قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف تخصص ملفًا لدارون بمناسبة ذكرى ميلاده المئتين (1/6)

إعداد عبد القادر الجنابي: يحتفل العالم اليوم (كلٌّ حسب هواه الخَلـْقي Creationist أو التطوري Evolutionist)، خصوصًا الأكاديميات العلمية والأوساط الثقافية بالذكرى المئتين لميلاد دارون، عالِم الطبيعة الذي بيّن أن كل ما هو حي قد تطور عبر الأزمنة من أسلاف مشتركين خلال عملية سماها الانتخاب (الاصطفاء) الطبيعي، فأحدث، بكتابه quot;أصل الأنواعquot;، شرخًا ( يتطور تطور العالم) في صلب الإيمان القائل بأن الإنسان خُلِقَ quot;إنسانًا بشكله وصفاته وعقله لا يتطور ولا يتحولquot;، على حد عبارة أحد المسلمين. ومنذ 150 عامًا، والصراع في حدته مما يمكن القول إنه ما إن يمر عقد من الزمن، حتى يعود دارون إلى الواجهة مثيرًا السجال والنقاش في الساحة العلمية. إذ كما قال أحد المختصين، أن كل فكرة علمية لا يمكن أن تبقى قانون الطبيعة الثابت... على العكس إنها دائمًا في حالة تطور ونمو وتصبح إطارًا للنقاش والبحث دون أن تفقد هويتها وملامحها الرئيسة. ونظرية دارون قوتها أنها الفكرة العلمية الوحيدة في التاريخ التي أُخذت جديًا منذ ظهورها وحتى اليوم. ترى، من هو دارون؟

ولد تشارلز روبرت دارون في 12 شباط 1809 في مدينة شروزبري (شروبشاير، انكلترا) وتلقى تعليمه الدراسي فيها. ومنذ طفولته كان له ولع بعالم الطبيعة. دخل عام 1825 إلى كلية أدنبرة مكث فيها سنتين وكان يفترض أن يدرس الطب لكنه شعر بالملل من هذه المادة وفشل فيها.. انتقل إلى جامعة كمبردج التي طور فيها اهتمامًا بالغًا في التاريخ الطبيعي. نال شهادة الدكتوراه عام 1831 وعندما حل الخريف طلب من القبطان فيتزروي أن يأخذه معه في رحلته، على سفينة بيغل حول الكرة الأرضية لكي يتابع عن كثب القضايا الطبيعية. فطالت الرحلة ما يقارب خمس سنوات، مارة بشواطئ أميركا الجنوبية، الجزر الأوقيانوسية واستراليا الخ، فكانت الجزر تسترعي انتباهه، فأخذ يدون، في دفاتر، كل ما تطرأ عليه أفكار وملاحظات تجلت عبر معاينته لعالم النبات والحيوان والصخور وبقايا مستحجرات الحيوان من عصور جيولوجية سحيقة في هذه الجزر. وقبل أن تعود السفينة، بسنتين، إلى بريطانيا سمع دارون بأنه قد انتخب عضوًا للجمعية الملكية. وقد اشترك عام 1839 في نشر quot;تاريخ السياحةquot;، الذي كتب مجلده الثالث والأخير مضمّنًا فيه استقراءاته واكتشافاته في الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي.

