فهد الشقيران من الرياض: كتيّب صغير قام بتأليفه: فريدريك غرو، تحت عنوان quot;ميشيل فوكوquot; وقد ترجمه: محمد وطفه، صدر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، يقع في 159 صفحة من القطع الصغير، وهو كتيب يسهّل على القارئ العادي المبتدئ في الفلسفة الغوص في فلسفة ذات طابع quot;انقلابيquot; أو quot;إشكاليquot; كما هي فلسفة الفرنسي quot;ميشيل فوكوquot; الذي لم يكن تقليدياً في تعاطيه مع الفلسفة على الإطلاق، بل هو يعرّف الفلسفة بأنها quot;فحص وتشخيص الصيرورات الراهنةquot; أو على حد شرح غرو فإن quot;مهمة الفيلسوف بنظر ميشيل فوكو تتمثل في شجب علاقات السلطة الخفية، وإثارة المقاومات وإتاحة الفرصة للأصوات المخنوقة بالتعبير عن ذاتهاquot;. يقسم المؤلف كتابه إلى مقدمة في سيرة فوكو الذاتية، تليها فصول ثلاثة هي: 1-أركيولوجيا العلوم الإنسانية.2-السلطة وكيفية الحكم. 3-ممارسات إسباغ الطابع الذاتي.
فوكو من الفلاسفة الذين طغت أخبار سيرتهم الذاتية على فهم فلسفته، كانت أخباره تشبه أخبار نجوم السينما والفن، وقد خص المؤلف لمعالم سيرته الذاتية بضع صفحات. ربما من أبرز معالم سيرة فوكو التي ساهمت في توجيهه إلى الحقل الفلسفي quot;القلقquot; الذي بدا عليه وهو خائف من الموت، وذلك حينما تم اغتيال المستشار دولفيس، وكان حينها في الثانوية، يقول عن ذلك الخوف quot;لقد شكل ذلك خوفي الأول والكبير بما يتعلق بالموتquot;. كما أن الدروس الفلسفية التي تلقاها في ثانوية هنري الرابع من قبل جان إيبوليت quot;وهو من كبار مترجمي هيغل ومن المختصين في مناقشة أفكارهquot; كان له أكبر الأثر على فوكو، وفي أحد إهداءاته كتب فوكو إهداءه إلى إيبوليت ووصفه بالاستاذ العظيم الذي له عليه كل شيء. كما مر بأزمة حادة على إثر محاولته الانتحار عام 1948 حينما تم عزله في غرفة لمرضى المدرسة، وحينما تم اتهامه بالنزوع إلى الكحول عام 1950 تمت معالجته النفسية حتى تعافى ووطد صداقات مع الفيلسوف بيار بورديو، وب.فين، وج.ك.باسرون، وألتوسير.
تعلق فوكو بشدة في التاريخ، هذا مع ولعه بالفلسفة، كما تخصص في العلوم الإنسانية وبعلم النفس بالذات، وقد أثمر هذا التنوع في الاهتمامات شمل الكثير من جوانب العلوم الإنسانية. كتب فوكو quot;تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيquot; يخص غرو هذا الكتاب بمباحث يدرس فيها الجنون في كتاب فوكو، مرة بوصفه موضوعاً متخيلاً، كما يعرض على الجنون المتعقّل، والجنون كهذيان، والجنون في المصح العقلي، وودلادة علم النفس حيث رأى فوكو أن quot;علم الإنسان بدأ ببناء نفسه، انطلاقاً من التجربة الانتربولوجية للجنونquot;.
وفي مسار أركيولوجي آخر قام فوك بتأليف quot;ولادة العيادةquot;؛ يسأل فوكو quot;كيف نفهم تجلي النظرة العيادية لهذه النظرة الطبية التي تسبر أحجام الجسد من أجل أن تكشف فيه أشكال الأذى؟quot; وكما يكتب غرو بالفعل فإن فوكو منذ quot;الأسطر الأولى ينبهنا إلى أن المسألة التي يطرحها الكتاب هي المدى، واللغة، والموت، إنها مسألة النظرة! كيف تشكلت النظرة العيادية؟ أي نظر طبيب القرن التاسع عشر إلى جسد المريض إنطلاقاً من المكان ومن لعبة اللغة ومن تفحص الأجساد الميتة، ومن دراسة الجثث؟quot;.
