*الى: حسب الشيخ جعفر، صديقي و quot;صاحبquot; نخلة الله.
د. خالد السلطاني
| الحلقة الأولى |
ُتذكرquot;دارة lt;كازاgt; فيسينسquot; (1883-88) Casa Vicens الواقعة في برشلونة، كاولى محاولات غاودي الشاب في تبنية مقاربة معمارية شديدة الخصوصية تعمل جهدها على تكريس قطيعة مع الذائقة الجمالية الجمعية السائدة وقتذاك في الخطاب المعماريالمحلي. تثير القرارات التصميمية المتخذة في عمارة الدارة كثيراً من الدهشة والاستغراب لجهة، أولا، تفردها وعدم اتساقها المتعمد مع المزاج الفني المألوف، المبني على شيوع تقاليد المدرسة الفرنسية في الممارسة المعمارية البرشلونية وقتذاك؛ وثانيا: كونها مقترحة من معمار شاب لا احد يعرف عنه كثيراً، كما لم ينفذ هو نفسه، من قبل، اي تخطيط تصميمي مهم عملياً. ويعجب المرء من
quot;سحرquot; وقوة اقناع المعمار لصاحب الدارة والحصول على موافقته في تبنى وتحقيق مثل تلك القرارات التكوينية الحافلة بالتجريب وعدم المألوفية. ومرة اخرى، تتأكد لديّ قناعة، من أن تحقيق الفكرة المعمارية ليس مرتهنا دائماً بجهد المعمار لوحده كما يُظن، وانما يستدعي ذلك التحقيق توافر رب عمل قادر على تقبل تلك العمارة وتبنى افكارها. فلولا العقل المنفتح على الافكار الجديدة quot;للبرجوازيquot; تاجر quot;الآجر والسيراميكquot; البرشلوني السنيور quot;مانوئيل فيسينسquot; وتبنيه أفكار غاودي وقبوله لها، لما كنا، ربما، نعرف عن هذا المعمار الكاتالوني الذي تزامن بدء حياته المهنية بتنفيذ موفق لذلك المبنى الغريب، الذي قُدر له ان يؤسس لشهرة المعمار المستقبلية ويعجل في انتشار مقاربته المتفردة واستمرارها.
ولست، الان، بصدد إجراء تقييم نقدي لعمارة المبنى، وتبيان قيمة حلوله التكوينية بصورة تفصيلية، فهذا مكانه بالطبع ليس هنا. لكن ما اثارني، وأنا اقف امام الدارة المطلة على شارع ضيق في ذلك الحي البرشلوني، هي آهلية المعمارالتصّورية وخصوبة المخيلة لديه التى تصل حد الفنطازيا، ومقدرته على توليد عناصر ومعالجات تصميمية، ليس فقط لا مثيل لها في الممارسة المعمارية، وانما اتسمت على جرأة جسورة في اسلوب تنظيم عناصرها بالصيغة التى نراها أمامنا: متنوعة جدا، ومكررة جدا، ومزدحمة جداً؛ ناهيك عن اسلوب توظيف عنصر اللون الكثيف فيها، ما جعل من واجهات المبنى لتكون لوحة تشكيلية ضخمة بالوان متعددة، يضفي حضورها مزيداً من التفرد ضمن سياق اشكال البيئة المبنية المحيطة. ويتعين ان اعترف باني لم اشاهد، كما لا اعرف مثالا معماريا يمتلك طاقة لونية متعددة مثلما تمتلكه quot;كازا فيسينسquot;، اللهم الا مباني quot;سمرقندquot; العظيمة التاريخية التى بهرتني بغزارة الوانها المتعددة حينما زرتها، اثناء اعدادي لدراستي العليا في بدء السبعينات.
يتكئ غاودي على توليد قرارته التصميمية على مرجعيات ثقافية متتنوعة، تكفل إضفاء سمات المغايرة والتفرد لتلك القرارات. من هنا فان عمارة quot;كازا فيسينسquot; يمكن ان تكون تمريناً مبكراً في الاشتغال على مفهوم quot;التناصquot; مع اساليب معمارية تاريخية قديمة؛ ذلك لان المعمار يضع نصب عينيه منجز الموروث المعماري الاسباني الغوطي، ويمزجه، بتأويل شخصي، مع قيم العمارة الاندلسية المعروفة في إسبانيا بـquot; المورشquot; Moorish ؛ ويجعل منها سبيكة فكرية قادرة على استيلاد هيئات تكوينية ذات خصوصية مميزة تمنح عمارته فرادتها التشكيلية. وقد يكون غاودي باهتمامه بالعمارة الاندلسية من اوائل المعماريين الاسبان (وربما الاوربيين ايضاً) الذين إشتغلوا على موضوعةquot; التثاقفquot; Acculturation مع الحضارات الاخرى. هل قلت quot;آخرىquot;؟؛ ذلك لاننا نعي بان كثراً من المثقفيين الاسبان يعدون الان، ما انجزته العمارة الاندلسية في شبه جزيرة ايبيريا، جزءاً من موروثهم الثقافي المتعدد المرجعيات. وهو أمر نراه منصفاً وايجابيا في آن، بعد مئات من السنين من حملات الاقصاء والاهمال والتغاضي والتجاهل، وعدم الاعتراف بقيمة ذلك المنجز الحصيف والمميز، التى شنها في الماضي كرادلة اسبانيا وتبعهم فيها متعصبوها وسلفيوها منذ انتهاء معارك quot;الريكونكستquot;، وهي حروب quot;الاستردادquot;، التى انتهت فعليا بسقوط غرناطة في نهايات القرن الخامس عشر، والتى على اثرها تمّ فيها طرد المسلمين من شبه جزيرة ايبيريا، وما تبعه لاحقاً من ايقاع quot;تابوquot; قاسٍ، حرمّ التذكير بكل ما له علاقة بالاندلسيين في مجمل الخطاب الثقافي الاسباني لقرون. لكننا سوف لا نسترسل كثيرا في هذا الجانب المعرفي التاريخي المثير للجدل، لان ذلك من شأنه ان يبعدنا كثيرا عن موضوعنا الاساس.
