق بالمسرح ومفرداته ص 63: (لوحة شطرنج على الشاشة تظهر لمدة دقيقة ثم تظهر سيدة بعباءة من يمين الكادر وتمشي حتى تقف حائرة وسط المربعات).
صوت السارد المشاهد هنا أشبه بصوت (المؤلف المخرج) وهو يصف بصرياً حركة الممثل في سيناريو المسرحية، كما توظف الكاتبة أيضاً تقنية الصوت والمؤثرات السمعية ص 63: (يهدر صوت غناء مغنيات الأعراس من كل جانب عروستنا يا بنت المملوكي) وتقول لاحقاً:
(وقد تحول الذهب والكتب إلى بسط سوداء والأصوات والموسيقى إلى أمواج هادرة)
يذكرنا هذا النص المستفيد من المسرح بنص quot;ساشا والحصانquot; المستفيد بدوره من فن المسرح في جعل الحوار نقطة ارتكاز النص، والمشاهد القادمة ستكشف سبب حيرتها وقلقها ولكن بشكل إيحائي لأن اللغة في هذا السياق لا تحتمل المباشرة.
يحدث تحول جذري للسيدة من المشهد الثاني إلى الثالث ففي حين تظهر مبتسمة ومكللة بالورد تلملم مصوغات الذهب ويُحتفي بها عروساً، تنقلب وضعيتها في المشهد الثالث ليتحول الذهب إلى بسط سوداء وأصوات الموسيقى إلى أمواج هادرة (وتنهض بحزن ودموع وحولها صناديق ممتلئة بعناقيد العنب).
تلك الصناديق ستمثل رابطاً مهما للحدث في المشهد الأخير ولكن قبل أن نخوض في إشارات المشهد الأخير لابد من طرح هذا التساؤل: ما مبرر هذا التحول الضدي للشخصية في المشهد الثالث؟ أو بصيغة أخرى: ما هي الدوافع التي قلبت الشخصية المحورية إلى النقيض؟
والحقيقة أن خيط الإجابة سيكون واضحاً فيما لو كان المشهد الثاني (داخلي ـ نهاري) فهو بصفته هذه يكشف عن دواخل الشخصية باعتبار أن المشهد (حلم) تراه السيدة أو (خيال) تتمثله في ذهنها تستفيق منه في المشهد الثالث، فلا يوجد تحول حقيقي بل هو (وهم) في داخل الشخصية، لكن الكاتبة تجعل المشهد الثاني (خارجي ـ نهاري) وبذلك يمكننا أن نرد تحول الشخصية إلى انقطاع الزمن بين المشهد الثاني والثالث وما يتضمنه هذا الانقطاع من أحداث مسكوت عنها في الزمن المفقود من النص، ذلك الانقطاع منطقته (العناوين/ المشاهد)، فتحولت العروس إلى مطلقة ربما أو أرملة خلال الوقت الضائع، وبدلت أحوالها المعيشية وسيؤكد على ذلك المشهد الأخير الذي يجسد حيرة السيدة في المشهد الأول، وكأنه تحقق للرؤية الداخلية أو كأن المشاهد اللاحقة للمشهد الأول بمثابة التفصيل الخارجي بعد الإجمال الداخلي.
السيدة الرازحة تحت ثقل صناديق العنب الستة بكل ما تحمله تلك الصناديق من دلالة الأعباء أو الأبناء أو غير ذلك، لا تدري أي احتمال تسلك وإلى أي منزل من المنزلين يجب أن تتوجه.
(وما بيدي حيله سوى أن أقضي الوقت بين جر حقائبي ومراقبة الناس والقراءة والكتابة)
هذه إشارات عابرة إلى حضور الكتابة، بينما تكرس الكاتبة النص الأول والثاني في المجموعة للتعبير عن هذه الفكرة: (الكتابة عن الكتابة)
النص الأول: (الكاتب الذي لا يحسن صياغة كذبة)
النص مركب يتشكل من ثلاثة نصوص فرعية غير مكتملة وهي:
1ـ أنا وصديقي في شوارع حلب الشهباء
2ـ أنا وصديقي في القاهرة الجميلة
3ـ أنا وصديقي في لشبونه
تتضام هذه النصوص الفرعية في داخل النص الرئيسي المشتمل على صوت السارد الذاتي وهو يعلق على محاولة كتابته للنصوص الفرعية وإخفاقه.. النص الرئيسي يكشف عن إفلاس (السارد/ شخصية محورية) وفشله في أن يصبح شاعراً: ص 11:
(أعلم أنني فشلت في كتابة ديواني الشعري الأول الذي أسميته quot;الرجل الذي يحب صنع الحلوى الجديدةquot; لم أكن أحب صنع شيء، لذا كانت كذباتي واضحة لأنها تفتقد إلى روح الثقة، والكذب متعب بالنسبة لي، لم أستطع كتابة قصيدة عن طبق واحد، بالرغم من إنني بذلت الكثير من الجهد في قراءة كتب الطبخ وغيرها)
بعد هذا الفشل الذريع يتوجه السارد إلى كتابة سلسلة قصصية بعنوان quot;مع صديقي في بلدان العالمquot; طارحاً أثناء سرده إشكالية الكتابة عن تجربة متخيلة في أماكن تشكلت مشاهدها الصورية من خلال المسلسلات والكتب فقط، مصحوباً بخوفه أن يكشف أحد ما كذبه في كتابة تجارب لم يعشها. هذه الرغبة العميقة من قبل السارد في الكتابة والإصرار على استمراريتها وتقديم نماذج لا تخلو من الطرافة، كل ذلك يعكس قلقاً سرياً يشغل الكاتبة، يختص بطبيعة الكتابة وحرارة التجربة ويمتد إلى النص الثاني.
