الساعة الضوئية فوق كوميدي السرير تشير الى الثانية، تتوضح من الاطار المعدني معالم الوجه العسكري جامد النظرات والابتسامة..
يفتح العقيد الباب وهو يدندن لحنا فولكلوريا.. يدير مفتاح الضوء الزوجة العارية تغفو بدعة حالمة.. راسها فوق صدر الرجل الاسمر العاري المستلقي الى جانبها
.. يتبادلان النظرهو والرجل العاري.
يتقدم العقيد بملابسه العسكرية بخطى ثابتة هادئة صوب جدار الغرفة.. يمد ذراعه على طولها منتقيا من بين الاسلحة الاثرية المعلقة سامورايا يابانيا.. يرفعه من علاقته الحريرية المذهبة فتتلاصف صفحته الفولاذية الصقيلة.. يمسك قبضته بكفه الايمن..ينظر بخشوع اليه وهو يرتفع الى مستوى بصره.. يجس حدة حاشيته باصبعه.. يرفع رأسه ويتقدم بالسلاح المتلامع الثابت في كفه وعيناه مصوبتان الى جسد الرجل العاري المنكمش فوق السرير وكانه يخترق ذلك الجسد ببصره في البقعة التي سيخترق فيها نصل السيف العتيق طبقات الصدر المكشوف.
يقفز جسد الرجل الاسمر العاري الى الزواية المحاذية لرأس السرير الواسع، على حين ينقلب جسد المرأة اللدن البض الممتد في صحوة فزِعة فوق اغطية السرير الحريرية..ترتـّج العجيزة الممتلئة.. تنعقد الذراعان فوق الرأس المنكفيء و يصدر من الوجه المنحشر في الوسادة انين مختنق مرتجف مذعور.
يواصل العقيد تقدمه بثبات وعيناه تترصدان حركات الرجل العاري الذي قفز الى الزاوية نصف العاتمة من الغرفة.
بحركة سريعة مفاجئة تمتد ذراع الرجل العاري لتلتقط كرسيا قريبا.. يرتفع الكرسي ويصبح اداة دفاعية يهوش بها امام الرجل العسكري حامل الساموراي..
يلتف العقيد التفافة مفاجئة رافعا السيف الياباني عاليا بذراعه.. تتوسع حدقتاه وتلتمع بالانعكاسات الضوئية..يلتمع في الحدقتين برق متخاطف ويهدر رعيد صوت صارخ.. يوجه العقيد ضربة بالسيف الذي يدور بلحظة خاطفة لينزل من عليائه كنسر هاوٍ على فريسته.
.. يتطاير نثار شظايا من ارجل الكرسي المرفوع كالدرع.. يمتزج ضجيج الصرخة الهجومية بأزيز السيف المتحدر وقرقعة الخشب المتكسـّر.
.. الضربة التالية تنزل باستدارة ثانية للمهاجم وسيف الساموراي المرفوع في يده.. صرخة الهجوم هذه المرة اكثر عنفا.. ترن اصداء صوت المهاجم، وحفيف السيف، وقرقعة شظايا الخشب المتطاير من بقايا ارجل الكرسي المتكسرة..
يقفز الجسد العاري الاسمر بحركة يائسة ويقف لحظة منتصبا فوق السرير ممسكا ببقايا الكرسي المهشم كدرع متثلم.. يعبر جسد الانثى العاري الابيض المنكفيء الغائر بين الاغطية، ليصبح في طرف السرير الآخر القريب من باب المخدع.
يهرع الجسد الاسمر العاري عبر صالة الجلوس متوجها صوب باب الشقة.. يصطدم بمقعد واطيء، يتعثر ثم يسقط.. يتلقى الارض بكفيه.. يرتفع الجسد مستعينا بذراعيه ويتجه بهيكله المنثني فتبرز عجيزته المشدودة الى الخلف.. تتهدل خصيتاه ويتأرجح..