ثمة، اذاً، تدرج تزييني يبدأ بتقشف من اسفل واجهات quot;كازا فيسينسquot; ليصل ذروته في الاعلى. ومثلما تعطي العناصر الانشائية هناك انطباعا كونها مولدة للفعالية التزيينية اللونية فانها في ذات الوقت تظل متأثرة بها؛ اي ان تلك العناصر تتوقف عن القيام بوظيفتها التركبية لتغدو بمثابة فاعل التزيين... ومفعوله معاً!. واذ اتسمت تزيينات القسم الاسفل على موتيف الخطوط الافقية، فان المعمار سرعان ما يتخلى عنها في القسم الاعلى جاعلا اياها في هذه المرة عمودية في مجملها، تؤكد شاقوليتها اشكال الابراج الملونة التى quot;تـنبتquot; من سطح الدارة؛ ما يضيف بعداً آخراً لمسعى المعمار في تهشيم الذائقة الكلاسيكية المألوفة، تلك الذائقة التى انبنت دوما على تجانس العناصر التكوينية واتساقها.
لم يقتصر توظيف المزاج الاندلسي على الاجزاء الخارجية من المبنى، وانما استخدمه غاودي في quot;انتريرquot; الاحياز الداخلية، ولا سيما في غرفة المعيشة: الفضاء الاهم في الدارة، التى بدت بعناصرها الداخلية واسلوب تأثيثها وكأنها بهو لامير اندلسي حقيقي. تجدر الاشارة بان الولع في العمارة الاندلسية وجد في شخصية غاودي مفسراً مبدعاً له، ما لفت انتباه كثر من المهتمين، سيما ممثلي الطبقة البرجوازية الصاعدة حينذاك، بفضل ثورة التصنيع، هم الذين ظلوا دائما يتقصون بشغف عن اشكال معمارية جديدة وغير مألوفة مبديين استعدادهم الكامل لتنفيذها؛ ما افضى لان تكون quot;الغرابةquot;
المعمارية ليست فقط ممكنة، وانما ضرورية ايضاً. ونشير هنا الى quot;فيلا ال كابريجوquot; (1883-85) El Capricho في quot;كوميلاسquot; بالقرب من مدينة quot;سانتانديرquot; الساحلية الواقعة في اقصى الشمال الاسباني، وهي فيلا صيفية صممت لضيوف المركيز quot;دون ماكسيموquot;، واتسمت معالجاتها على حضور بليغ للعناصر التزينية المألوفة في العمارة الاندلسية سواء تلك المستخدمة في خارج المبنى ام في داخله. على أن رؤية هيئة مدخل الفيلا الرئيس، لا يترك اي شك بان غاودي يستلهم هيئات منائر المساجد الاسلامية المحلية التى كانت يوما ما غاصة بها البيئة المبنية في المدن الصغيرة الاندلسية وقراها. واذ يستعير شكل المنارة الاسطواني مع حوضها الاعلى فانه يعيد تركيبها فوق سقيفة المدخل المستندة على اربعة اعمدة واطئة، وويشغلها بمهارة لاداء وظائفها الجديدة كفضاء quot;بلفيديرquot; Belvedere، مخصص للاسترخاء والتمتع بمشاهدة بانوراما المنظر المحيط. لقد دعى النقاد تقصيات غاودي في هذه الفترة بالمرحلة المغربية quot;المورشيةquot;، لكنه ما برح لاحقا ان نأى بنفسه بعيدا عن اسلوب تماثل الاستعارات الشكلية مع العمارة الاندلسية، جاعلاً من قيمها المأولة احدى مراجع مقاربته الاستثنائية.
ولست، الان، بصدد إجراء تقييم نقدي لعمارة المبنى، وتبيان قيمة حلوله التكوينية بصورة تفصيلية، فهذا مكانه بالطبع ليس هنا. لكن ما اثارني، وأنا اقف امام الدارة المطلة على شارع ضيق في ذلك الحي البرشلوني، هي آهلية المعمارالتصّورية وخصوبة المخيلة لديه التى تصل حد الفنطازيا، ومقدرته على توليد عناصر ومعالجات تصميمية، ليس فقط لا مثيل لها في الممارسة المعمارية، وانما اتسمت على جرأة جسورة في اسلوب تنظيم عناصرها بالصيغة التى نراها أمامنا: متنوعة جدا، ومكررة جدا، ومزدحمة جداً؛ ناهيك عن اسلوب توظيف عنصر اللون الكثيف فيها، ما جعل من واجهات المبنى لتكون لوحة تشكيلية ضخمة بالوان متعددة، يضفي حضورها مزيداً من التفرد ضمن سياق اشكال البيئة المبنية المحيطة. ويتعين ان اعترف باني لم اشاهد، كما لا اعرف مثالا معماريا يمتلك طاقة لونية متعددة مثلما تمتلكه quot;كازا فيسينسquot;، اللهم الا مباني quot;سمرقندquot; العظيمة التاريخية التى بهرتني بغزارة الوانها المتعددة حينما زرتها، اثناء اعدادي لدراستي العليا في بدء السبعينات.
يتكئ غاودي على توليد قرارته التصميمية على مرجعيات ثقافية متتنوعة، تكفل إضفاء سمات المغايرة والتفرد لتلك القرارات. من هنا فان عمارة quot;كازا فيسينسquot; يمكن ان تكون تمريناً مبكراً في الاشتغال على مفهوم quot;التناصquot; مع اساليب معمارية تاريخية قديمة؛ ذلك لان المعمار يضع نصب عينيه منجز الموروث المعماري الاسباني الغوطي، ويمزجه، بتأويل شخصي، مع قيم العمارة الاندلسية المعروفة في إسبانيا بـquot; المورشquot; Moorish ؛ ويجعل منها سبيكة فكرية قادرة على استيلاد هيئات تكوينية ذات خصوصية مميزة تمنح عمارته فرادتها التشكيلية. وقد يكون غاودي باهتمامه بالعمارة الاندلسية من اوائل المعماريين الاسبان (وربما الاوربيين ايضاً) الذين إشتغلوا على موضوعةquot; التثاقفquot; Acculturation مع الحضارات الاخرى. هل قلت quot;آخرىquot;؟؛ ذلك لاننا نعي بان كثراً من المثقفيين الاسبان يعدون الان، ما انجزته العمارة الاندلسية في شبه جزيرة ايبيريا، جزءاً من موروثهم الثقافي المتعدد المرجعيات. وهو أمر نراه منصفاً وايجابيا في آن، بعد مئات من السنين من حملات الاقصاء والاهمال والتغاضي والتجاهل، وعدم الاعتراف بقيمة ذلك المنجز الحصيف والمميز، التى شنها في الماضي كرادلة اسبانيا وتبعهم فيها متعصبوها وسلفيوها منذ انتهاء معارك quot;الريكونكستquot;، وهي حروب quot;الاستردادquot;، التى انتهت فعليا بسقوط غرناطة في نهايات القرن الخامس عشر، والتى على اثرها تمّ فيها طرد المسلمين من شبه جزيرة ايبيريا، وما تبعه لاحقاً من ايقاع quot;تابوquot; قاسٍ، حرمّ التذكير بكل ما له علاقة بالاندلسيين في مجمل الخطاب الثقافي الاسباني لقرون. لكننا سوف لا نسترسل كثيرا في هذا الجانب المعرفي التاريخي المثير للجدل، لان ذلك من شأنه ان يبعدنا كثيرا عن موضوعنا الاساس.