النص الثاني: (طلبنا طعاماً صينياً)
يتشابك هذا النص مع النص السابق في بعض خيوطه وينفصل في أخرى، النصان ينطلقان من نفس الفكرة (الكتابة عن الكتابة).. يشترك السارد في النص السابق مع الساردة في هذا النص في عدة سمات أهمها أن كلا الساردين يمثلان الشخصية المحورية في النص، وكلاهما كاتب (قصة) وهما مصران على مواصلة الكتابة رغم العقبات. يقول الكاتب (النص السابق): ص 11:
quot;والآن لا أستطيع أن أروي حياتي بمدينة واحدة من كذبة، هناك تفاصيل تتعبني ومع هذا لن أيأس ....quot;
ويتأكد هذا الإصرار على الكتابة في نهاية النص حيث يشرع الكاتب بكتابة قصة ( أنا وصديقي في لشبونه) بتركها مفتوحة .
بالمثل تقول الكاتبة: (أحب قصتي وسأعرضها على أكثر من شخص وسأستمر في الكتابة)
ويتأكد هذا الإصرار على الكتابة أيضاً في نهاية النص عندما تقرر أن تكتب للبيت الأبيض وتسأله: ( لماذا حقاً يحب الأمريكيون الطعام الصيني؟)
وبالفعل تستمر( فرح) في عرض قصتها على شخص مناسب وهو الدكتور (أحمد) الذي يستمع إلى النص ذي اللغة الركيكة والفكرة الساذجة من وجهة نظره ومبدياً موقفه النقدي الساخر عن طريق قهقهته وتعليقه الساخر (أرجوك يا فرح لا تذهبي سأطلب لنا طعاماً صينياً، وواصل قهقهاته)
يبدأ نص الفتاة الكاتبة من ملاحظتها شغف الأمريكان بالطعام الصيني كما تصور أفلامهم رغم العداء السياسي بين الجانبين، وتجاهد لإيصال ملاحظتها لهذه الظاهرة المكرورة عبر تداعياتٍ لأحداث طريفة تتصل ببعض المشاهير مثل المطربة اللبنانية (هيفاء وهبي) ومقدمة برنامج تلفزيوني ( أوبرا).. هنا إشارة مبطنه من قبل الكاتبة الحقيقية إلى أن الأفكار التي قد نراها ساذجة وبسيطة هي بالنسبة لصاحبها رهيبة ومهمة وتعني له الكثير.
وفيما يتعلق بالاختلاف في بناء النصين نلاحظ أن الكاتبة اختارت للنص الأول (سارداً ذاتياً مشاركاً في صنع الأحداث وهو ذاته الشخصية المحورية/ ذكر، بينما اختارت أن تكون الشخصية المحورية/ الساردة الذاتية/ أنثى، في النص الثاني.
الوجه الآخر في الاختلاف يتعلق بطبيعة النصوص الفرعية داخل النص الرئيسي ففي النص الأول لا تكون نصوص الكاتب الداخلية مكتملة على عكس نص الفتاة الكاتبة في النص الثاني، فنصها مكتمل على الأقل بالنسبة لها.
وفيما يتعلق بشخوص النصوص الرئيسية فإن النص الأول يشتمل على شخصية واحدة فقط هي الكاتب نفسه، بينما يتألف النص الرئيسي الثاني من ثلاث شخصيات: منى، فرح، الدكتور أحمد.
هذا التناظر (التشابه والتقابل) بين النصين يؤكد على رؤية الكاتبة لطبيعة الكتابة كهم ذاتي وتحويله إلى فكرة مسيطرة على إيقاع النصين.
يتعالق مع هذين النصين نص آخر سميت المجموعة باسمه (الممثل) فالازدواج والتناظر الماثلان في النصين السابقين نراهما بصورة أوضح في نص (الممثل) الذي يتقاطع في نهايته الاستفهامية مع نص (طلبنا طعاماً صينياً) ويتقاطع في كون السارد الذكر هو الشخصية المحورية ذاتها، كما في نص (الكاتب الذي لا يحب صياغة كذبة)
وتلعب فكرة المفارقة دوراً فعالاً في بناء نص (الممثل) وتتجلى هذه الفكرة في عبارة (يريد أن يقدم أميراً بوجه متعب).. فدور الأمير الذي يؤديه الشاب الفقير يحقق الفكرة تماماً ص 44 :
quot;يحبون فيّ وجهي العنيد وملامحي الصارمة ، حتى أنتقم من هجره ليquot;
كما يجسد فكرة المفارقة كذلك عبارة quot;إييه أيها الأسيادquot; فأرباب عمله هم أسياده في الواقع، لكنه يذلهم بحاجتهم إليه لأداء الدور ويستخدمهم بتوفير ملذات المشاهد المصوّرة له، تظهر المفارقة أيضاً في أصوات السرد المضطربة فالشخصية المحورية تنقسم إلى ثلاثة مستويات من الضمائر بحسب السرد:
1ـ ضمير غائب quot;هوquot;
2ـ ضمير متكلم quot;أناquot;
3ـ ضمير مخاطب quot;أنتquot;
يبدأ النص بصوت لساردٍ يتحدث عن الشخصية المحورية بضمير الغائب (أخطأ مرة أخرى)، (يسمع صوتاً غاضباً)، (يبتسم بداخله)، (يحب الإعادة)، (هو الآن سيد ثروة أبيه)
لا يلبث هذا السارد أن يضمر ليحل محله صوت الشخصية المحورية معبرةً عن نفسها بضمير (المتكلم) (سأبدأ من جديد)، (تعبت من أداء أدوار الشجاعة والشهامة والمروءة، آن لي أن أهتدي)، ويستمر صوت الأنا الساردة (السارد الذاتي) حتى نهاية القصة.
