الفصل الثاني: إلى أبــــي

lsquo;These fragments I have shored against my ruinsrsquo;
T.S. Eliot The Wasteland

بدأت هدأة المعنى
بدأت المسرة
بدأ الكلام
في الأعين المتحجرة

بدأ التوهج
بدأ العنفوان
بدأ الغياب
الغياب الأخير للكلمة
لا أعني غيابكَ
لا أعني الماضي
طريق واحد فقط
هو العمر
حياة واحدة
وغيابات شتى
بحجم الكلمة
بحجم معناك
وأنت تتسلق معي
جسد الكتابة
لم تسعفك الكلمة
لم يسعفك المعنى
فقط قلق الأب
وهو يغني
فقط صوته
فقط كلمته الأخيرة
عيناه وهو يبتسم

فقط عمره:
أوهامه وأحلامه
أفراحه التي لم تر الضوء
شجونه
قنديله الأخير
دموعه التي تطفو على أسطح الذاكرة

لم يكن يسعى الى الكمال
كان يتشبه فقط بالوردة
بالشجرة الأم
بأوراقها
بجدل الطبيعة
صباح أزرق كالبحر
وليل مضيء كالأمل

شاهدة جديدة
هذا النهار
شاهدة جديدة
لم تمحُ الأمطار بعدُ تواريخها
فهل احتاج الى قنديل نار؟
ليس الضوء
ليس الموسيقى التي تنبع من رحم الكلمة

لقد كنته يوماً ما
ذلك البعيد
ذلك الذي يتجذر بالحلم
لقد كنته
في مجده التي تضيق به
الحكمة
صماء هذه الحروف
بينما كلماتكَ
أوسع من تاريخ مدو
ليست الرؤيا / ليس الأمل الكاذب
وبالطبع
ليس هذا الحجر الذي تتحدث عنه
وليست أيام الغياب
إنه فقط
التلاشي الأخير
للكلمة
السواد الذي رفعناه معا
دمعنا الذي تحجر
في الإنتظار
في الأمل
في الأكاذيب الكثيرة


لم تكن نوح
ولم تكن العشبة
لقد كنت البداية التي لا تنتهي

أجراس الولادة
أم أجراس الموت هذه التي نسمعها؟

موسيقى غياباته المتعددة
مرة عبر أمه التي لم يرها
ومرة عبر أولاده
لا سفح أخضر هنا

لا سكينة لآمالك المستحيلة
لا أنهار لعطشك الدائم
لا صحراء لأحلامك
ولا حتى سراب
غياب يبتدأ وينتهي بك
بموتك وحياتك
هل قلت إنك تموت لتولد
أم أنها لعبة الكلمة
طينة الغياب التي يشكلها وجودك

لم يقل إنني ولدت
كان يحتضر كل أيامه
كل سنينه
أحلامه الكثيرة عن السعادة
لم يقل هذا الرجل الصامت شيئا كعادته
لم يقل
فقط أشار الى وديعته
الى أعلام سود
مجده الغابر
لم يقل هؤلاء أبنائي
كان يسميهم فقط

هكذا ينتهي كل شيء
معنى أن تنمو الزهرة بعيدة عن الغصن
أن تشف النهايات
عن حكايا الخراب الأخير
تركته هناك وحيداً
قرب موته
يسمو على كذبة الحياة الوحيدة
كذبة وجودنا
الخرافة التي تقول:
مَن أنت؟
ما هذه المودة المستحيلة؟
حتى الروح
حتى الاشجار التي تعلو
اصبحت جرداء
حتى القناديل الكبيرة المظلمة
التي لعبنا قبالتها
أيام طفولتنا

هل تذكر الماضي؟
ذلك الذي سرق الأغنية
هل تذكر خروجي معك
في نزهة الألم؟

لم تحدثني عن العوارض التي تنمو قرب الروح
كانت كلماتك فقط عن تلك الليلة
عن غابة آمال
عن ألم قديم
قدر يعود ثانية
ليست القصيدة إياها
ولا المرأة التي حدثتك عنها

إنه الألم
الألم نفسه
الغياب الذي عشناه معا
سواقي الطفولة اليابسة

كان مثله
مثل كلكامش
يستحم بالشمس
يشرب دمعه بكأس
لم ير الأرز
لم ير أي شيء
رأى فقط كثبان الفجيعة
رأى الغياب
في فتنته الآسرة


أنا ميت
أنا ميت
هذا الذي تراه أمامك وهم
ليس له يدان
ليقطع الأرز
كان يحلم فقط
يقضي أيامه بالتمائم
بالكلمة الخرساء
تلك التي نرددها عاليا
بأكتمال النهار
بالدمعة الجارفة
باللسان المر
بالموت
به وحده يكتمل الغياب
وهم وجودنا

إنه نفسه
المكان نفسه
المقهى نفسه
الشراب
الجاز
لكنها لم تكن هي
تلك التي رقصت
من شدة الفرح
تلك الليلة
ليلة الفرح المضيء

يا له
من ليل!
تقاسمناه كالعشبة معا
لم أكُ حينئذ كلكامش
ولم تكن هي صاحبة الحانة
لقد كنا غريبين
بلندن
في سرداب الكنيسة القديمة
في ST Martin-in-The-Fields
نسمعُ
أوتار القلب
هل أقول نعم لهذ الصوت؟
للضوء الذي أطل أخيرا
لأبجديته التي تحيط بي
ليس جديداً عليّ
ولست جديداً عليه
أراني صورته
أراني هدأة المعنى
أراني الغياب
أراني التوهج
في الأعين الحالمة!


شاعر عراقي يقيم بلندن
[email protected]