ثمة، اذاً، تدرج تزييني يبدأ بتقشف من اسفل واجهات quot;كازا فيسينسquot; ليصل ذروته في الاعلى. ومثلما تعطي العناصر الانشائية هناك انطباعا كونها مولدة للفعالية التزيينية اللونية فانها في ذات الوقت تظل متأثرة بها؛ اي ان تلك العناصر تتوقف عن القيام بوظيفتها التركبية لتغدو بمثابة فاعل التزيين... ومفعوله معاً!. واذ اتسمت تزيينات القسم الاسفل على موتيف الخطوط الافقية، فان المعمار سرعان ما يتخلى عنها في القسم الاعلى جاعلا اياها في هذه المرة عمودية في مجملها، تؤكد شاقوليتها اشكال الابراج الملونة التى quot;تـنبتquot; من سطح الدارة؛ ما يضيف بعداً آخراً لمسعى المعمار في تهشيم الذائقة الكلاسيكية المألوفة، تلك الذائقة التى انبنت دوما على تجانس العناصر التكوينية واتساقها.
لم يقتصر توظيف المزاج الاندلسي على الاجزاء الخارجية من المبنى، وانما استخدمه غاودي في quot;انتريرquot; الاحياز الداخلية، ولا سيما في غرفة المعيشة: الفضاء الاهم في الدارة، التى بدت بعناصرها الداخلية واسلوب تأثيثها وكأنها بهو لامير اندلسي حقيقي. تجدر الاشارة بان الولع في العمارة الاندلسية وجد في شخصية غاودي مفسراً مبدعاً له، ما لفت انتباه كثر من المهتمين، سيما ممثلي الطبقة البرجوازية الصاعدة حينذاك، بفضل ثورة التصنيع، هم الذين ظلوا دائما يتقصون بشغف عن اشكال معمارية جديدة وغير مألوفة مبديين استعدادهم الكامل لتنفيذها؛ ما افضى لان تكون quot;الغرابةquot;
لا جدال من ان عمارة quot; كازا ميلاquot; (1906-10) Casa Mila الواقعة في أحد احياء وسط برشلونة، هي احدى روائع غاودي، (وربما عُدّت من روائع عمارة القرن العشرين ايضاً)؛ لما انطوت عليه من حلول تصميمة غاية في التفرد وعدم المألوفية، أن كان ذلك فيما يخص نوعية الشكل العام للمبنى، أم في اسلوب التعاطي مع تكوينات مساقط مخططاته، ام في كيفية تناول عمل المواد الانشائية وquot;تشغيلهاquot; في الطريقة المقترحة من قبل المعمار.
وquot;كازا ميلاquot; هو المبنى السكني الثالث الذي يصممه غاودي في برشلونة، والاخير ايضا، اذ سيكرس لاحقا، جهده التصميمي الى quot; الساغرادا فاميلياquot; مأثرته التصميمية والاثيرة لديه. تبدو عمارة المبنى وكأنها فرصة سانحة يستثمرها المعمار لايصال قيم مقاربته التصميمية الى حدّ الكمال المتقن، تلك القيم التى اختبرها سابقا واستخدمها في تكوينات مبانٍ عديدة، وخصوصا في quot;دارة باتلوquot; (1906) الواقعة في برشلونة ايضا وفي موقع غير بعيد عن quot;ميلاquot;. بالطبع لا توجد ادنى مماثلة للطريقة التى يتناول غاودي بها معالجاته التصميمية quot; لكازا ميلاquot;، لا عند معماري برشلونه المعاصرين له، ولا عند معماري اسبانيا الاخرين،
ولاحتى لدى معماري اوربا قاطبة؛ من هنا تنبع قيمة وأهمية استثنائية اللغة المعمارية المبتدعة التى تنطوي عليها الدارة؛ انها ذات اللغة التى كتبت عنها في دفتر ملاحظاتي وانا اقف قبالتها من ان lt;ثمة نزوع نحو قلب المفاهيم رأسا على عقب في هذه الدارة، quot;فسطوحquot; الواجهات تفقد quot;استوائيتهاquot; لتغدو كتل هائلة متموجة ومستمرة تمتد على ثلاثة واجهات مطلة على شارعين متعامدين وعلى واجهة الركن المقطوع بزاوية 45 درجة. في حين تعزّز الابراج مختلفة الارتفاعات ذات الهيئات التشكيلية النحتية الواقعة في سطح المبنى، من حضور انطباع المقاربة الكتلوية التى يعتمدها المصمم. ثمة قصدية واضحة في جعل كل طابق لا يشبة الآخر، مع انه مجمع سكني، عبر التغيير الدائم لفتحات النوافذ والتباين المستمر لابعاد المجالات الفاصلة بينهما، فضلا على التغيير المتعمد لهيئة الحائط/ الكتلةgt;. وعندما نشير الى الخاصية النحتية الغالبة في التكوين، فاننا ايضا نشير الى مفهوم جديد في العمارة، مفهوم يبتعد كثيراً عن فكرتنا وتصوراتنا عن اسلوب تصميمي مألوف، وعن احياز امست اشكالها وحجومها ملازمة لعادية البيت السكني. فما يقترحه المعمار الى السيد quot; بير ميلا اي كامبسquot; Pere Mila i Camps، وهو صاحب المشروع، شيئا مبتكرا وغير عادي اطلاقاً، ومرة آخرى تصيبني الدهشة جراء quot;شجاعةquot; رب العمل لقبوله مقترح المعمار الغاص في غرائبية غير مسبوقة، والمتسم على حضور عالٍ لفنية عناصره التصميمية. ويمكن للمرء في مقارنة بصرية سريعة، ان يلحظ بسهولة الاختلاف الحاد والقوي بين quot;كازا ميلاquot; والمباني الملاصقة المجاورة لها، ليصل الى قناعة بان ما يراه في مقترح غاودي، هو امرا آخر، امر، ولابأس من التكرار، لا علاقة له بتابلوجية المباني السكنية ولا حتى بمفهوم العمارة المعتادة!.