ويعبر السارد الذاتي عن نفسه أيضاً باستخدام ضمير المخاطب (أنت تعلم أنه يمكنك إجادة هذا الدور يا خبيث تقول نفسك)، ( ربما هي المرة الأولى التي تؤدي فيها دوراً يفيض عنك ويأخذك إلى عالم الهوى)
هذه التغيرات في نبرة الخطاب بين (أنا) و(أنت) و(هو) تحدث مفارقة واضطراباً في أصوات السرد، وقد اختارت الكاتبة هذا الاضطراب في أصوات السرد توافقاً وانسجاماً مع طبيعة الشخصية المحورية المقلقلة بين قسوة الواقع وبؤسه ومشاهد البذخ التي يعيشها أثناء التصوير.
يمكننا مقاربة (فكرة المفارقة) كذلك في نص (اسكت لا تتكلم) / ففي حين تثير هذه العبارة في نفس أي مخاطب (غضباً وحنقاً) نرى أن الشخصية المحورية كما يروي السارد المشاهد/ نراها تنتشي فلأول مرة يمسكه أحد من يده وكأنه يمسك حياته كلها، ثم يطلب منه السكوت.. لقد استطاعت أن تفعلها وتهدم ذلك البناء المتهاوي في داخله وتريحه منه، (محمود) إذن يبتهج بشكل عبثي وجنوني جراء موقف بينه وبين حبيبته انتهى بقولها (اسكت لا تتكلم)
يتجلى هذا العبث والجنون في تصرفاته حيال الأغاني رقصاً ودندنة وقهقهة وانفتاح شهيته على الأغاني السريعة الراقصة ثم شراء أطباق وأكواب وأوانٍ مطبخية جديدة عوضاً عن الأواني القديمة التي ينوي أن يحطمها أمام عيون الجيران، المفارقة في تحول الغضب إلى موجة السخرية واللهو. هذا السلوك العبثي والمنطلق في الحياة بسبب (عبارة حبيبته) يذكرنا بتصوف السارد في نص (قربى) أيضاً بسبب (عبارة حبيبته) وهما نتيجتان ضديتان.. قالت هدى ذات مساء ص 48:
quot;أنت أروع مما يجب، لسانك سحر، وحرفك أسر، وعيناك هوى، وقلبك نعيم، إنما طولك منفىquot;
هنا مربط النص/ عقدة الشخصية المتمثلة في قصرها، فها هو العاشق يضرع لربه كي يمنحه شبرين إضافيين لتطول قامة محبته لدى حبيبته. وأثناء ابتهالاته لربه تتكشف له حقيقة الحب ويقرر أن (يترك عينيها ويهجر مكان ما وطئت قدماها إن كان الشبران مهر الحب)، تستلهم الكاتبة لغة تراثية مشبعة بنفس صوفي مستخدمة جملاً قصيرة أكثرها اسمية فيما يشبه الوصايا ص 48:
(الروح قلب المكان، والمكان قلب الأرض، والأرض وطن الجسد ومن التراب جئنا وإلى التراب نعود، وكل ما فوق التراب تراب)
وهذه العبارة الأخيرة تتناص مع أبيات تنسب للشاعرة الصوفية رابعة العدوية:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صح منك الود فالأمر هين
وكل الذي فوق التراب ترابُ
كما تتستلهم الكاتبة كثيراً من التراث الشعري بشكل مباشر وغير مباشر، ولكي لا نبتعد كثيراً عن خيط الفكرة، فإن النص هنا يتوخى فكرة استلهام اللغة/ لغة الخطابة القديمة المشبعة بروح الوعظ الديني ص 48:
quot;سلامة النفس في طلب المغفرة، والمغفرة هبة الله، الله نور السماوات والأرض، والله قريب، تذكر الله وارفع عينيك له، تبقى لك عيناه أبد الدهر، ويعدك بخلود النعيمquot; quot;الظن سوء، والجهل عقبة، والفتح قريب، لا الأرض غرس باق، ولا الجسد ثمرة الجنةquot;
ورغم محاولة الكاتبة توظيف تلك اللغة بحيث تنسجم مع لحمة النص إلا أن خيوط السرد تفلت منها ولا تظهر إلا في نهاية النص لتدلل على تحول الشخصية دون منطق سردي مقنع.
وإذا كانت الكاتبة تستلهم في النص السابق لغة الخطابة القديمة فإنها في نص(فيض) تستلهم لغة الشعر المكتظة بالمجاز والغموض، هل بسبب حساسية الموضوع وخصوصيته ينشأ قلق الكاتبة من الإفصاح والوضوح؟ ربما.. إنّ وقوع النص في منطقة ضبابية تجعله أشبه بقصيدة شعرية ينقل لنا الحالة والشعور دون أن يمنحنا جسداً للمعنى نستطيع الإمساك به، و يعضّد من ارتباط النّص بالشعر لغته الحافلة بالمجاز والتصوير ( جبلان وقفا والمسافة طريق اعتناق..) ( أمطرت الشهلاء.. ثم غابت بعد برهة) (وجم إبراهيم، الورد ما زال ورداً، فأين قميصي يا شهلاء؟ مطرك لم يبلل قلبي الغض والزهرة ما زالت بذرة) ( الميّاسة ذئب والعواء يقض جسد إبراهيم)
ننتقل الآن إلى فكرة أخرى تقسيم النص إلى عناوين داخلية توظفه في نصين، ينسجم مع نص أكثر من الآخر.
