قد يكون من المفيد (والمستحب ايضاً) ان يضاف quot;الفquot; وquot;لامquot; الى كلمة quot;عمارةquot;،تمجيدا ومحبة لتلك الفعالية النبيلة والجميلة التى ندعو منتجها بـ quot;lt;الـgt;ـعمارةquot;؛ العمارة، التى تأوينا وتحمينا وتخلق انغلاقية quot;فضاءاتquot; امكنة عملنا ونشاطنا وراحتنا، والتى تثير فينا إحساسا مرهفا ولذيذا ناتجاً عن متعة مشاهدتها، مشاهدة جمالياتها، جماليات المنجز الجليل!.
ومع إننا نتعاطى يومياً وعن قرب مع العمارة، فقد ظلت الأخيرة مدار نقاش وتحليل دائميين عن ماهية ذلك المنتج وجوهره. وماانفك التساؤل المشروع ينتقل من عصر الى آخر ومن ثقافة الى آخرى، ومن متلقٍ الى آخر، ومن ذهنية الى آخرى؛ عن ماهو الشئ الذي يجعل من العمارة: quot;عمارةquot;؟!. ورغم بساطة التساؤل، بل وربما سذاجته ايضاً، فان ايجاد جواب شافٍ ووافٍ عن مفهوم العمارة، لم يكن سهلا بالمرة، وظل ذلك المصطلح متحولا ومتغيراً طبقاً لنوعية الثقافة التى تطرح مثل ذلك التساؤل، وخصوصيتها التى تنتج مفاهيمها الخاصة بها. فالعمارة لدى quot;ليون باتيستا البرتيquot; (1404-1472) L. B. Alberti - وهو احد اعلام معماري عصر النهضة ndash; هـو quot;الزخـرفquot; او quot;التزييـنquot;؛ ذلك التزيين الذي سيأتي يوم ويعتبره المعمار النمساوي الحداثي quot;ادولف لوسquot; بمثابة quot;جريمة تصميميةquot; كما ورد في كتابه المعروف في الاوساط المعمارية: lt;الزخرفة والجريمةgt;!. وفي حين يحدد quot; لو كوربوزيـهquot; (1887-1965) Le Corbusier العمارة بانها quot;الفضاء المحصور الذي يؤدي وظيفة ماquot;، مؤكداً على حضور كلمة lt;الفضاءgt; في ذلك التعريف. وتعطي العمارة الاسلامية مدلولها الخاص لذلك المصطلح، بانه quot;السياقquot;، السياق البنائي الذي يشبه مجاوراته ومناخاته ايضاً. ويستعمل العرب كلمة quot;عمرانquot; مكافئاً لكلمة عمارة. بيد ان تلك الكلمة تأتي كفاعل احيانا وكصفة احيان آخرى. ويتحدث ابن خلدون (1332-1406) عن العمران بمعنى البيئة والمدينية.
لمـاذا هذا الاختلاف في تحديد المفهوم؟ لمـاذا هـذا التـباين؟ لمـاذا؟
-لان ظاهرة العمارة هي خليط منquot;علـم و فـنquot; في آن واحد. بمعنى آخر انها تجمع ما لا يمكـن جمعـه؛ انها الصيف والشتاء على السطـح الواحـد!. فمن يقينيـة العلم وماديته الى آفـاق التصور الواسعة المتخمة بها المخيلة الانسانية، تتجول العمارة ضمن هذا
التحديد، خالقةً بذلك نتاجها وامثـلتها. لكن قضية مصطلح العمارة لا يمكن له ان يظل هكذا معوٌماً او هلامياً. فالعقل البشرى ميٌـال الى التحديدات كي يسهل ادراك كنه وجوهـر الموضوع المثار؛ هذا فضلا من العمارة منتج حقيقي وملموس، مما حدا باحد مؤرخـي العمارة وهو quot;فيتروفيوسquot; Vitruvius، (الذي عاش في رومـا قبل الفي سنة تقريباً)، من الخروج والاهتداء الى تعريف العمارة كونها مزيجاً من دواعي lt;الوظيفيـةgt; وlt;الانشـاءgt; ، وlt;الجمـالgt;؛ وهو تعريف على الرغم من وسعه وربما تناقضـه، فانه يخدم بشكل وآخـر مفهوم ومعنى quot;العمارةquot;.