يشتغل غاودي باهتمام مثابر على اساليب صياغة واجهات مبناه التى تستدعي موتيفها اشكال الامواج البحرية مجسدة في الحجر. واذ يجعل من فتحات النوافذ ذات الاشكال المختلفة، حفراً غائرة في الكتلة الحجرية، فان إنطباع quot;المحجرquot; سيحضر من دون ريب، في مخيلة مشاهد المبنى، وهو ما دعي سكنة برشلونة لان ينعتوا quot;كازا ميلاquot; بـ quot;بيدريراquot; Pedrera، وتعني حرفيا quot;مكان قلع الحجارةquot;. اما الشعراء فقد وجدوا فيها موضوعا محببا لهم وسموها quot; بيت الامواج السبعquot;. واياً يكن، فان مأثرة غاودي التصميمية كمنت في تقصي جماليات جديدة لفورمات مبتدعة، نابعة اصلا من التوظيف المقتدر لنجاحات التقنيات الانشائية ولاسيما ظهور الخرسانة، والتى بفضلها تمكن من محاكاة الاشكال العضوية في الطبيعة وتقليد اشكال نباتاتها واشجارها وحيواناتها وصخورها. اتسمت مخططات مساقط quot;كازا ميلاquot; على حضور كثيف للخطوط المائلة المتعرجة، تلك الخطوط التى ترسم حدود شققها الموزعة على ستة طوابق. وتطل هذة الشقق على فنائين وسطين واسعين. وثمة ست فتحات صغيرة تخترق نسيج المخططات مخصصة للتهوية. وبسبب نوعية اشكال تلك الخطوط المعقدة فان الشقق السكنية للدارة (والتى قسم منها صمم على مستويين) اتسمت على فضاءات بحجوم غير منتظمة. وتعطي اشكال سقوفها المائلة ونتوء جدرانها غير المتماثل وانارتها نصف المعتمة انطباعا لمغائر صخرية طبيعة. في quot;كازا ميلاquot; نلحظ ايضاً تجديدات الحلول الانشائية التى ادخلها غاودي في المبنى؛ فلا نرى اثراً للجدران الداخلية الحاملة، وانما يستعيض عنها المعمار باعمدة دقيقة تسند سقوف المبنى مع الجدار الحامل الخارجي، ما اتاح له في النتيجة الى امكانية احداث اختلافات كبرى واساسية في شكل وعدد الاحياز المصممة لكل شقة من شقق المجمع السكني. وتعد محاولة غاودي هذه ارهاصاً لما سيعرف لاحقا بـمبدأ quot;المخطط الحرquot;، الذي شكل مع مبادئ آخرى، كما هو معروف، منظومة
عمارة الحداثة، التى صاغها quot;لو كوربوزيهquot;، بخمس نقاط، في بدء العشرينات من القرن الماضي. وquot;لو كوربوزيهquot; ذاته، (والشئ بالشئ يذكر)، كان قد اعرب عن اعجابه العميق بمنجز غاودي اثناء زيارته لبرشلونة، واصفا عمارته بابداع انسان ذي قوة وايمان استثنائيين، وقد كتب عنه من انه quot; مصمم سنة 1900، واستاذ في مجال عمله...انه فنان عظيم!quot;.
لا يكتمل الحديث عن الـ quot;ميلاquot; من دون الاشارة الى quot;سقفquot; المبنى، الذي جعله غاودي بمثابة الواجهة quot;الرابعةquot; المضافة الى واجهات المبنى الثلاث. فهو ليس مجرد quot;سطحquot; عادي، بقدر ما هو شرفة للرؤية، يتغير منسوبها من مكان الى آخر طبقاً لتغيير ارتفاعات رواق العقود ذات القطع المكافئ quot;البارابوليquot; Parabolic التى ترفع ذلك السطح، والذي تتبدل هيئته ايضا وفقاً لاشكال مخططات شققها ذات الخطوط الانسيابية المعقدة. لا يكتفي المعمار باختلاف مناسيب السطح وتغيير هيئته فقط، فيضيف الى مفرداته التكوينية ابراج المداخن باشكالها النحتية الغريبة، مع بيوت السلالم الصاعدة الى الاعلى، بالاضافة الى حضور الفنائين الوسطيين المفرغين، ذي الهيئتين المميزتين، مايجعل من سقف المبنى مكاناً حافلاً بالاحداث الفنية الدراماتيكية الجديرة بالمشاهدة، وهو ما يفعله كثر من زوار quot;لا بيدريراquot;، لقاء اجور محددة، لمشاهدة السطح والتمتع بالمنظر البانورامي للمدينة الجميلة من اعلى المبنى.