أولاً: من النصوص الإنسانية البديعة نص (سنوات البياض) وفيه تستعرض الكاتبة من خلال (سارد مشاهد) قصة فتى يُصاب بسرطان الدم، ويبقى سنوات في مرحلة العلاج داخل الدولة ثم خارجها وخلال سنوات البياض (كناية عن مرحلة العلاج بالمستشفيات) يتخلق نوعان من المشاعر المتناقضة تلف الأم والأسرة بالخوف والأمل، الخوف من المصير المحتوم، والأمل في الشفاء. وبين تلك المشاعر يكبر الفتى ويكبر المرض الخبيث داخله، خانقاً أحلام الفتى في قيادة (الفيتارا) وإطعام حماماته. لا شك أن النص مؤثر إنسانياً وناضج فنياً. وقد اشتغلت الكاتبة فيه على فكرة (انقطاع الزمن اعتماداً على عناوين داخليه) السنة الأولى من البياض، السنة الثانية، السنة الثالثة من البياض، السنة الرابعة. وشخصياً أرى أنه كان بإمكان الكاتبة الاستغناء عن تلك العناوين بوضع فواصل أو فراغ بين الفقرات لكنها أصرت على وضع العناوين رغم حذرها ودقتها في رصد نمو الزمن فقد استخدمت جملاً تؤدي غرض العناوين في إبراز حركة الزمن:
quot;ولكن أربعة عشر عاماً لا تدرك أن أول الغيث قطرةquot;' تكشف هذه الجملة عن العمر الذي بدأ فيه المرض بالظهور.. quot;وأبي وعدني بسيارة فيتارا بعد نجاحي من الثانويةquot; هذه الجملة تدل على نمو الزمن فالفتى صار على مشارف التخرج من الثانوية.. quot;عاد بعد أربعة أشهرquot; هذه الجملة تعبر أيضاً عن اختزال الزمن بين السفر والعودة.. quot;بدأت الثامنة عشرة تزحف إلى جسدهquot; تؤكد هذه الجملة على أن عدد السنوات التي قضاها الفتى تحت وطأة المرض هي أربع سنوات.
نلاحظ إذن أن تحت كل عنوان داخلي يوجد جملة ترتبط بنمو الزمن تجعل من العنوان الجزئي تحصيل حاصل على عكس العناوين في نص (ستة صناديق من العنب) فلقد شاركت العناوين الداخلية للمشاهد في إذابة المضمون في الشكل بمعنى أن فكرة (العناوين) الداخلية أدت دوراً فعالاً في توصيل المحتوى.
إن التوزيع المشهدي المسرحي في نص quot;ستة صناديق من العنبquot; يصور الجانب الشكلي للنص بينما يصور الوصف التعبيري البصري الجانب المعنوي، والجانبان الشكلي والمعنوي متضافران في جديلة النص، النص الذي يتألف من أربعة (عناوين/ مشاهد) متتابعة ومترابطة داخل النص.
يعرض المشهد الأول قلق المرأة وحيرتها وهي تتوزع بين احتمالات البياض والسواد المحيطة بها في مربعات الشطرنج:
ـ تكثيف اللغة يفتحها على احتمالات التأويل والقراءة بما تحفل به من رمزية.
ـ حركة المرأة داخل المشهد الأول حركة مسرحية توحي بالتراجع والاختباء والانكسار والهزيمة وهي أقرب إلى حركة الحصان في رقعة الشطرنج.
ـ المشهد الأول (مشهد داخلي ـ ليلي) يكشف نفسية المرأة من الداخل باستعراض قلقها وحيرتها عن طريق الألوان والحركة.
ـ توظف الكاتبة في هذا المشهد تقنيات تتعلق بالمسرح ومفرداته ص 63: (لوحة شطرنج على الشاشة تظهر لمدة دقيقة ثم تظهر سيدة بعباءة من يمين الكادر وتمشي حتى تقف حائرة وسط المربعات).
صوت السارد المشاهد هنا أشبه بصوت (المؤلف المخرج) وهو يصف بصرياً حركة الممثل في سيناريو المسرحية، كما توظف الكاتبة أيضاً تقنية الصوت والمؤثرات السمعية ص 63: (يهدر صوت غناء مغنيات الأعراس من كل جانب عروستنا يا بنت المملوكي) وتقول لاحقاً:
(وقد تحول الذهب والكتب إلى بسط سوداء والأصوات والموسيقى إلى أمواج هادرة)
يذكرنا هذا النص المستفيد من المسرح بنص quot;ساشا والحصانquot; المستفيد بدوره من فن المسرح في جعل الحوار نقطة ارتكاز النص، والمشاهد القادمة ستكشف سبب حيرتها وقلقها ولكن بشكل إيحائي لأن اللغة في هذا السياق لا تحتمل المباشرة.
يحدث تحول جذري للسيدة من المشهد الثاني إلى الثالث ففي حين تظهر مبتسمة ومكللة بالورد تلملم مصوغات الذهب ويُحتفي بها عروساً، تنقلب وضعيتها في المشهد الثالث ليتحول الذهب إلى بسط سوداء وأصوات الموسيقى إلى أمواج هادرة (وتنهض بحزن ودموع وحولها صناديق ممتلئة بعناقيد العنب).
تلك الصناديق ستمثل رابطاً مهما للحدث في المشهد الأخير ولكن قبل أن نخوض في إشارات المشهد الأخير لابد من طرح هذا التساؤل: ما مبرر هذا التحول الضدي للشخصية في المشهد الثالث؟ أو بصيغة أخرى: ما هي الدوافع التي قلبت الشخصية المحورية إلى النقيض؟
والحقيقة أن خيط الإجابة سيكون واضحاً فيما لو كان المشهد الثاني (داخلي ـ نهاري) فهو بصفته هذه يكشف عن دواخل الشخصية باعتبار أن المشهد (حلم) تراه السيدة أو (خيال) تتمثله في ذهنها تستفيق منه في المشهد الثالث، فلا يوجد تحول حقيقي بل هو (وهم) في داخل الشخصية، لكن الكاتبة تجعل المشهد الثاني (خارجي ـ نهاري) وبذلك يمكننا أن نرد تحول الشخصية إلى انقطاع الزمن بين المشهد الثاني والثالث وما يتضمنه هذا الانقطاع من أحداث مسكوت عنها في الزمن المفقود من النص، ذلك الانقطاع منطقته (العناوين/ المشاهد)، فتحولت العروس إلى مطلقة ربما أو أرملة خلال الوقت الضائع، وبدلت أحوالها المعيشية وسيؤكد على ذلك المشهد الأخير الذي يجسد حيرة السيدة في المشهد الأول، وكأنه تحقق للرؤية الداخلية أو كأن المشاهد اللاحقة للمشهد الأول بمثابة التفصيل الخارجي بعد الإجمال الداخلي.