غلاف مجلة فرنسية وغلاف الطبعة الأولى من أصل الأنواع

وصدر عام 1843 كتابه quot;الصخور المرجانيةquot; ثم تبعه عام 1844 بكتاب حول quot;جيولوجيا الجزر البركانيةquot;.. وفي الوقت نفسه، كان ينشر مقالات علمية جيولوجية.. وفي الحقيقة كانت اكتشافات دارون التي ستحدث ثورة انقلابية في تاريخ أصل الإنسان تتجلى على شكل ملاحظات وأفكار وأحاديث كان يلقيها دارون على أصدقائه... وذات يوم وصله مقال الفريد راسل يتضمن الاهتمام نفسه والتأملات النظرية في مسألة quot;الانتخاب الطبيعيquot; Natural Selection، فسارع في نشر أبحاثه في كتابه المشهور: quot;أصل الأنواع بوساطة الانتخاب الطبيعيquot; (1859). فكان الكتاب الأكثر مبيعًا، إذ سرعان ما نفدت الطبعة الأولى وتبعتها عدة طبعات وترجمات عالمية... وقد نشر عام 1871 كتابه المكمل والأساسي quot;في أصل الإنسان والانتخاب المتعلق بالجنسquot;، مبينًا فيه أن أصل الإنسان حيوان له ذيل تطور من الرتبة الحيوانية إلى الهيئة الإنسانية الراهنة... فثار عليه رجال الدين وحاولوا دحض استنتاجاته عبثًا. وأصبح دارون هدفًا للنقد والسخرية فظهرت عدة كراريس ومقالات تستهزئ منه ومن نظريته، وحملت أغلفة المجلات آنذاك صورة دارون على شكل قرد، أو يتشبث كقرد بين الأغصان (كما فعلت المجلة الفرنسية La Petite Lune، انظر الصورة). ذلك أنه، في هذين الكتابين، نسف كل العلل الخَلقية للأجناس الحية مستبدلاً التفاحة بالقرد، ومؤكدًا أن الاختلاف بين جنس وجنس آخر يعود الى الارتقاء والتطور، وأن المناخ يؤدي دورًا أساسيًا في سحنة الأنواع وألوانها، وان الانتخاب الطبيعي تحركه نزعة الصراع من أجل البقاء. وقدالّف أحد العلماء النادرة التالية كتبسيط لها: ثمة زاحفتان، من العصور السحيقة، قد شاهدتا ديناصورًا ضارًا يتربص بهما، فأخذتا يسرعان في الركض، والديناصور يركض خلفهما.. بعد مهلة، وقفت أحدهما وقالت للأخرى: لحظة... لماذا نحن نركض، فهو أسرع من عندنا وسيقضي علينا عاجلا أو آجلا... فأجابت الأخرى: انا لا ابتغي الركض أسرع منه، وإنما ابتغي الركض أسرع منكquot;!إذن، وفقًا لنظرية النشوء والارتقاء، أنالتنافس لا يجري بين عرق وآخر

نظرية داروين تتفق مع الإنجيل لكن لا اعتذار له

الفاتيكان يثير ضجة كبرى بعد إعترافه بنظرية داروين3-3

كيف تطور القرد إلى إنسان؟

باحثون وكتاب عرب يتحدثون لـ إيلاف حول العلم والدين 2

وإنما داخل العرق نفسه. وقد عرّف دارون الانتخاب الطبيعي quot;كمبدأ بواسطته كل تغيّر ذي فائدة، يُحفظ. فالأفراد الأفضل تكيفًا مع بيئاتهم هم على الأرجح الأصلح للحياة والإكثار. وبقدر ما يكون هناك تنوّع بينهم سيكون هناك بالضرورة انتخاب حتمي لأفراد لهم اختلافات نافعة. وإذا كانت الاختلافات المتوارثة فالنجاح التناسلي التفاضلي سيكون من شأنه أن يؤدي إلى تطوّر تدريجي لمجاميع خاصة من الأجناس، ومجاميع تتطور إلى أن تكون مختلفة بما فيه الكفاية حتى تصبح في آخر المطاف أجناسًا مختلفةquot;.

ودارون بأبحاثه العلمية هذه لم يفكر قط بأن يصبح ملحدا او مؤمنا وإنما نشرها لغاية علمية محضة. فعلى صعيد الحياة الشخصية، كان دارون يشرف كثيرًا على أعمال كنيسة مدينته. وكان معروفا بتسامحه وعدم التدخل بالشؤون الشخصية الدينية لكل فرد، فمثلا كان ينتظر يوم الأحد، في الحدائق المجاورة، حتى تخرج عائلته من الكنيسة. وعندما كان يسألوه عن آرائه الدينية، كان يتجنب الإجابات مؤكدا أنه quot;ليس ملحدا بمعنى إنكار الله، ويفضل كلمة العَرفاني ( gnostic الغنوصي) كوصف صحيح لفكرهquot;. وفي الحقيقة أن جزءًا من النقاشات