يشغل مشروع quot;بارك غويلquot; (1900-14) Park Gűel مكانة هامة في منجز غاودي التصميمي، وهذه المكانة تستقي أهميتها من كون المشروع اساساً هو مشروع تخطيطي، او بالاحرى تخطيط حضري، وهي فعالية عدت الاولي (والاخيرة) في منتج غاودي، والامر الآخر يتأتى من حجم المشروع الواسع الذي قدرت مساحته بـ 20 هكتار. وتعود فكرة انشاء البارك الى quot;ايوزيبي غويلquot; Eusebi Gűel ، الشخصية المحورية في حياة انطوني غاودي، وزبونه الدائم، وصديقه الدائم، ومشجعه الدائم، انه باختصار quot;بروتيزاquot; Proteacute;geacute; المعمار وquot;راعيهquot; المخلص؛ الذي لولاه، ولولا دعمه الدائم وحمايته لغاودي لما استطاع المعمار الكاتالوني ان يستمر في تنفيذ تلك المشاريع بمقياسها الضخم وكلفها العالية وغرابتها التصميمية وتجاوز موقف الكثيرين السلبي منها ومن عدم تعاطفهم، في البدء، مع طروحاته وتقبلهم لتصاميمه الخيالية المنطوبة على طوبائية جامحة. وفكرة quot;الباركquot;، كما تصورها quot;غويلquot; (الذي تصفه المصادر بالكاثوليكي الورع والصناعي المثقف والمجدد)، هي في الواقع محاكاة لتخطيط quot; ألمدينة- الحديقةquot;، التى انتشرت افكارها واسعا في انكلترة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبغية تحقيق تلك الفكرة، تم استملاك ارض واسعة في ضاحية quot;غارسياquot; في شمال برشلونة، وعهد quot; غويلquot; الى صديقة غاودي باعداد مخططاتها؛ التى تضمنت تصميم دور سكنية تحيط بها مروج خضراء فسيحة، وموقعة في مناسيب مختلفة طبقاً لطوبغرافية المكان. كما تضمن المشروع توفير خدمات خاصة لسكنة هذه الضاحية الذي توقع المالك ان تجلب انتباه اثرياء الطبقة الوسطى البرشلونية، وتجعلهم مالكين ومساهمين في هذا المشروع العقاري الضخم. بيد ان الامور اتخذت، كما هو معروف، مساراً آخرا، ولم تحظَ َ دعوات العيش في دور بحدائق فسيحة على استجابة واسعة، كما لم يكترث كثر لنداءات تفضيل السكن في ضاحية نائية نوعا ما، عن مزايا السكن في وسط المدينة ذي الخدمات المتطورة والمتنوعة، وافضى هذا العزوف الى تكبيد quot;غويلquot; خسائر فادحة، اضطرته الى وقف المشروع بعد سنين عديدة من بدء التنفيذ، ومن ثم بيعه الى بلدية برشلونة التى جعلت منه حديقة عامة مفتوحة لجميع سكنة برشلونة وزوارها. وباتت المنشاءات التى افلح غاودي بتنفيذها بمنزلة امكنة تزار لرؤيتها لذاتها، بعد كانت في الاساس مخصصة كمكان لرؤية المدينة منها. وفي عام 1984 قررت اليونسكو ادخال حدائق quot;الباركquot; ومنشاءاته ضمن quot;سجل الموروث الثقافي العالميquot; الواجب المحافظة عليه وصيانته كما هو.
لا يسع المجال،هنا، للحديث التفصيلي عن مجمل أفكار غاودي التصميمية الجديدة سواء تلك المتعلقة في اسلوب تخطيط quot;حدائق الباركquot; او في طريقة تصميم مفرداته المبنية. لكن عدم الاشارة الى quot;الميدانquot; الفسيح والمكشوف، الذي اُعتبر مركز التخطيط وquot;ضربتهquot; التكوينية، سيكون امراً غير مبرر وحتى مجحف في حق المعمار ومنجزه التصميمي. والحال اننا امام ساحة مرفوعة تبرز جراء تعديل سطح التلة الصخرية التى يستند عليها جزءها الخلفي، اما الامامي فهو معلق، تسنده اعمدة يبلغ عددها 86 عموداً تشكل بمجموعها قاعة معمدة اسفل هذا القسم، خصصت وفق افكار المعمار، كمكان للتسوق، يلبى طلبات سكنة quot;المدينة - الحديقة quot; المفترضة من خضر وفواكهة طازجة. والميدان العلوي هو ساحة مفتوحة وخالية من البناء، يمكن ان تكون مكانا مثاليا لالتقاء الساكنيين والتمتع ايضا برؤية بانوراما المدينة التى تمتد امامهم نحو البحر. لكن العنصر الاكثر تشويقا في تصميم الساحة هي quot;دكةquot; الجلوس المتموجة المستمرة على طول خط محيط الساحة، وقد تم تزيين سطحها بقطع صغيرة من الخزف الملون، وهي تقنية خاصة تدعى بـquot; ترينسادسquot; Trencads نراها حاضرة في مجمل اعمال غاودي، لكنها في ساحة بارك غويل حاضرة بقوة وبكثافة؛ وعدت اساس الفعالية التزينية واللونية لدكة الجلوس كما هو الحال ايضاً في تزيينات وتلوين سطوح اقسام اخرى من المنشآت الوظيفية والخدمية العديدة المجاورة للساحة والمؤدية اليها.
يلجأ غاودي كثيرا، الى استخدام التشكيلات النحتية ذات المضامين المستلة من مفردات الطبيعة المحيطة. وتغدو هذه الممارسة لديه، لكثر ما نراها في اعماله, بمثابة تأكيد لنزعة عميقة في دمج افكاره التصميمية عضوياً مع سياق مفردات البيئة التى يصمم لها. وبالطبع فان مثل هذا النزوع يبدو ملائما جدا في تحديد القرارات التصاميمة لبارك غويل. بيد اننا رصدنا اهتماما فائقا لدى المعمار لشكل quot;النخلةquot;- كشكل نباتي مفضل؛ يتوق المعمار الى استخدامه كثيرا في المعالجات التزينيية لمعظم المباني التى صممها. ويساورني ظن، بان دلالات النخلة لدية تتجاوز جماليات شكلها المميز، وحسن اتساق اجزائها. لتضحى بمعنى من المعاني تشديدّ على نزعة التفرد الثيمي الذي يتوق اليه المعمار؛ وما اصطفاء النخلة، (quot;عمتناquot; النخلة، والتى ايضاً اعطت لدراستنا هذه، عنوانها)، وما الالحاح في توظيفاتها، سوى استدعاء لذلك التفرد المُوحى اليه من خلال صورة الشجرة الجديدة نوعا ما في البيئة النباتية الطبيعية الاسبانية، والوافدة اليها عبر المسلمين. وبالتالي فانها تمثيل لتأكيد الحضور، مثلما تشي الى الغياب، انها فوق ذلك ترمز الى التفرد، والتغرب، والتوحد، انها، ايضاً، تنويع لمفهوم quot;تغريد خارج السربquot;. ولعل الدلالات الرمزية التى يسبغها المعمار عليها، تفسر لنا بواعث استخداماتها الواسعة. انها ُتشاهد في تزيينات بوابات quot;ساغرادا فاميلياquot;، ويوحي اليها في منحوتات ابراج مداخن quot; كازا ميلاquot;، ونراها موجودة في العديد من تصاميم المعمار الكاتالوني؛ لكنها في بارك غويل تكتسي حضورا بليغاً، لتغدو العنصر التزييني النحتي الاهم في سياق مفردات quot; تنظيم الفضاءات الخارجيةquot; Landscape للبارك.