السيدة الرازحة تحت ثقل صناديق العنب الستة بكل ما تحمله تلك الصناديق من دلالة الأعباء أو الأبناء أو غير ذلك، لا تدري أي احتمال تسلك وإلى أي منزل من المنزلين يجب أن تتوجه.
الفكرة التي تشغل الكاتبة في نص (قطعة خبز ومربى) هي فكرة المقارنة، وتكون بين نمط سلوك المرأة الغربية والمرأة العربية.
النّص يحكي قصة صديقتين يجمعهما حبّ الفنّ والقراءة والسينما، ويختلفان في كل شيء آخر (ماري وأنا يا له من اختلاف في كل شيء)، تكشف تجربة سفرهما المشترك أبعاد هذا الاختلاف، فالساردة فتاة شرقية تربت تربية عربية أصيلة، تحمل لأفراد أسرتها الهدايا ولعب الأطفال في حقائبها الثلاث الكبيرة، على عكس صديقتها الأوربية المحملة بحقيبة خفيفة على ظهرها وكتابان بيدها، وترى الساردة أن صديقتها الأوربية (معتادة على العمل والحركة) بينما هي (شرقية كسولة معتادة على الراحة) وأنّ (ماري معتادة على إيجاد حلول سريعة للمواقف الصعبة فهي مدربة على التفكير المنطقي، كما أنها تحب المشي) و يبدو أن الساردة على عكس ذلك.
نلاحظ أنّ كلّ تلك الاختلافات بين الشخصيتين تصبّ لصالح الصديقة الأوربية مما يجعلها الطرف الأقوى المسيطر على العلاقة، فهي من يتصرف لحجز غرفة بالفندق وهي من تقرر متى وماذا يأكلان (قالت ماري: جعت، ها جاء الفرج، أخيراً جاعت ماري والمعنى سنأكل) وماذا سيأكلان؟ (قطعة خبز و مربى، طبعاً هي تتوقع أنني مثلها، لا يخطر ببالها أن قطعة الخبز والمربى لا تعدّ طعاماً، لكنني أسايرها، يجب أن أتمتع بالرقي والحداثة، قلت لها بشفاهٍ تصطكان: أووه ممتاز، ستكون وجبة عظيمة!) هذه المجاملة من قبل الساردة تعكس مطاوعتها لماري حتى لا تبدو أقل رقيّاً وحداثة، وعبارتا ( ماري معي تحميني) (أومأت لها أني بحاجة إليها) تختزلان علاقة التبعية بينهما.
تعكس تلك المقارنة وما ترتب عليها من أحداث بين الصديقتين إعجاباً مكشوفاً من قبل الكاتبة لنمط الشخصية الغربية، وإنكاراً لشخصية المرأة العربية، ورغم محاولة الكاتبة رسم ملامح للشخصيتين إلاّ أنّ سطوة الفكرة جعلتهما يسيران في اتجاهين متوازيين جامدين.
النّص يحكي قصة صديقتين يجمعهما حبّ الفنّ والقراءة والسينما، ويختلفان في كل شيء آخر (ماري وأنا يا له من اختلاف في كل شيء)، تكشف تجربة سفرهما المشترك أبعاد هذا الاختلاف، فالساردة فتاة شرقية تربت تربية عربية أصيلة، تحمل لأفراد أسرتها الهدايا ولعب الأطفال في حقائبها الثلاث الكبيرة، على عكس صديقتها الأوربية المحملة بحقيبة خفيفة على ظهرها وكتابان بيدها، وترى الساردة أن صديقتها الأوربية (معتادة على العمل والحركة) بينما هي (شرقية كسولة معتادة على الراحة) وأنّ (ماري معتادة على إيجاد حلول سريعة للمواقف الصعبة فهي مدربة على التفكير المنطقي، كما أنها تحب المشي) و يبدو أن الساردة على عكس ذلك.
نلاحظ أنّ كلّ تلك الاختلافات بين الشخصيتين تصبّ لصالح الصديقة الأوربية مما يجعلها الطرف الأقوى المسيطر على العلاقة، فهي من يتصرف لحجز غرفة بالفندق وهي من تقرر متى وماذا يأكلان (قالت ماري: جعت، ها جاء الفرج، أخيراً جاعت ماري والمعنى سنأكل) وماذا سيأكلان؟ (قطعة خبز و مربى، طبعاً هي تتوقع أنني مثلها، لا يخطر ببالها أن قطعة الخبز والمربى لا تعدّ طعاماً، لكنني أسايرها، يجب أن أتمتع بالرقي والحداثة، قلت لها بشفاهٍ تصطكان: أووه ممتاز، ستكون وجبة عظيمة!) هذه المجاملة من قبل الساردة تعكس مطاوعتها لماري حتى لا تبدو أقل رقيّاً وحداثة، وعبارتا ( ماري معي تحميني) (أومأت لها أني بحاجة إليها) تختزلان علاقة التبعية بينهما.