يفلح الجسد الاسمر العاري بوضعه هذا من الوصول الى رتاج الباب.. يفتحه بارتباك..قبل ان يستقيم الجسد من جديد تهوي الصفيحة الفولاذية فتصيب هذه المرة الكتف الايسر وتغور عميقا.. يسيح دفق دموي على الظهر المنحني وعلى رمانة الكتف..
.. تفتح الباب.. يمرق الجسد العاري الى المساحة المربعة الصغيرة امام باب الشقة.. يحاول ان يستقيم بجذعه مستعينا الامساك بكفه الايمن خشب افريز السلم.. يغور السيف من جديد.. الضربة تصيب الكتف الايمن هذه المرة.. يشخب الدفق الدموي على الجانب الايمن من الظهرو رمانة الكتف..
يسقط الجريح منهكاً على حافة العتبة الاخيرة من السلالم.
.. يحاول ان يستعيد قدراته وينهض.. يستند بكفيه على ارضية الفسحة الرباعية.. يرفع نصف جسده العلوي.. يرتفع الراس.
.. تمرق صفيحة السيف الفولاذية المتلامعة مرة ثالثة كبرق خاطف عبر الرقبة المرفوعة.
.. يتدحرج الرأس وينط ّ.. ينط..ينط ُ بشكل متناغم مع الدفق المتصاعد من نافورة الدم المندفع من جذمة الرقبة المجزوزة.
.. تك.. دنْ.. دُمْ.. تكْ..يتنطط الرأس المتحدر درجة، فدرجة، فدرجة، فدرجة..
يستقر الرأس بحدقتيه المتسعتين المفزوعتين على مربع التفافة السلم.. تتحرك الشفتان وتجمدان.
.. دن.. دن.. دن.. دن.. اتلمس رقبتي.. أنصتُ وعيناي المحملقتان تتجهان بجمود الى اعلى سقف الغرفة.. بقع وحلقات نور وردية تسبح في السقف.. ساعة صالة الجلوس تدق ضرباتها الاثني عشرة.
ادير رأسي الى اليمين.
أنظر بانبهار الى المرأة العارية التي تغفو بدعة على السرير لصقي فوق الاوراد المنثورة للاغطية الحريرية.
أميل فوقها واطبع قبلة رقيقة حذرة فوق خدها.
.. أعاود النظر من جديد الى الجدار المزخرف بالاسلحة الاثرية..
الساعة الضوئية تشير الى الثالثة والنصف، النظرة الشزراء من تحت حاشية القبعة العسكرية في الاطار المعدني تعكس الآن ملامح ساخرة متشفية..
يفتح باب المخدع..
يتسمر العقيد بقامته الفارهة المشدودة عند عتبة الباب وهو يحدق عبر ضياء مصباح السرير الجانبي الخافت الى الجسدين العاريين فوق اغطية السرير العريض.. عيناه تتسمران فوق مثلث الزغب الاشهب للانثى العارية التي راحت في اغفاءة عميقة ووجهها الساكن تنطبع على شفتيه المكتنزتين مخايل ابتسامة حالمة، تنتقل عيناه الى العضو الذكوري المرتخي الراقد على حاشية فخذي الايمن بقبعة الشعر الاسود الذي تعلوه..
.. يستمر في تحديقه المصعوق.
استدير بهدوء وانظر اليه بعيون خالية من التعبير.. تظل الملاءة المكوّرة فوق احدى قدميّ على وضعها دون حركة..
يستدير العقيد بوجهه صوب الحائط الذي يتلاشى فوقه الضوء الخافت المنسكب من مصباح السرير الجانبي.. تزداد العتمة في الزاوية القصوى.. تتلامع الاسلحة الاثرية المعلقة عليه بين خطوط ظلالها المرسومة بحدة في الجانب الآخر المواجه لمصدر النور
.. يتحرك بأناة صوب الحائط.