اثناء جلوسي على quot;الدكةquot; اياها متطلعا من حولي الى ابداعات هذا المعمار الغريب مع مئات من الناس المحتفين به ايضاً، أحسست بحيرة في تفضيل ايهما اكثر جمالا: quot;فورماتquot; نخيل غاودي المنحوتة في صخرالتـّلة عند تخوم الساحة المكشوفة الفسيحة، ام اشجار النخيل الطبيعة التى اوصى بزراعتها قبالة quot;نخيلquot; منحوتاته وفوقها؟. انها ذات الحيرة التى يتكلم عنها quot;ادونيسquot; عندما كتب مرة:
lt; صوت الجرس يجئ من quot; الالةquot;
وصداه يجئ من quot; الطبيعةquot;
ُتحار ايهما الاجمل!gt;
وquot;كازا ميلاquot; هو المبنى السكني الثالث الذي يصممه غاودي في برشلونة، والاخير ايضا، اذ سيكرس لاحقا، جهده التصميمي الى quot; الساغرادا فاميلياquot; مأثرته التصميمية والاثيرة لديه. تبدو عمارة المبنى وكأنها فرصة سانحة يستثمرها المعمار لايصال قيم مقاربته التصميمية الى حدّ الكمال المتقن، تلك القيم التى اختبرها سابقا واستخدمها في تكوينات مبانٍ عديدة، وخصوصا في quot;دارة باتلوquot; (1906) الواقعة في برشلونة ايضا وفي موقع غير بعيد عن quot;ميلاquot;. بالطبع لا توجد ادنى مماثلة للطريقة التى يتناول غاودي بها معالجاته التصميمية quot; لكازا ميلاquot;، لا عند معماري برشلونه المعاصرين له، ولا عند معماري اسبانيا الاخرين،
يشتغل غاودي باهتمام مثابر على اساليب صياغة واجهات مبناه التى تستدعي موتيفها اشكال الامواج البحرية مجسدة في الحجر. واذ يجعل من فتحات النوافذ ذات الاشكال المختلفة، حفراً غائرة في الكتلة الحجرية، فان إنطباع quot;المحجرquot; سيحضر من دون ريب، في مخيلة مشاهد المبنى، وهو ما دعي سكنة برشلونة لان ينعتوا quot;كازا ميلاquot; بـ quot;بيدريراquot; Pedrera، وتعني حرفيا quot;مكان قلع الحجارةquot;. اما الشعراء فقد وجدوا فيها موضوعا محببا لهم وسموها quot; بيت الامواج السبعquot;. واياً يكن، فان مأثرة غاودي التصميمية كمنت في تقصي جماليات جديدة لفورمات مبتدعة، نابعة اصلا من التوظيف المقتدر لنجاحات التقنيات الانشائية ولاسيما ظهور الخرسانة، والتى بفضلها تمكن من محاكاة الاشكال العضوية في الطبيعة وتقليد اشكال نباتاتها واشجارها وحيواناتها وصخورها. اتسمت مخططات مساقط quot;كازا ميلاquot; على حضور كثيف للخطوط المائلة المتعرجة، تلك الخطوط التى ترسم حدود شققها الموزعة على ستة طوابق. وتطل هذة الشقق على فنائين وسطين واسعين. وثمة ست فتحات صغيرة تخترق نسيج المخططات مخصصة للتهوية. وبسبب نوعية اشكال تلك الخطوط المعقدة فان الشقق السكنية للدارة (والتى قسم منها صمم على مستويين) اتسمت على فضاءات بحجوم غير منتظمة. وتعطي اشكال سقوفها المائلة ونتوء جدرانها غير المتماثل وانارتها نصف المعتمة انطباعا لمغائر صخرية طبيعة. في quot;كازا ميلاquot; نلحظ ايضاً تجديدات الحلول الانشائية التى ادخلها غاودي في المبنى؛ فلا نرى اثراً للجدران الداخلية الحاملة، وانما يستعيض عنها المعمار باعمدة دقيقة تسند سقوف المبنى مع الجدار الحامل الخارجي، ما اتاح له في النتيجة الى امكانية احداث اختلافات كبرى واساسية في شكل وعدد الاحياز المصممة لكل شقة من شقق المجمع السكني. وتعد محاولة غاودي هذه ارهاصاً لما سيعرف لاحقا بـمبدأ quot;المخطط الحرquot;، الذي شكل مع مبادئ آخرى، كما هو معروف، منظومة
لا يكتمل الحديث عن الـ quot;ميلاquot; من دون الاشارة الى quot;سقفquot; المبنى، الذي جعله غاودي بمثابة الواجهة quot;الرابعةquot; المضافة الى واجهات المبنى الثلاث. فهو ليس مجرد quot;سطحquot; عادي، بقدر ما هو شرفة للرؤية، يتغير منسوبها من مكان الى آخر طبقاً لتغيير ارتفاعات رواق العقود ذات القطع المكافئ quot;البارابوليquot; Parabolic التى ترفع ذلك السطح، والذي تتبدل هيئته ايضا وفقاً لاشكال مخططات شققها ذات الخطوط الانسيابية المعقدة. لا يكتفي المعمار باختلاف مناسيب السطح وتغيير هيئته فقط، فيضيف الى مفرداته التكوينية ابراج المداخن باشكالها النحتية الغريبة، مع بيوت السلالم الصاعدة الى الاعلى، بالاضافة الى حضور الفنائين الوسطيين المفرغين، ذي الهيئتين المميزتين، مايجعل من سقف المبنى مكاناً حافلاً بالاحداث الفنية الدراماتيكية الجديرة بالمشاهدة، وهو ما يفعله كثر من زوار quot;لا بيدريراquot;، لقاء اجور محددة، لمشاهدة السطح والتمتع بالمنظر البانورامي للمدينة الجميلة من اعلى المبنى.