يقال إن احد التبشيريين في إحدى غابات الأمازون، شاهد في اليوم نفسه الذي ولد فيه دارون، ظاهرة غريبة لم يستطع تفسيرها وهي أن في ذلك اليوم نزلت كل القرود من أشجارها ومخابئها وتوجهت نحو الشاطئ وبقيت صامتة لمدة دقائق وعادت... وهذا ما لم يحدث من قبل... بعد خمسين سنة أي عندما ظهر كتاب quot;أصل الأنواعquot; أوّلت جريدة الإلوستراسيون الفرنسية، آنذاك، بأن هذه الظاهرة المذكورة في يوميات أحد المبشرين لا يمكن تفسيرها إلا بالتالي: هو أن القرود يوم ولادة دارون انتابهم شعور مسبق خلاصته أن الذي سيجد خيط النسل بين القرد والإنسان قد ولد أخيرا!

ضده كان يحركها عامل البشرية الأناني: لو نفترض أن دارون برهن على أن الإنسان تطور عن طريق غزال، لكان وافقه معظم الذين حاربوه من المؤمنين! أما أن يكون الأصل قردًا... هذا ما لم تتحمله نرجسية البشر وتعاليهم. لكن رغم كل هذا الجدال الحاد ضده لم ينل دارون أي أذى من أحد أو مؤسسة، ولم يمنعه من نيل شهادات وأوسمة ورتب عالية في الجمعيات العلمية البريطانية. بل إن دارون الذي توفي في 19 نيسان 1882، هو، كاسحاق نيوتن،واحد من خمسة أشخاص (في القرن التاسع عشر) دفنوا في كنيسة ويستمنستر وهم ليسوا من عائلة ملكية. ناهيك أن كل الأبحاث والدراسات التي وُضِعت لها الملايين من أجل دحض نظرية التطور باءت بالفشل وبقيت مجرد افتراضات غير مُسنَدة علميًا في مناقضتها لنظرية التطور. بل، في الحقيقة إن كل اكتشاف quot;علميquot; جديد يريد دحض اطروحات دارون، يزيد من مصداقية نظريته كما حصل في منعطف القرن التاسع عشر مع إعادة اكتشاف مندل لقوانين الوراثة فأعتقد الكثير من العلماء بها معلنين خسوف نظرية دارون، لكن سرعان ما تأتي أبحاث مدرسة مورغن في مضمار علم الوراثة الخَلَوي فتؤكد إطروحات دارون في الانتخاب الطبيعي.

عندما قررت الحكومة الأمريكية تدريس نظرية التطور في المدارس في منتصف ثمانينات القرن الماضي كجزء من التحديث العام للتعليم في أميركا، صدف أن عثر الخَلقيون، عام 1987، على صيغة quot;القصد الذكيquot; Intelligent design، ففرضوها مادة تدريس موازية ومناقضة لنظرية التطور، مبتغين من مفهوم quot;القصد الذكيquot; أن يكون ردًا ذا طابع علمي على مفهوم دارون quot;الانتخاب الطبيعيquot;، العشوائي في نظرهم. فتغيرت في كتب التدريس المقررة، كلمة quot;الخَلقquot; بكلمة quot;القصد الذكيquot;. وخلاصة القصد الذكي هي أن quot;بعض ملامح الكون والأشياء الحية، أفضل تفسير لها هي انها نتيجة علّة ذكية، وليس نتيجة مسار غير مباشر كالانتخاب الطبيعيquot;.