تعكس تلك المقارنة وما ترتب عليها من أحداث بين الصديقتين إعجاباً مكشوفاً من قبل الكاتبة لنمط الشخصية الغربية، وإنكاراً لشخصية المرأة العربية، ورغم محاولة الكاتبة رسم ملامح للشخصيتين إلاّ أنّ سطوة الفكرة جعلتهما يسيران في اتجاهين متوازيين جامدين.
نص آخر يقوم على فكرة المقارنة (ثرثرة الأيدي) لكن المقارنة هذه المرة تكون بين فرد وجماعة من نفس الثقافة، واللافت للنظر في هذا النصّ وجود حاجز بين الشخصية المحورية (المدعوة) وهي الساردة نفسها و بين الآخرين من (حضور حفلة العرس)، فهم متفقون على التواصل بينهم بلغة الإشارة وقراءة الشفاه دون النطق، ولأن هذا الوضع غير طبيعي وغير مألوف بالنسبة لها فإنها تشعر بالغربة والوحدة، هي في مقابل الكلّ ( الكلّ مبتسم لكن الكلّ صامت أيضاً والكلّ يقهقه لكنها قهقهة بلا صوت)
إن اختلاف الشخصية المحورية عن نسق الحالة الاجتماعية، وسلوك المدعوين يدفعها إلى طرح أسئلة مكثفة محاولة اكتشاف مشاعر الآخرين المنصهرين في ملامح سلوكية محددة ومستنسخة (كيف هذا؟ أنا غريبة الآن) (هل يشعرون مثلي حين يكونون في عالم الصخب؟) ( كيف لهم أن يكونوا بهذه البهجة وهذا الارتياح بدون أن يسمعوا الموسيقى؟ كيف يرقصون؟ كيف لهم أن يبتهجوا وهم لا يسمعون ولا يتحدثون؟) كثافة الأسئلة تشير بشكل واضح إلى حالة العزلة والغربة التي تعيشها الشخصية وسط الجماعة في هذا الموقف الاجتماعي الغرائبي.
تحاول الكاتبة أن تحتفظ بمنطق الواقع من خلال تخلّصها الذكي في عبارة (وأنا أنطلق منصرفة من الحفل التقيت صديقتي التي أعطتني الدعوة، و اعتذرت عن تأخرها) فظهور الصديقة في نهاية القصّة كان لابد منه لتسويغ غرائبية الموقف وإزالة غموضه (ضحكت بقوة وقالت: سبعون في المائة منهم يقرؤون الشفاه، وبعضهم يسمع ولا يتحدث، وبعضهم أبكم، ومنهم من هو مثلك يسمع ويتحدث لكنهم متفقون على لغة الإشارة في المناسبات احتراماً لمشاعر بعضهم البعض وكي لا يكون أحد غريباً عن الآخر) وكأن هذه الجملة الأخيرة تفسيراً لسبب شعورها بالغربة كونها لم تتعاقد معهم على استخدام أدواتهم التعبيرية، لقد اتضح اللبس إذن لكن بعد ماذا؟ لقد فضحت سرها.
إن اختلاف الشخصية المحورية عن نسق الحالة الاجتماعية، وسلوك المدعوين يدفعها إلى طرح أسئلة مكثفة محاولة اكتشاف مشاعر الآخرين المنصهرين في ملامح سلوكية محددة ومستنسخة (كيف هذا؟ أنا غريبة الآن) (هل يشعرون مثلي حين يكونون في عالم الصخب؟) ( كيف لهم أن يكونوا بهذه البهجة وهذا الارتياح بدون أن يسمعوا الموسيقى؟ كيف يرقصون؟ كيف لهم أن يبتهجوا وهم لا يسمعون ولا يتحدثون؟) كثافة الأسئلة تشير بشكل واضح إلى حالة العزلة والغربة التي تعيشها الشخصية وسط الجماعة في هذا الموقف الاجتماعي الغرائبي.
تحاول الكاتبة أن تحتفظ بمنطق الواقع من خلال تخلّصها الذكي في عبارة (وأنا أنطلق منصرفة من الحفل التقيت صديقتي التي أعطتني الدعوة، و اعتذرت عن تأخرها) فظهور الصديقة في نهاية القصّة كان لابد منه لتسويغ غرائبية الموقف وإزالة غموضه (ضحكت بقوة وقالت: سبعون في المائة منهم يقرؤون الشفاه، وبعضهم يسمع ولا يتحدث، وبعضهم أبكم، ومنهم من هو مثلك يسمع ويتحدث لكنهم متفقون على لغة الإشارة في المناسبات احتراماً لمشاعر بعضهم البعض وكي لا يكون أحد غريباً عن الآخر) وكأن هذه الجملة الأخيرة تفسيراً لسبب شعورها بالغربة كونها لم تتعاقد معهم على استخدام أدواتهم التعبيرية، لقد اتضح اللبس إذن لكن بعد ماذا؟ لقد فضحت سرها.
أما في نص (من سيعيدني إلى البيت) الذي يتوسّل الحلم كأرضية للسرد تسرّب الكاتبة خلاله قضية اجتماعية تخصّ المرأة وخيارها في مشروع حياتها الزوجية، فالساردة/ الشخصية المحورية تعرض أحداثاً غريبة تمرّ بها وتفقد تلك الأحداث خيط المنطق عن طريق رؤية مواقف ومشاهدات لا تتصل بالواقع، مما يجعل تلك الأحداث أحداثاً حلمية فهي أقرب إلى واقع الحلم.