يمسك بمقبض الكرة الحديدية المسّودة ذات السلاسل فتهتز وتبرق مساميرها المتلامعة كانياب فهد جائع.. يرفع سلاح فرسان القرون الوسطى هذا عن الحائط فتهوي الكرة الحديدية الضخمة وتصخب سلاسلها قبل ان تستقر بثقلها متدلية بثبات.
.. يمسك مقبض صولجان السلاح بقوة اكثر فتنوس الكرة المسننة من نهاية القضيب الفولاذي الممتد كمشكاة عتيقة عاتمة مسوّدة بهباب قرون من الازمان الغابرة..
اسحب قدمي من فوق اغطية السرير..
.. انزل يسراها لارتكزبها على ارضية الغرفة.
.. اثناء رفع نصفي العلوي من على السرير، يتقدم العقيد خلالها خطوتين من الجانب الاخر متجهاً صوب الباب المشرع..
.. quot; انه يقطع عليّ خط الهروب! quot;
.. يقترب من الباب!
.. بحركة سريعة مفاجئة يرفع صولجان الكرة ذات الانياب السوداء ويهزها بحركة دائرية فوق رأسه.
.. تتوتر السلاسل ما بين الصولجان والكرة
.. تدور الكرة بشكل اسرع..
.. تصدر الكرة والسلاسل قرقعة وفحيحا عبر صفحة الهواء الممزق.
.. يزيد من سرعة تدويرها.. يزداد الفحيح.. تزداد القرقعة.
.. اقف الآن منتصبا على الجانب الاخر من السرير..راسي يهتز ويدور وجسمي ينزل و يعلو مع كل استدارة للسلاح الثقيل الدائر فوق راس العقيد.
.. ترتفع كفاي وتتباعدان.. يميل جسمي يمينا ويسارا اتقاءً للكرة التي ستطير باتجاهي..
.. يستدير العقيد نصف استدارة وهو على تدويره المتسارع للكرة والسلاسل والصولجان.
.. يصرخ صرخة حرب همجية وتنزل الكرة بارقة كشهاب متحدر من السماء.
.. ارفع ذراعاي واصالبهما فوق راسي مقرفصا على الارض بجانب السرير..
اسمع صوتا مكتوما كقرقعة صندوق خشبي فارغ يتهشم
.. احس برشة مطريـّة لزجة فوق جبهتي تغطي كفـّي ووجهي واجزاءً من رقبتي وصدري.
ترتفع عيناي من وضعي المقعي.. الشعر الاشقر لرأس الحسناء المهشم فوق الوسادة يختلط بكتلة هلامية بيضاء ذات تلافيف معقدة.. برك حمراء تنبض بدفق متواتر رتيب احمر.. الذراعان والساقان البضان الممتلئان تعروهما ارتجافات غير متناسقة فوضوية، على حين يهمد الصدر والبطن المخملية دون ادنى حركة.
.. تتوسع بقعة الدم على الملاءات البيضاء كما يتوسع حيوان الاميبا المنكمش..
بحركة لا واعية امد كفي لألمس الجسد اللدن الذي همدت حركة اطرافه.
اسمع فرقعة وفحيحا من جديد.
.. العقيد يتقدم والكرة تطير في حركة دائرية من سلاسلها المشدودة.
.. يتقدم و يلتف حول السرير الى الجهة الثانية حيث اقف شبه مصعوق.. يتقدم صوبي..
.. قبل ان يصل الى زاوية السرير المحاذية، وجدتني اطير قافزاً لاقف فوق السرير وساقاي تنفرجان فوق الجسد الهامد العاري.
.. من مكاني فوق السرير انظر الى خصمي المهاجم مترصدا حركته القادمة.
.. تطيرالكرة وتفحّ في الهواء ومع تناهي صليل السلاسل المتضاربة في طيرانها، أُقعي فوق السريرمن جديد فتلمس عجيزتي ثدييّ الجسد العاري البارد الرجراجين من تحتي.
.. بدني يقشعر.
.. تئز الكرة في طيرانها وتقرقع السلاسل.
.. زجاج يتكسر وشظايا صغيرة تنغرز في وجهي وعنقي..