يشغل مشروع quot;بارك غويلquot; (1900-14) Park Gűel مكانة هامة في منجز غاودي التصميمي، وهذه المكانة تستقي أهميتها من كون المشروع اساساً هو مشروع تخطيطي، او بالاحرى تخطيط حضري، وهي فعالية عدت الاولي (والاخيرة) في منتج غاودي، والامر الآخر يتأتى من حجم المشروع الواسع الذي قدرت مساحته بـ 20 هكتار. وتعود فكرة انشاء البارك الى quot;ايوزيبي غويلquot; Eusebi Gűel ، الشخصية المحورية في حياة انطوني غاودي، وزبونه الدائم، وصديقه الدائم، ومشجعه الدائم، انه باختصار quot;بروتيزاquot; Proteacute;geacute; المعمار وquot;راعيهquot; المخلص؛ الذي لولاه، ولولا دعمه الدائم وحمايته لغاودي لما استطاع المعمار الكاتالوني ان يستمر في تنفيذ تلك المشاريع بمقياسها الضخم وكلفها العالية وغرابتها التصميمية وتجاوز موقف الكثيرين السلبي منها ومن عدم تعاطفهم، في البدء، مع طروحاته وتقبلهم لتصاميمه الخيالية المنطوبة على طوبائية جامحة. وفكرة quot;الباركquot;، كما تصورها quot;غويلquot; (الذي تصفه المصادر بالكاثوليكي الورع والصناعي المثقف والمجدد)، هي في الواقع محاكاة لتخطيط quot; ألمدينة- الحديقةquot;، التى انتشرت افكارها واسعا في انكلترة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبغية تحقيق تلك الفكرة، تم استملاك ارض واسعة في ضاحية quot;غارسياquot; في شمال برشلونة، وعهد quot; غويلquot; الى صديقة غاودي باعداد مخططاتها؛ التى تضمنت تصميم دور سكنية تحيط بها مروج خضراء فسيحة، وموقعة في مناسيب مختلفة طبقاً لطوبغرافية المكان. كما تضمن المشروع توفير خدمات خاصة لسكنة هذه الضاحية الذي توقع المالك ان تجلب انتباه اثرياء الطبقة الوسطى البرشلونية، وتجعلهم مالكين ومساهمين في هذا المشروع العقاري الضخم. بيد ان الامور اتخذت، كما هو معروف، مساراً آخرا، ولم تحظَ َ دعوات العيش في دور بحدائق فسيحة على استجابة واسعة، كما لم يكترث كثر لنداءات تفضيل السكن في ضاحية نائية نوعا ما، عن مزايا السكن في وسط المدينة ذي الخدمات المتطورة والمتنوعة، وافضى هذا العزوف الى تكبيد quot;غويلquot; خسائر فادحة، اضطرته الى وقف المشروع بعد سنين عديدة من بدء التنفيذ، ومن ثم بيعه الى بلدية برشلونة التى جعلت منه حديقة عامة مفتوحة لجميع سكنة برشلونة وزوارها. وباتت المنشاءات التى افلح غاودي بتنفيذها بمنزلة امكنة تزار لرؤيتها لذاتها، بعد كانت في الاساس مخصصة كمكان لرؤية المدينة منها. وفي عام 1984 قررت اليونسكو ادخال حدائق quot;الباركquot; ومنشاءاته ضمن quot;سجل الموروث الثقافي العالميquot; الواجب المحافظة عليه وصيانته كما هو.
لا يسع المجال،هنا، للحديث التفصيلي عن مجمل أفكار غاودي التصميمية الجديدة سواء تلك المتعلقة في اسلوب تخطيط quot;حدائق الباركquot; او في طريقة تصميم مفرداته المبنية. لكن عدم الاشارة الى quot;الميدانquot; الفسيح والمكشوف، الذي اُعتبر مركز التخطيط وquot;ضربتهquot; التكوينية، سيكون امراً غير مبرر وحتى مجحف في حق المعمار ومنجزه التصميمي. والحال اننا امام ساحة مرفوعة تبرز جراء تعديل سطح التلة الصخرية التى يستند عليها جزءها الخلفي، اما الامامي فهو معلق، تسنده اعمدة يبلغ عددها 86 عموداً تشكل بمجموعها قاعة معمدة اسفل هذا القسم، خصصت وفق افكار المعمار، كمكان للتسوق، يلبى طلبات سكنة quot;المدينة - الحديقة quot; المفترضة من خضر وفواكهة طازجة. والميدان العلوي هو ساحة مفتوحة وخالية من البناء، يمكن ان تكون مكانا مثاليا لالتقاء الساكنيين والتمتع ايضا برؤية بانوراما المدينة التى تمتد امامهم نحو البحر. لكن العنصر الاكثر تشويقا في تصميم الساحة هي quot;دكةquot; الجلوس المتموجة المستمرة على طول خط محيط الساحة، وقد تم تزيين سطحها بقطع صغيرة من الخزف الملون، وهي تقنية خاصة تدعى بـquot; ترينسادسquot; Trencads نراها حاضرة في مجمل اعمال غاودي، لكنها في ساحة بارك غويل حاضرة بقوة وبكثافة؛ وعدت اساس الفعالية التزينية واللونية لدكة الجلوس كما هو الحال ايضاً في تزيينات وتلوين سطوح اقسام اخرى من المنشآت الوظيفية والخدمية العديدة المجاورة للساحة والمؤدية اليها.
يلجأ غاودي كثيرا، الى استخدام التشكيلات النحتية ذات المضامين المستلة من مفردات الطبيعة المحيطة. وتغدو هذه الممارسة لديه، لكثر ما نراها في اعماله, بمثابة تأكيد لنزعة عميقة في دمج افكاره التصميمية عضوياً مع سياق مفردات البيئة التى يصمم لها. وبالطبع فان مثل هذا النزوع يبدو ملائما جدا في تحديد القرارات التصاميمة لبارك غويل. بيد اننا رصدنا اهتماما فائقا لدى المعمار لشكل quot;النخلةquot;- كشكل نباتي مفضل؛ يتوق المعمار الى استخدامه كثيرا في المعالجات التزينيية لمعظم المباني التى صممها. ويساورني ظن، بان دلالات النخلة لدية تتجاوز جماليات شكلها المميز، وحسن اتساق اجزائها. لتضحى بمعنى من المعاني تشديدّ على نزعة التفرد الثيمي الذي يتوق اليه المعمار؛ وما اصطفاء النخلة، (quot;عمتناquot; النخلة، والتى ايضاً اعطت لدراستنا هذه، عنوانها)، وما الالحاح في توظيفاتها، سوى استدعاء لذلك التفرد المُوحى اليه من خلال صورة الشجرة الجديدة نوعا ما في البيئة النباتية الطبيعية الاسبانية، والوافدة اليها عبر المسلمين. وبالتالي فانها تمثيل لتأكيد الحضور، مثلما تشي الى الغياب، انها فوق ذلك ترمز الى التفرد، والتغرب، والتوحد، انها، ايضاً، تنويع لمفهوم quot;تغريد خارج السربquot;. ولعل الدلالات الرمزية التى يسبغها المعمار عليها، تفسر لنا بواعث استخداماتها الواسعة. انها ُتشاهد في تزيينات بوابات quot;ساغرادا فاميلياquot;، ويوحي اليها في منحوتات ابراج مداخن quot; كازا ميلاquot;، ونراها موجودة في العديد من تصاميم المعمار الكاتالوني؛ لكنها في بارك غويل تكتسي حضورا بليغاً، لتغدو العنصر التزييني النحتي الاهم في سياق مفردات quot; تنظيم الفضاءات الخارجيةquot; Landscape للبارك.