اختارت الكاتبة هذا اللبوس لقصتها نظراً لحساسية الموضوع بالنسبة إليها ربما، لكنها وطّدت تلك الفكرة بمعطيات ذكية في بناء النصّ: فالشخصية المحورية لا تتسمّى فهي نكرة تُدفع للأحداث دفعاً ولا خيار لها سوى طرح أسئلة مليئة بالدهشة لما يحدث حولها (ماذا هناك؟.. ماذا يحدث؟. لم ينتظرونني؟.. من سيعيدني إلى البيت؟) توضح تلك الأسئلة كون الشخصية مسيّرة وليست مخيّرة في مصيرها. ثم تلتقي بالشخص الذي تعتقد أن من واجبه أن يحميها ( كناية عن الزوج/ محمد) غير أنه يخذلها متلذذاً بطبق اللوز العجيب الذي لا يشبع منه (وكأنه كناية عن الرغبة الجنسية) ولا يكترث لقلقها حيال النساء اللاتي تقطر سيقانهن دماً وكذلك تصبح هي (كناية عن الزواج و البكارة) لا يهتم إذن الزوج بقضايا زوجته وتفقد الثقة فيه متمنية الرجوع إلى نقطة البداية بيت أهلها متمثلاً في ندائها لـ( صالح) أخيها.. ( شعرت بشيء، ساقي أيضاً مدماة، لا أذكر شيئاً. أريد صالحاً فقط، لم يعد محمد يحميني.) هكذا نرى أنّ المادة الخام لصناعة النّص تعتمد على الحلم، وأن كثافة الأسئلة داخل الحلم توحي بأن الشخصية مستيقظة داخل الحلم.
المكان في نصي (سائق النساء) و(مظلة عيني) محرك أساسي في حركة الأحداث، فالمكان الأول (باص نساء) لزفة الأعراس، تبدأ القصة وتنتهي فيه، وتؤثثه الكاتبة بحاسّة السمع؛ فهو مكان متحرك، مليء بالنساء الطروبات الراقصات، ومفرداته :الصراخ، الغناء، التصفيق، الزغاريد... (يبدو أن كلامه لا يصل إلى أحد، أو بالأحرى لا أحد يسمعه، يستسلم بهدوء ويضع الأغنية التي طلبنها، تصرخ واحدة: ارفع الصوت) (رفع الصوت وتنهد كمن يرى المقصلة أمام عينيه، أما هنّ فقد بدأن الرقص والغناء والتصفيق والزغاريد).
في حين أنّ نص (مظلة عيني) يتكئ على حاسّة البصر في تأثيث المكان الذي يشغل معظم النصّ وهو (صالون تجميل) تضع فيه الساردة/ الشخصية المحورية رموشاً اصطناعية للمرة الأولى، وتظهر كالطفل الصغير الفرح بلعبته أو ملابسه الجديدة، ومفردات المكان حافلة بالوصف البصري حتى لتتكرر كلمة (لون) سبع مرات مفردة وجمعاً، (الغرفة بيضاء، والكرسي يشبه كرسي طبيب الأسنان تماماً، استلقيت على الكرسي بعد أن ألقيت نظرة خاطفة على ما حوله، طاولة على شكل نصف دائرة مليئة بأنواع غريبة من المساحيق و الألوان والفراشي. خيّل لي أنني سأخضع لجلسة تلوين أو أنها سترسمني).
اختارت الكاتبة هذا اللبوس لقصتها نظراً لحساسية الموضوع بالنسبة إليها ربما، لكنها وطّدت تلك الفكرة بمعطيات ذكية في بناء النصّ: فالشخصية المحورية لا تتسمّى فهي نكرة تُدفع للأحداث دفعاً ولا خيار لها سوى طرح أسئلة مليئة بالدهشة لما يحدث حولها (ماذا هناك؟.. ماذا يحدث؟. لم ينتظرونني؟.. من سيعيدني إلى البيت؟) توضح تلك الأسئلة كون الشخصية مسيّرة وليست مخيّرة في مصيرها. ثم تلتقي بالشخص الذي تعتقد أن من واجبه أن يحميها ( كناية عن الزوج/ محمد) غير أنه يخذلها متلذذاً بطبق اللوز العجيب الذي لا يشبع منه (وكأنه كناية عن الرغبة الجنسية) ولا يكترث لقلقها حيال النساء اللاتي تقطر سيقانهن دماً وكذلك تصبح هي (كناية عن الزواج و البكارة) لا يهتم إذن الزوج بقضايا زوجته وتفقد الثقة فيه متمنية الرجوع إلى نقطة البداية بيت أهلها متمثلاً في ندائها لـ( صالح) أخيها.. ( شعرت بشيء، ساقي أيضاً مدماة، لا أذكر شيئاً. أريد صالحاً فقط، لم يعد محمد يحميني.) هكذا نرى أنّ المادة الخام لصناعة النّص تعتمد على الحلم، وأن كثافة الأسئلة داخل الحلم توحي بأن الشخصية مستيقظة داخل الحلم.
المكان في نصي (سائق النساء) و(مظلة عيني) محرك أساسي في حركة الأحداث، فالمكان الأول (باص نساء) لزفة الأعراس، تبدأ القصة وتنتهي فيه، وتؤثثه الكاتبة بحاسّة السمع؛ فهو مكان متحرك، مليء بالنساء الطروبات الراقصات، ومفرداته :الصراخ، الغناء، التصفيق، الزغاريد... (يبدو أن كلامه لا يصل إلى أحد، أو بالأحرى لا أحد يسمعه، يستسلم بهدوء ويضع الأغنية التي طلبنها، تصرخ واحدة: ارفع الصوت) (رفع الصوت وتنهد كمن يرى المقصلة أمام عينيه، أما هنّ فقد بدأن الرقص والغناء والتصفيق والزغاريد).