يتمزق جسد ليدي هاملتون العاري المعلق فوق السرير ولا يبقى من غطائه الزجاجي إلا نتف صغيرة في زوايا الاطار الخشبي المتهشم.
انظر مصعوقا الى الجسد الورقي المجعد الممزق المعلق فوق رأسي.
..أقفز بيأس، لحظة واجد نفسي بعدها في الصالة الوسيعة.
.. ارفس برجلي الكنبة التي تعترضني.. أركض.. اصل الى رتاج الباب.. يا إلآهي انه لا ينفتح.. احاول مرة اخرى وغصة من اليأس تخنق زوري.. الحقير، النذل، المجرم، اللعين لاينفتح..اخيرا اكاد ابكي فرحا ًمن المحنة التي انفرجت.. ينفتح الرتاج.. اسحب الباب صوبي.. تبان فرجة صغيرة من الضوء الآتي من الخارج.. اسمع قرقعة هائلة فوق هامتي مباشرة وتتناثر شظايا الخشب مارة فوق راسي وترتد الباب المواربة لتصطفق بعنف منغلقة من حديد.. اشم رائحة الخشب الهندي.
.. الكرة الحديدية المسننة كانت قد تعدتني منغرزة في خشب الباب العتيق.. تقرقع سلاسلها ويرتطم صولجانها المتأرجح بعنف في صدغي الايمن.
.. صداع ودوار.
.. انظر الى الخلف بفزع.. العقيد بعينيه الجاحظتين، وشعر رأسه الكث المنتصب يقترب مني كزوبعة سوداء.. جسمي يستدير دون ارادتي.. اواجهه.
إهْ! إهْ!.. قدمي ترتفع فجأة وتندفع بعزم صوب بطنه المحزّمة بالنطاق العسكري العريض..
إخْ! إخْ! خذْ! خذ! جورت ببري نخال بودليست!!..
يسقط العقيد ويتلقى الارض بيسراه.. في الحال يرفع رأسه ونظرة غضبه الحارقة تخترقني.... يدفع جسده الى الاعلى بكفيه.
أقفز بفزع..
أنا في الساحة المربعة المضاءة الموصلة لابواب الشقق المتجاورة الثلاث..
احد الابواب مشرع.. يقف رجل مسن على عتبته مصعوقا امام مشهد جسدي العاري المجرّح الدامي.
.. امسك بحاشية سياج السلالم الهابطة.
.. يختـّض جسدي بزلزال ساحق.
.. استلقي على الارض هامدا وعيناي ترقبان بذهول ذراعي المبتورة التي لا تزال تتشبث كفها بحاشية السياج ويتهدل ساعدها وعضدها المهشم..شظايا العظام البارزة من نتف اللحم للذراع المهشمة تتقطر دماً.
.. الرجل المسن الذي يقف على حاشية عتبة الشقة المجاورة يتقيأ.
.. ارفع بصري المختض المشوش قليلاً لإرى الكرة السوداء ترتفع عن جسدي بنتف لحمية دامية.. تعود لتكبر وانيابها المشرعة تتضخم وتقترب.. لا استطيع حراكاً.. عيناي تنطبقان.
..السلاسل العملاقة تقطع الافق.. دومْ.. طاق.. طق،طق، دوب.
.. تدخل الكرة بكاملها قفصي الصدري.. تتدفق نافورة الدم.. فمي يمتلأ بسائل كثيف.. طعم الدم اللزج مالح، وزفرة السمك تملأ خياشيمي.
أتلمس صدري..اتنفس الصعداء.
انظر من مكاني فوق السرير الى حزم النور الخافتة العابرة للنافذة العريضة.. حزم النور تتقطع بنديف الثلج المنهمر بسكون.. جميل ان يتابع المرء جحيم الشتاء القطبي من جنته الدافئة.. من على اغطية السرير الحريرية.. من الجو المضمخ بالعطر والحب والشبق.. من جوار حورية بر ٍ عارية.. سمكة تتلاصف معالمها الطرية البيضاء الوردية من فوق زهور الاغطية المنثورة.. سمكة تسبح في مرج من الزهور.