يزخر الخطاب المعماري الآن، كما في السابق، بدراسات وطروحات متنوعة، تدرس وتبحث في مفهوم العمارة، موفرة للمتلقيين اياً كانت نوعية ثقافتهم، متناً مقروءا يسهم في تشكيل فهم خاص لمعنى العمارة. ثمة كتب عديدة تخرجها المطابع سنوياً لمؤلفين كثر، تسعى وراء تفسير هذا المصطلح وتأويله. ومن ضمن الكتب الصادرة حديثا عن اشكاليات الموضوع اياه، كتاب quot;عمارة: العناصر، المواد، الاشكالquot; (2008) لمؤلفه quot;فرانجيسكا بريناquot; F. Prina عن دار نشرquot; برنستون انفريستي برسquot; Princeton University Press، وهو ترجمة لنفس الكتاب الذي صدر سابقا في الايطالية بذات السنة، ونشرته دار quot; موندادوري اليكتاquot; في ميلانو. انه كتاب ممتع. وقد جاء بقطع متوسط، وبـ 384 صفحة. وإبتغى الناشر في اصطفاء حجمه المميز، ليكون كتابا quot;جيبياًquot;، مناسبا للقراءة في اوضاع واحوال مختلفة. اذ يمكن مطالعته في اوقات الراحة في البيت او في المكتبة، في عربات المترو او القطار اثناء السفر، كما يمكن تصفحه على شاطئ البحر، مثلما في مقاهي الرصيف او اثناء زيارات حدائق وباركات المدن المختلفة. هذا فضلا على اعتباره كتابا مرجعياً لطلبة المدارس المعمارية والمهتمين في القراءات التنظيرية لتلك الفعالية الابداعية.
quot; يظل العمل الفني شأناً خاصاً بالفنان، lt; البيتgt; غير ذلك !quot; ؛ يستهل الكتاب بهذه المقولة العائدة الى quot;ادولف لوسquot;- المعمار النمساوي، الذي ذكرناه توا. ويشير المؤلف بان مغزي تلك المقولة، يمكن لها ان تكون بمثابة quot;خلاصةquot; افكار عديدة تعاطت مع العمل المعماري. ويزيد في المقدمة التى كتبها لكتابه، بان الغالبية من مشاهدي العمارة، هم الذين قد يكونوا ساكنيها، اومستخدميها او عابري
سبيل، وحتى quot;هداموهاquot; يتغاضون عن النواحي الدلالية للمنجز المعماري، الذي يتحدث بلغة quot;نحويةquot; متقنة ، متأسسة على تجميع تكويني للعناصر الانشائية والمواد والتقنية بغية خلق quot;بلاغة quot; المبنى.
يحتوي الكتاب على فصول متنوعة تنزع جميعها الى اضاءة المنتج المعماري. ويبدأ الكتاب في تناول quot; عُدّة المعمارquot; ثم يعرج على quot; الثبوتية والشكلquot; ومن ثم quot; المواد والتقنيةquot; ويمر على quot;العمارة والتزيينquot; وينتهي بـquot; مقارنة الروائعquot; وفي ختام كتابه ثمة معجم للمصطلحات الواردة في الكتاب بالاضافة الى جداول تصنيف المعلومات.