على القارئ أن يعلم أن عبارة quot;القصد الذكيquot; سبق أن استخدمت سابقا كعبارة وصفية إنشائية لاتحاجج نظرية دارون، إذ كان أول ظهور لها في عدد من مجلة quot;أميركا العلميةquot; 1847، وعام 1850 في كتاب للعلامة باتريك ادوارد دوف. والعبارة أيضًا استخدمها دارون في رسالة له بتاريخ 1861. وأيضًا تم استخدامها في افتتاحية الاجتماع السنوي لجمعية تقدّم العلم البريطانية عام 1873، وفي عديد من الأبحاث العلمية في القرن العشرين. غير أن الاستعمال المعاصر والمُراد كبديل لـquot;الانتخاب الطبيعيquot;، ظهر في كتاب quot;عن الدببة والبشرquot; Of Pandas and People (البندا نوع من الدببة لهم فرو ابيض وأسود) الذي حرره جارلس ثاكستون وصدر عام 1989 ويعتبر هذا الكتابانجيل دعاة quot;القصد الذكيquot;، بل أصبح المرجع المدرسي العلمي المقدس في نظر علماء اللاهوت المؤمنين بأن العالم خُلق ولم يأتِ نتيجة تطور. والغريب أن ثاكسون، كما أكد تقرير معهد الاكتشاف الأميركي، سمع الكلمة يلفظها أحد علماء الـ quot;NASAquot;، فصرخ: quot;هذا ما أحتاج إليه؛ إنها الصيغة المُهندِسةquot;!

هناك من يؤكد أن في كتب الأقدمين اليونانيين وفي مؤلفات الجاحظ، ابن مسكويه، اخوان الصفاء وابن خلدون، عبارات تتقارب من مفهوم دارون، بل تكاد تكون أحد أركان نظرية التطور، فمثلا الجاحظ في quot;كتاب الحيوانquot; نبّه إلى أن اختلاف اللون في الأجناس سببه االمناخ وليس التمييز العرقي، وأن غريزة البقاء للأصلح - الأقوى تشكل ركنا أساسيا في عملية التطور. لكن كل هذا يدخل في نطاق الحدس والتنبؤات التي لم تهدف إلى إلغاء نظرية الخَلق، وهي لا تملك أي دليل علمي.. كما أنها جاءت متفرقة من دون أي انسجام كنظرية جديدةيمكن أخذهاموئلا لفهم تاريخ حياة الأحياء. بينما كتابات دارون جاءت نتيجة استقصاء علمي متعمد وتجارب دقيقة في مختبر النبات والحيوان والبشر، ولها غاية اكتشافية لتجديد النظرة على أسس علمية بحتة لإعادة النظر في تاريخ علم الأحياء؛ علم الإنسان نفسه، ومساءلة المعتقدات المتعلقة بأصله.

إن الجانب العلمي الصلد والرصين في نظرية دارون، دفع حتى الفاتيكان إلى أن يعلن، أشهر قبل حلول الذكرى المئة والخمسين لصدور كتاب quot;أصل الأنواعquot; لدارون (سبتمبر 2008)، quot;إن نظرية النشوء والارتقاء تتفق مع الكتاب المُقدسquot;! كما تجدر الإشارة إلى أن جامعة كامبريدج البريطانية أنشأت الموقع الجديد darwin-online.org.uk الذي يتضمن عددًا من كتابات دارون التي لم تنشر من قبل. وبينها كتابات من الرحلة الشهيرة التي قام بها على متن سفينة بيغل وأيضًا نص ما كتبه خلال زيارته لجزر غالاباغوس، وهي الزيارة التي استوحى خلالها أفكاره التي أدت به إلى نظريته للنشوء والارتقاء

بمناسبة الذكرى المئتين لميلاد هذه العبقرية العلمية، تخصص إيلاف ملفًا ثقافيًا من ست مواد تنشر تباعًا اعتبارًا من هذا اليوم في قسم quot;كتاب اليومquot; وquot;ثقافاتquot; وستجمع المواد في ملف واحد في quot;مكتبة إيلافquot; لمن يود العودة إليه... والملف يتكون من المواد التالية (المفعّل يعني منشور واللامفعّل سينشر غدا):
2- د. مجدي عبد الحافظ: رؤية إسماعيل مظهر التوفيقية لنظرية التطور الدارونية (اسماعيل مظهر هو اول من ترجم quot;أصل الأنواعquot; إلى العربية مطلع القرن الماضي)
3- العفيف الأخضر: كيف تطور الإنسان إلى قرد؟
4- محمد الحمامصي: كيف يرى مفكرو الإسلام اليوم نظرية دارون (استفتاء)
5- خالص جلبي: اعتراف الكنيسة بنظرية دارون متأخرا قرن ونصف؟
6- العفيف الأخضر: الإسلام ونظرية التطور: نقاش أم فتاوي؟