أميل ببطء.. احتضن المرأة الغارقة في احلامها الشبقية البهيجة برقـّة.. اقبلُ مرج البطن المخملية عند نبع السرة.. يترجرج المرج.
اجلس متكئاً بظهري الى مسند السرير.. اتابع رصد الاسلحة المعلقة على الجدار بمواجهتي..
الساعة تشير الى الرابعة والربع، حدقتا الوجه بجانبي تهتزان، تتسعان، تخرجان من اطارهما المعدني..
يفتح العقيد الباب بعنف.
يقف في الانارة الوردية الضبابية الخافته في ملابسه العسكرية كشبح والد هاملت المغدور في صمته ودروعه.
يصوب الشبح العسكري نظرات جوفاء الى الزوجة والعشيق العاريين.. ينتفض بشدة.
.. ها هو يتقدم بخطى مجنونة سريعة.. يصل الى الحائط يلتقط طبراً مغوليا تزخرف صفحته الفولاذية المتلامعة تشكيلات زخرفية متداخلة سوداء.. مقبضه الخشبي ينتهي بسيور جلدية ملفوفة بشكل حلزوني وينتهي اسفله بسير جلدي عريض.. يدخل العقيد كفه بين السير الجلدي ويمسك بتصميم عنيف نهاية المقبض..
.. يعبر المسافة الفاصلة بينه وبين موقعي فوق السرير ببضع قفزات عريضة كلاعب كارتيه محترف..
يصرخ صرخة حرب مغولية شرسة.
تنطلق صرخة فزع من المرأة العارية فوق السرير.
.. قبل ان استعيد وعي من الحركة المفاجئة ومن صدى الصرختين تتسمر عيناي على ذراع العقيد المرفوعة.. ارى صفحتي الطبر تتلامعان كشريطي برق متحدّر..شرر عينيه الغاضبتين
تشلان حركتي.
.. صفيحة جمر وسيعة تشق هامتي.. تغور في ايمن الجبهة..
.. يتواصل السعير المنزلق، يخترق زاوية العين.
تندلق الكرة الزجاجية الرجراجة من محجري الايمن الفارق ببحيرة الدماء..
.. تلتف حدقة كرة العين السوداء المنزلقة، تعلق فوق خدي فتواجهني بنظرة تسائل خرساء.
أتمعن في حاشية نصل الطبر المنغرزة في رأسي وهي تبرز بزاوية متقوسة تحت منعقد الحاجب.
.. اتخيل حاشية الصفيحة الفولاذية العريضة الاخرى الخلفية وهي تبرز من وراء هامتي المفلوعة..
يقفز جسدي عاليا بحركة لا ارادية ويلتف ويسقط فوق الافرشة.
.. ينط ّ جسدي مرتين يتهاوى ويتكوّم بعدها فوق جسد المرأة الابيض العاري..جسدها مبقع بلطخات الدم المتطرطش من يافوخي المنفلع..
ينقطع الهلام الذي تعلق فيه عيني المندلقة..تسقط الحدقة الزجاجية مع خثرة دم كبيرة فوق بطن الانثى اللدنة الرجراجة.. تتدحرج كرة العين لتستقر فوق زغب العانة الاشقر.. تنطلق صرخة هلع بدائية من الانثى العارية.. يدفعني جسدها المنتفض بجنون ويلقي بي بعيدا.
اتدحرج على ارضية الغرفة من الجانب الاخر للسرير القريب من الباب.. انتفض كديك مذبوح مرة اخرى..
.. قفزة همجية فوضوية اخرى عبر باب الغرفة المشرع.. اسقط الآن متكوما فوق ارض الصالة.
..اقفز مستديرا في الهواء وملتويا لاسقط على طاولة الصالة المدورة.