ينبني quot;معمارquot; الكتاب على فكرة عرض لوحات لمبانٍ مختلفة، يشكل وجودها وسائل ايضاحية لمفردات مضامين الكتاب. اذ إن كل فصل يتجزأ الى عناوين فرعية، تمتلك صورها الخاصة بها. وهذه الاخيرة تحتوي على خطوط تشير الى تفاصيل فيها، يسعى المؤلف الى شرح دورها واهميتها بنص كتابي مجاور للصورة. وثيمات الصور ليست حكراً على نماذج مباني العمارة الاوربية، كما اعتدنا ان نراها في غالبية الكتب التى تتناول تاريخ العمارة ونظريتها. فالمؤلف يحرص على تجاوز quot;مركزيتهquot; مدخلا في كتابه نماذجاً لمباني العمارة غير الاوربية، بضمنها نماذج العمارة الاسلامية. في الفصل الاول، نتعرف على شخصية المعمار، الهندسة الوصفية، المسقط وقياس المساحات المستوية، الواجهة والمقطع، الرسم المعماري، المشروع، المجسم، الاظهار، العمارة والهندسة، نظرية العمارة. اما في الفصل الثاني المكرس الى الثبوتية والشكل، نقرأ: الجدار، العمود، التاج، الطنف، المسند، الاكتاف، العقد، السقف، القبو، القبة، الواجهة، الرواق، الابواب، المداخل، الشبابيك، السلالم، المرقاة. وفي الفصل الثالث وهو خاص بالمواد والتقنيات، نتعرف على: الخشب، الحجر، الطين، الآجر، الخرسانة، الخرسانة المسلحة، الحديد والمزيج المعدني، الزجاج، العناصر الطبيعة، والمركبات الاصطناعية. وفي الفصل الثالث، ثمة مواضيع منها: الطلاء المعماري، التلوين، الجداريات، النحت، الفسيفساء، الخزف، الاعمال الخشبية، الاعمال المعدنية. واخيرا نتعرف في الفصل الرابع والاخير، على الروائع مثل، البارثينون، فيلا هارديان، ايا صوفيا، نوتردام، الباوهوس، مركز بومبيدو، متحف
غوينغهام، معبد آمون، مسجد شاه، معبد انغكور في كمبوديا، المدينة المحرمة في بكين، قصر كاتسورا المنفرد في كيوتو باليابان وغيرها من الروائع المعمارية المختارة.
ينطوي الكتاب على ميزة هامة تجعل قراءته قراءة مفتوحة، بمعنى ليس من ثمة ضرورة في تسلسل اجباري وتعاقبي للقراءة، فمواد الكتاب وان بدت ذات علاقة بعضها بالبعض الآخر، بيد انها تتيح للقارئ امكانية ان يطالعها من اية صفحة يرغب. فالكتاب يمكن قراءته من الاول الى الاخير، كما بالمستطاع تصفحه بدءاً من آخر صفحة نحو الاولى، ومن منتصفه باتجاه نهايته او رجوعا الى بدايته. فالمعلومة المعطاة متكاملة ومستقلة نوعا ما، كما انها ممتعة وغنية ومفيدة ومختصرة، والمهم انها تتسم بنفَسَ علمي ومهني.
يطمح المؤلف، وهو كاتب معروف في الشأن المعماري، ومختص بتاريخ العمارة، وله كتاب حاز على اهتمامات الوسط المهني بعنوان quot;الف عام من العمارة الاوربيةquot;، يطمح ان يمنح القارئ معلومات وافية تحت العناوين الفرعية المتنوعة والكثيرة للكتاب. ولكوني من اصول عراقية، فان ما يستهويني فيه، هو ما يخص الآجر- quot;الطابوقquot; بلغة العراقيين، والذي اعترف باني مفتون بخصائصه، واحرص على تتبع نماذج اعماله التى انجزتها الثقافات البنائية المختلفة على مدى العصور. فهذه المادة الانشائية الرائعة، الذي يعد quot;اختراعهاquot; احد المنجزات الانسانية المهمة، اوصل العراقيون، ولاسيما البابليون، اساليب استخداماتها وطرائق رصفها الى مستويات جد متقدمة، اتسمت دوما على التجديد والابتكار. ومابرح المهتمون من المهنيين يجدون في انجازات تلك الحضارة امكانات كثيرة ويتعلمون منها دروساً عديدة في كيفية تحقيق اساليب حذاقة العمل البنائي وطرق تراكيبه الانشائية. في الكتاب تحضر امثلة quot;طابوقيةquot; مشوقة لمباني عديدة تعود الى حضارات متنوعة. كما تحضر بالطبع بابل، عن طريق quot;باب عشتارquot;، لكن المؤلف يضع منجزها المعماري ضمن مفردة quot;المداخلquot;؛ وليس ضمن مفردة quot;الطابوقquot;.
ويظل الكتاب بنوعية طباعته الفاخرة، وصوره الملونة العديدة، وطريقة اخراجه، فضلا على ما احتواه من تنوع معلومات شديدة الثراء وكذلك طريقة تقديمها، يظل يعتبر من الكتب المثيرة للاهتمام، والتى جاهد مؤلفه لايجاد مفهوم خاص للعمارة، وسعى لتقديم أجوبة مقنعة عنها □□
د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون














التعليقات