في حين أنّ نص (مظلة عيني) يتكئ على حاسّة البصر في تأثيث المكان الذي يشغل معظم النصّ وهو (صالون تجميل) تضع فيه الساردة/ الشخصية المحورية رموشاً اصطناعية للمرة الأولى، وتظهر كالطفل الصغير الفرح بلعبته أو ملابسه الجديدة، ومفردات المكان حافلة بالوصف البصري حتى لتتكرر كلمة (لون) سبع مرات مفردة وجمعاً، (الغرفة بيضاء، والكرسي يشبه كرسي طبيب الأسنان تماماً، استلقيت على الكرسي بعد أن ألقيت نظرة خاطفة على ما حوله، طاولة على شكل نصف دائرة مليئة بأنواع غريبة من المساحيق و الألوان والفراشي. خيّل لي أنني سأخضع لجلسة تلوين أو أنها سترسمني).
(إما أنا أو أنت) نصّ يهتم بشخصنة كائن غير حي (سيارة) مُكسباً إياها صفات إنسانية فهي: بائسة، تحاول إذلاله، غاضبة، ومتعبة تكره وتضمر في نفسها شيئاً. فكأنما يخطر السارد في ضميرها متذمراً من وقوفها وعطلها حتى إنه يتهمها بالتآمر عليه وقطعها لخطوط الهاتف. والملاحظ أنّ الصفات التي ينعتها بها كلّها صفات نفسيّة داخلية تتصل بالمشاعر دون الوصف المادي الخارجي كالشكل واللون (ثم ذهبت إلى النوم وأنا أفكر بأنّ البائسة تندب حظها ندماً وغيظاً) لقد وصلت سيارته البائسة إلى ذروة الغيظ من السيارة الجديدة التي يرغب صاحبها في اقتنائها كبديل عنها، إن (السارد/ نبيل/ الشخصية المحورية) يعيش حالة من الاضطراب والتردد و الشعور بالبؤس وفقدان الثقة بالنفس كما إنه متذمر يشعر بالتآمر عليه، و يسهل استغلاله، يؤكد على ذلك موقف سائق سيارة الأجرة، يبدو(نبيل) إذن شخصية سلبية تعتمد على الآخرين وخصوصاً صديقه (حسن) وهو لذلك يرى في سيارته انعكاساً لمزاجه المضطرب، لكن رغم ذلك فإن هذه الشخصية المعقدة تحتفظ في داخلها ببقايا وفاء لقطعة الخردة التي تمتلكها.
وتتمثل العقدة في حيرته بين اتخاذ قرار الإبقاء على سيارته القديمة رغم ما بها من أعطال أو شراء السيارة الجميلة و السلسة، ومنشأ الحيرة وفاؤه للذاكرة التي شكلها مع السيارة القديمة حتى صار يألفها و يشعر بما تشعر به.
ملاحظة أخيرة: إن مجموعة الممثل ـ على بساطتها ـ مادّة خصبة للدراسة النقدية الاجتماعية والنفسية، فرغم أن الكاتبة (امرأة ndash; عمانية) نجد غياب الخصوصية الأنثوية و المكانية حتى لتغدو معظم نصوص المجموعة مجرّدة من الانتماء النوعي والمكاني، ومعطيات ذلك عديدة و واضحة ابتداءً من الغلاف، وربما كان مردّ ذلك إلى انشغال الكاتبة بالفكرة التي أدّت إلى تسطيح و تهميش العناصر الأخرى أو ربما رأت الكاتبة أنّ الاتجاه إلى مناطق العموم الإنساني دون تخصيص يجعل نصوصها أكثر إنسانية و يبعدها عن قلق التأويلات و المساءلات الشخصية في دائرتها الاجتماعية.
تبقى هذه فرضيات مقترحة ولا تتحقق النتائج الفعلية إلاّ بالتقصي الدقيق لسيرة النصوص من الداخل والخارج، وهو عمل ـ على ما فيه من مشقّة ـ سيكشف عن المسوّغات الاجتماعية والنفسية التي تجعل من الكاتبة العمانية بشكل عام تتوارى وراء نصوصها و تنتج أدباً مراوغاً تريد به أن تتمثل قضاياها فتخونها الجرأة لاجئة إلى الغموض والشعرية تارة و إلى استعارة البطل الذكوري تارة أخرى.
وتتمثل العقدة في حيرته بين اتخاذ قرار الإبقاء على سيارته القديمة رغم ما بها من أعطال أو شراء السيارة الجميلة و السلسة، ومنشأ الحيرة وفاؤه للذاكرة التي شكلها مع السيارة القديمة حتى صار يألفها و يشعر بما تشعر به.
ملاحظة أخيرة: إن مجموعة الممثل ـ على بساطتها ـ مادّة خصبة للدراسة النقدية الاجتماعية والنفسية، فرغم أن الكاتبة (امرأة ndash; عمانية) نجد غياب الخصوصية الأنثوية و المكانية حتى لتغدو معظم نصوص المجموعة مجرّدة من الانتماء النوعي والمكاني، ومعطيات ذلك عديدة و واضحة ابتداءً من الغلاف، وربما كان مردّ ذلك إلى انشغال الكاتبة بالفكرة التي أدّت إلى تسطيح و تهميش العناصر الأخرى أو ربما رأت الكاتبة أنّ الاتجاه إلى مناطق العموم الإنساني دون تخصيص يجعل نصوصها أكثر إنسانية و يبعدها عن قلق التأويلات و المساءلات الشخصية في دائرتها الاجتماعية.
تبقى هذه فرضيات مقترحة ولا تتحقق النتائج الفعلية إلاّ بالتقصي الدقيق لسيرة النصوص من الداخل والخارج، وهو عمل ـ على ما فيه من مشقّة ـ سيكشف عن المسوّغات الاجتماعية والنفسية التي تجعل من الكاتبة العمانية بشكل عام تتوارى وراء نصوصها و تنتج أدباً مراوغاً تريد به أن تتمثل قضاياها فتخونها الجرأة لاجئة إلى الغموض والشعرية تارة و إلى استعارة البطل الذكوري تارة أخرى.









التعليقات