.. تتهشم ارجل المنضدة.. اتدحرج بين مقعدين جلديين وثيرين.. امسك بطرف المقعد الذي يتخضب بكتل الدم نصف الخاثرة.
اللاوعي الغريزي يرميني بقفزة مرعوبة على باب الشقة.. ينفتح الرتاج.
اسقط على جنبي الايسر في المساحة المربعة لموزع الشقق الثلاث.
. انقلب على جانبي الايمن واهمد، الا من حركة تشنجية اخيرة قصيرة لاصابع قدمي ّ.. تتوسع حدقة عيني اليسرى المنفتحة على سعتها.
يقفز الجسد الساكن الدامي للمرة الاخيرة ويهمد من جديد.
تنطلق صرخة هلع.. يسقط الجار الذي كان يقف عند عتبة شقته متابعاً المشهد مغماً عليه.
.. لحظة صمت ثقيل.
يتقدم العقيد ببطء.. ينحني على جسدي الهامد.. يشد البلطة المغولية من مقبضها.. لا يفلح في انتزاعها من جمجمتي.. يعيد الكرة بكفيه معا وبذراعين متوترين.. يرمي بجسده المفتول الى الخلف وبصرخة إه،هه!! يفلح في سحب السلاح المنغرز في جمجمتي.. يكاد يسقط على ظهره من عزم السحب العنيف.. يتوازن اخيرا ويفلح في ان يقف منتصبا.
.. يمسح حاشية الطبر الدامية بمنديل يخرجه من جيب سترته.. ينظر اليّ وانا احملق بعيني اليسرى الغائمة المحتقنة بشعيرات شبكية حمراء وزرقاء برهة قبل ان يعود بهدوء وبخطوات قصيرة وئيدة الى غرفة النوم.. ينظر الى الانثى العارية المقرفصة الراجفة فوق السرير نظرة جانبية.. تزداد قرفصة الجسد العاري ويزداد ارتجافه.. يحيد ببصره عن السرير ويتقدم ليعيد الطبر المغولي الى مكانه بين الاسلحة المعلقة على الحائط.
عقربا الساعة يشيران الى الرابعة والنصف
اتلمس رأسي واعلى جبهتي وعيني اليمنى.
الضوء الخافت من مصباح جانب السرير يضفي خطوطاً وحواشي من الظلال على الجسد الممتليء العاري وعلى تفاصيل الوجه المسترخي بابتسامته الغامضة الوديعة وبالخصلات الشقراء المبعثرة على الجبين واقسام من الحاجبين.. تتهدل انسام الخصلات فوق الوسادة المنثورة بزنابق وردية وبنفسجية يزيد من جمال وغموض الجسد العاري الغارق في صوت الانفاس الهادئة المنغّمة والعطر الشفيف المندلق بين الظلال.
.. أسيحُ ببصري مبتدءاً من الاصابع الملونة اظفارها باللون الوردي الخفيف و التي تعلو القدمين الصغيرتين الطفوليتين بامتلاءتهما.. اصعد بأناة الى الساقين الرشيقين الاقرب الى القصر.. الى الفخذين باستدارتيهما اللدنة التي لا تترك فسحة بينهما غير خط غامق منتظم.. ساق الخط بين الفخذين المتلاصقين يرسم مع كأس الزغب الاشقر زهرة اللوتس.. الزهرة الشهباء تسبح تحت رجراج الحوض الفسيح والبطن المخملية.
ارتقي الى النافورة الصغيرة الغائر قعرها وسط هذا المرج الابيض.. الى القمرين المزهرين بالحلمتين اللذين يطلان من مرتفعهما على مروج السفح..
اميل واغمر وجهي برقة في السفح الرجراج.. تموء كالهرة النعسة.. تحتضن رأسي بكفيها وتجرّها الى تحت.. الى غرق اعمق.
.. عطر ربيعي يسكرني شذاه.
.. اقبل الزهرة العطرة.