اثناء جلوسي على quot;الدكةquot; اياها متطلعا من حولي الى ابداعات هذا المعمار الغريب مع مئات من الناس المحتفين به ايضاً، أحسست بحيرة في تفضيل ايهما اكثر جمالا: quot;فورماتquot; نخيل غاودي المنحوتة في صخرالتـّلة عند تخوم الساحة المكشوفة الفسيحة، ام اشجار النخيل الطبيعة التى اوصى بزراعتها قبالة quot;نخيلquot; منحوتاته وفوقها؟. انها ذات الحيرة التى يتكلم عنها quot;ادونيسquot; عندما كتب مرة:
lt; صوت الجرس يجئ من quot; الالةquot;
وصداه يجئ من quot; الطبيعةquot;
ُتحار ايهما الاجمل!gt;
من المعلوم ان مدينة برشلونة تحتضن غالبية تصاميم غاودي، اذ يوجد فيها وحدها 14 مشروعاً اساسيا، في حين يبلغ عدد المشاريع خارجها حوالي الاربعة، وكلها في اسبانيا. ويقال بانه ُكلـّف في عام 1911 باعداد تصميم فندق متعدد الطوابق في مدينة نيويورك الامريكية، لكن ذلك بقي في حدود المخططات الاولية.
قد لا تكون جميع تصاميم غاودي المنفذة تحظى بتعاطف كبير واعجاب دائم من قبل متلقي عمارته. لكن هذا لا يمنع من الاشارة بان ما اضطلع به المعمار الكاتالوني من مهمة ماانفكت تعّد، وفق رأي كثر من النقاد، من اكثر المهام اثارة وجسارة في تاريخ العمارة الاوربية الحديثة، وهو امر افضى لتصورات قد لا تكون كلها صحيحة، بان نتاجه التصميمي بات موسوماً بخصائص الاعمال الاستثنائية، الفريدة والمكتملة، الخالية من العيوب والمحصنة من الاغلاط التكوينية. وحتى تصميمه لعمود quot;مصباح الشارعquot; (1878)، وهو من اوائل تصاميمه، في quot;بلاسا ريالquot; lt;الساحة الملكيةgt;، تلك الساحة المربعة، الفاتنة برواقها الانيق وايقاع اقواسها الهادئ، والتى ظهرت فجأة في وسط المدينة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر، واضحت، مذاك، المكان المفضل للمثقفين المتنورين البرشولنيين، حتى ذلك العمود الحديدي ذو القاعدة الحجرية، المزدحم بالدلالات والرموز، يُرى الان وكأن تصميمه خلواً من العثرات والاخطاء في ضوء مسار المعمار الاسطوري؛ ذلك المسار الذي يؤكد صدقية الاطروحة القائلة من ان الابداع، لا يمكنه ان يختزل في مقاربة معينة، او في اتجاه تصميمي واحد. انه، ولا بأس من إشارة أخيرة، يتحرك بوسع، شاملا في حركته صنوف عديدة من ابداعات انسانية حقيقية: العقلانية منها وغير العقلانية ايضاً، والاخيرة، لا تعني بالضرورة بانها مصنفة سلبا او هامشياً. ومنجز quot;انطوني غاوديquot; المعماري غير دليل على ذلك.
... وتلك هي آية الابداع،
وتلك هي آية.. العمارة ايضاً.
قد لا تكون جميع تصاميم غاودي المنفذة تحظى بتعاطف كبير واعجاب دائم من قبل متلقي عمارته. لكن هذا لا يمنع من الاشارة بان ما اضطلع به المعمار الكاتالوني من مهمة ماانفكت تعّد، وفق رأي كثر من النقاد، من اكثر المهام اثارة وجسارة في تاريخ العمارة الاوربية الحديثة، وهو امر افضى لتصورات قد لا تكون كلها صحيحة، بان نتاجه التصميمي بات موسوماً بخصائص الاعمال الاستثنائية، الفريدة والمكتملة، الخالية من العيوب والمحصنة من الاغلاط التكوينية. وحتى تصميمه لعمود quot;مصباح الشارعquot; (1878)، وهو من اوائل تصاميمه، في quot;بلاسا ريالquot; lt;الساحة الملكيةgt;، تلك الساحة المربعة، الفاتنة برواقها الانيق وايقاع اقواسها الهادئ، والتى ظهرت فجأة في وسط المدينة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر، واضحت، مذاك، المكان المفضل للمثقفين المتنورين البرشولنيين، حتى ذلك العمود الحديدي ذو القاعدة الحجرية، المزدحم بالدلالات والرموز، يُرى الان وكأن تصميمه خلواً من العثرات والاخطاء في ضوء مسار المعمار الاسطوري؛ ذلك المسار الذي يؤكد صدقية الاطروحة القائلة من ان الابداع، لا يمكنه ان يختزل في مقاربة معينة، او في اتجاه تصميمي واحد. انه، ولا بأس من إشارة أخيرة، يتحرك بوسع، شاملا في حركته صنوف عديدة من ابداعات انسانية حقيقية: العقلانية منها وغير العقلانية ايضاً، والاخيرة، لا تعني بالضرورة بانها مصنفة سلبا او هامشياً. ومنجز quot;انطوني غاوديquot; المعماري غير دليل على ذلك.
... وتلك هي آية الابداع،
وتلك هي آية.. العمارة ايضاً.
مدرسة العمارة، الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون










التعليقات