وفي طرحٍ مغاير، يبدأ فوكو في عام ومنذ عام 1961 إلى 1966 في كتابة مقالات تحاول أن تجيب على سؤال quot;ما هو الأدبquot; وقد جمعت هذه المقالات في كتاب quot;أقوال وكتاباتquot;. فوكو يرى في الأدب quot;كون اللغةquot; وفوكو كاتب بليغ ونصوصه الفرنسية تبرهن على أسلوب أدبي خلاّب، فهو يصف الأدب بأنه quot;المكان الملتبس والعميق، حيث لم تعد الكلمات تردّنا إلا إلى الكلمات، وحيث لم تعد اللغة لتنطق إلا باللغةquot; يصف غرو الأدب بالنسبة لفوكو بأنه quot;الهمسquot;.
أما في كتابه quot;الكلمات والأشياءquot; الذي يوصف بأنه الكتاب الأشد إثارة للسجالات بعد كتاب quot;نقد العقل المحضquot; لكانط، فيقوم فوكو بتحليل الخطابات، يصف غرو هذا الكتاب بالنص الآتي: (سرعان ما استوى هذا الكتاب، وهو تاريخ للعلوم، أي الفرع الذي لا يحظى بالتأييد الشعبي والمتميز أيضاً بالتعقيد والقراءة الصعبة، وبدمجه لأربعة قرون من الفكر الغربي، لقد بقي في القمة من مبيعات كتب العلوم الإنسانية، ونفذت الطبعة الأولى منه خلال أربعة أشهر، كما استطاع الإعلان النبوي الغنائي عن quot;موت الإنسانquot; والذي جاء في نهايته، أن يؤثر في الأفكار التي لا تتمتع بالأحاسيس النظرية الجيدة) ص49.
في الفصل الثاني، يعرض غرو إلى نتاج فوكو الأشد أهمية وهو المتعلق بالسلطة، وكيفية الحكم، وهو الإنتاج الذي نثره فوكو في quot;أركيولوجيا المعرفةquot; و quot;نظام الخطابquot; و quot;إرادة المعرفةquot; و quot;الرقابة والعقابquot; و quot;ينبغي الدفاع عن المجتمعquot;. أما في الفصل الثالث، فيقوم المؤلف بتسطير فصلٍ على مستوى كبير من الأهمية تحت عنوان quot;ممارسات إسباغ الطابع الذاتيquot; يتعرض فيه للأفكار التي طرحها فوكو في آخر مرحلة إنتاجه العلمي، مثل نص quot;ما هي الأنوارquot; الذي جاء كجواب على سؤال كانط الشهير المطروح بنفس الصيغة، وفي قسم آخر يعرض المؤلف تحت فصل quot;استخدام اللذاتquot; لكتابات فوكو الجنسانية، ومشروعه الذي أعلن عنه منذ السبعينيات عن quot;تاريخ الجنسquot;.
لقد هدف فوكو في فلسفته إلى إدراك أبعاد تمكننا من quot;تغيير حيواتناquot; وقد حاول فوكو أن ينجز هذه المهمة وقد نجح وبالذات في فرنسا، حيث ساهمت الأجهزة المعرفية التي ابتكرها فوكو في تنظيف الطبقات الاجتماعية المعزولة من الممارسات الشائنة، كما هو الحال في تطور السجون وأنظمتها كما تطورت المصحات.أما الفلسفة فقد تأثرت بالأدوات التي سنّها فوكو والتي باتت تستخدم في مختبرات البحث والتحليل الفلسفي والاجتماعي والأدبي، ليصبح من أبرز الفلاسفة والمفكرين والمثقفين المعاصرين ومن أشدهم تأثيراً، لقد كان يدعو إلى الشجاعة في الحقيقة بل هو دعى إلى quot;الوقاحةquot; ووصفها بأنها هي من يستنبط الحياة الحقيقية، وهي من يظهر الحقيقة إلى الوجود.