عبد الله كرمون من باريس: سعى السفسطائي سينيسيوس - المولود حوالي 370م في الوادي الأخضر بليبيا الحالية -إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، حينما قرر أن يفحم معلمه دْيُون الملقب بالفم الذهبي، لما تجرأ، هذا الأخير، قبل قرنين منه، على إنجاز كتاب quot;تقريظ الشعرquot;، فألف بدوره وضدا عنه كتابا فيquot; مديح الصلعquot;، نُشرت ترجمته من اليونانية إلى الفرنسية وأعادت نشرها دار أرليا خلال السنوات الأخيرة، ضمن مشروعها الجميل المسمى ب quot;العودة إلى الأصولquot; الذي تهدف فيه إلى إعادة التعريف بالنصوص التراثية الهامة.
يلزم التأكيد، في البدء، على كون سينيسيوس لم يدافع في الحقيقة عن الصلع، ولا عادى الشَّعر بالتحديد، بقدر ما كان همه الأساسي في الواقع، هو إبراز قدرته الهامة على البرهنة والإقناع. قال عن نفسه بأنه أصلع -ما لم يصدقه حقيقة مترجمه كلود تيرو معتبرا ذلك بعضا من ترهات الكتبة -لكنه لم ينس رد الاعتبار إلى معلمه كما يليق به، في الوقت الذي أبان فيه عن قوة حجاجه، ما يؤكد مرة أخرى حُسن أخذه عن معلم كبير، وبالتالي عرفانه له بالجميل؛ ما لم يمنعه من انتقاده بموضوعية؛ بل بحدة أحيانا.
شرع سينيسيوس بذم كتاب دْيُون؛ مفشيا كون لا مفر للصلع الذين يفتحونه من أن تحمر وجوههم خجلا. لذلك قرر أن يقارعه: الحجة بالحجة. قال بأنه سوف يعزف، في حداد، بكاءه على شعره الساقط!
كتب: quot;فيما يخصني فأنا أصلع، وأعرف كيف أعبر عن حالتي، كما أن موضوعي هو، على كل حال، أجمل من موضوعه. فهل أنا أدنى من دْيون؟ لماذا لا أستعد لمقارعته؟ لماذا لا أضع على المحك قوتي وأطروحتي وأحاول أن أرجح كفتي ضد أصحاب الشَّعر؟quot;
ألح على أن صاحبه يتظاهر باهتمامه كثيرا بالأمور وبتعهدها دون أن يبدو عليه شيء من ذلك. أما هو فلم يدّع أبدا ذلك، بل اعترف بأنه لا يمارس البتة مهنة البلاغة! قال أن من ضمن أولوياته في الحياة أمرين: عمل البستاني والكلاب التي يروضها لصيد الطرائد الهامة. أشاد بأن أصابعه قد أضنتها أسلحة الصيد ودوام طول حمله للرفش.
كتب quot;في الحقيقة، لماذا نخجل عندما تكون رأسنا ملساء. في الوقت الذي تنبت فيه بداخلها أفكار كثيرة، مثل تلك التي احتفل بها هوميروس، بخصوص أشيل، الذي لم يعبأ قط بشَعره، لأنه ذهب به الأمر إلى إهدائه إلى صديق ميت!quot; (هو باتروكل كما نجد ذلك في الإلياذة).
رأى أن الشعر والزغب هي مواد ميتة بطبيعة الحال، فهي ملتصقة بالأحياء مثل أوصال بلا حياة. لذلك أكد بأننا نجد جسم الحيوانات البليدة كله مغطى به. وأعفي الإنسان من ذلك العبء الثقيل. quot;الذي لا شعر له فهو بالنسبة للآخرين مثل ما هو الإنسان بالنسبة للدواب المتوحشةquot;. ثم أضاف معطى آخر ليقوي حجته بقوله: quot;إذا كان الإنسان، من بين كل الكائنات الحية، هو أكثرها ذكاء، وفي الآن نفسه، أقلها زغبا. فالكبش، بشهادة الجميع _ وهو أبلد الدواب كلها_ مغطى بصوف كثيف جدا ومنتشر. الخلاصة: أن الشَّعر هو عدو الذكاء، لأن كليهما يرفضان التأقلم مع بعضهماquot;.
يعرف قارئ الكتب التراثية العربية أنها لا تخلو جميعها من الحديث عن كون طول الشعر يوافق الخرق ووهن العقل. رأى أفلاطون الحكيم أنه من السوء أن ينبت الشَّعر على جنبي فتحتي الأذنين. quot;غابة الزغب التي تنبت على مركز السمع لا يمكنها إلا أن تصم، مثلما يعمي، بالتأكيد، زغب ينبت على عضو البصر، أية كارثة تحيق بنا لو حدث هذا الأمر!
quot;لقد سبق لنا أن رأينا رموشا أحيطت بشكل غريب بخطي حاجبين مزدوجين. فأن يحاذي الزغبُ العينين لهو أمر فظيع! أليس من الضروري إذن التصدي له قبل أن يطردهما من محجريهما؟quot;
quot;لا تحتمل الطبيعة اجتماع ما هو نبيل وما هو دنيء. وأشد ما لدى الأحياء نبلا هي أعضاء الحس، تلك الأطراف التي تتمتع أكثر من غيرها في الكيان بنصيب وافر من الحياة. وقد آثرتها الروح بطاقاتها منذ البداية. ومن هنا، فعضو البصر هو أكثر الأعضاء سموا، ولهذا السبب بالذات فهو أكثرها خلوا من الشَّعر. فإذا كانت أهم الأعضاء نبلا لدى الفرد هي الأعضاء الصلعاء. فأفضل العناصر على مستوى النوع البشري، هي أيضا وبطبيعة الحال، الصلعاء.quot;
ذهب إلى أن الإنسان قد نأى كثيرا عن الحيوان، لذلك فهو أقل زغبا منه. كتب: quot;مادام الإنسان هو أكثر الكائنات الحية سموا، فإن أسمى الرجال هم الذين رزقوا فضيلة فقد الشَّعر، ويمكن أن يكون الأصلع بذلك من أفضل الكائنات الإلهية على وجه الأرضquot;!
حالنا، بعد ذلك، على لوحات المتاحف التي تُظهر بورتريهات كل من سقراط وديوجين وكل عظماء الأمس وهم صُلْعٌ. إلى درجة أن يبين عن إصراره في ضم أبولونيوس إلى لائحة الصلع، وإن كان غير متأكد من كونه أصلع، بل لا يهمه أن يكونه أم لا لأنه يعزه كثيرا ويرغب في انضمامه إلى معسكره.
قال، مواصلا حججه الدامغة، بأن كل حكيم أصلع، لذلك فكل من ليس بأصلع فهو ليس بحكيم. كتب: quot;نملك الآن الدليل القاطع بأن الشّعر يهجر مواضع الذكاء، كما يفر الذكاء من الأماكن التي يتواجد فيها الشَّعرquot;.
علل ذلك بلزوم إظهار كون الطبيعة تركز قواها حول الكائنات الهشة، في الوقت الذي تتخلى فيه عن مواصلة فرض قوتها على التي استكملت منها نموها.quot;قال بأن البذور التي تُرمى في التربة مرصودة لمنح الثمار. أليس كذلك؟ وإن كانت تبدأ، قبل ذلك، على شكلٍ أكثر فجاجة: جذر، تويجة، قشرة، سنبلة، غشاء، عصفة، وقرن. كم هي رائعة إذن الصيرورة التي تقتفيها الطبيعة في ذلك! ومادامت الثمرة لم تتكون بعدُ جيدا، فإنها تظل مطمورة. وما إن تعن حتى تختفي كل زوائد المادة. فكل ما ليس بثمرة ييبس، لأن كل ما هو كامل لا يحتاج إلى زخرفةquot;.
من هذا المنطلق إذن فالعقل هو أكثر البذور التي تجيء من السماء سموا. لذلك ذهب سينيسيوس إلى أن الرأس التي نجدها قد تخلصت من شعرها، دليل واضح على أن العقل قد اصطفاها مستقرا، ولزم اعتبارها، كما كتب، معبدا إلهيا. إلى درجة أنه قارن ما بين الصلع وقبة السماء التي هي صلعاء أيضا. لأن كل تقريظ لهذه الأخيرة هو أيضا مدح للصلعة. كتب فيما قد يبدو لنا عن خطل نوعا من المغالاة: quot;لا أعتقد بأن أيا من سكان السماء له شعرquot;!
حاول سينيسيوس، بكل الوسائل، أن يبز معلمه ديْون، بأن ذاد عن الصلعة وأفلح في القول بجمالها، دون أن يقلل من قيمة أستاذه بل أعلى، خلاف ذلك، من شأنه. ألم يقل عنه وعن ميزة أسلوبه الذي اعتبره رائقا وكأنه رأس أصلع!
quot;في الأخير، أرجو أن يستفيد من هذا الكتاب كل الذين قد يقع بين أيديهم!quot;
[email protected]