* * *
كانت قاعة اعمال فروبل تسبح في زرقة لوحاته الحالمة بانارتها الخفيفة التي يصعب على المشاهد ان يكتشف مصادرها.
لم يكن في القاعة سواها، لمحتها من الطرف الآخر للقاعة.
.. معطف وقبعة صغيرة من فراء السمور على قامة هي الاقرب الى القصر.
كانت تقف في تأمل ذاهل امام احزان الشيطان المستوحش المعتزل فوق جبله بين ازرقاق السماء والافق البعيد المنفرج بخيط ارجواني من الغروب.
وقفتُ الى جانبها بسكون.. صامتا رحت أتأمل اللوحة الضخمة بعين، وبالعين الاخرى استرق البصر الى الوجه النوراني الحالم بجانبي..
- الا ترين ان الكون كله بالصخور العزلاء والفضاء اللامتناهي وزرقة الاعماق في السماء والافق، تغرق المشاهد في حزن هذا الديمون المستوحش ؟.. هذا الشيطان الذي يلعنه كل من في الكون من البشر عند كل محنة وفي كل موقف احمق يضع نفسه فيه.
..لقد استدر فروبل تعاطفنا معه، تعاطفنا مع أبليس و محنته في عزلة الرفض الازلية.
- هل تحسين بوحدته، بوحشته اللامتناهية؟
- نعم، نعم.. حتى البكاء، حتى البكاء!
بعد فترة صمت غير قصيرة قالت ذلك بصوت مرتجف خنقته العبرة.
يا إلآهي.. اي حزن ووحشة عند هذه الحسناء.. ولاحزن ابليس المنبوذ ذاته في اللوحة.
quot;.. مستوحد ياحسنائي انا مثله.. أنا في وحشة كبيرة كوحشته يا جميلتي!.. انا في عوز ممض الى رفقة ترفة كهذه.. quot;
لازمتها في التجوال البطيء في قاعات المتحف، ولم اعلـّق إلا على أهم اللوحات و بايجاز كبير وتجاوبا مع تعليقاتها في اغلب الاحيان.
quot;.. هذه المرأة في منتصف الثلاثينات، مترفة وعلى ثقافة جيدة، رومانسية ومستوحشة.
. اهي من الوسط الفني ؟، ام انها ابنة لدبلوماسي من بقايا الارستقراطية الروسية العتيقة..جاهزة هي كالثمرة الناضجة.. هي في لحظات ضعف الاستسلام السهل.. لا تكن احمق وتضيع فرصة من فرص العمر النادرة.. quot;
كان الجو باردا ومثلِجا في الازقة العتيقة المجاورة التي بدأ الظلام يلفـّها على عجل.
اقترحتُ عليها الجلوس في مقهى وبار انيق صغير كنت ارتاده منفردا او مع صيد جميل عابر، وكانت اجواءه الرومانسية غالبا ما ساعدتني على لف شباكي برقة واحكام.
لم يكن هنالك في المكان ذو الانارة الحالمة إلا انفار على موائد متباعدة.
توجهت بها الى ركني المنعزل المعتاد.
- قدح من الكونياك يبعد برد الجسد والروح ؟
اجابت بهزة موافقة من رأسها مع ابتسامة حزينة.
قدح، قدحان وفي الثالث ومع الحديث الذي بعث الكونياك فيه الدفء والخيال الخصب، تناولت كفها الصغيرة في راحتي بشكل عفوي وواصلت حديثي وعيناي تشاركاني كلماتي..
مرت ساعتان وبدأت ابتساماتها تزداد وضوحا ومرحا.
.. قبلت انامل كفها.. راحتها.
- هنالك اقتراحان، الاول أن نتناول عشاءنا في مطعم اربات، والثاني ان نزوغ من الموائد والجرسونات والزبائن الذين قد لا ترتاحين الى مظهر احدهم او نبرة صوته المرتفع فنذهب الى غرفتي.. ستجدين عدداً لا بأس به من اللوحات التي اريد رأيك فيها.. اضف الى انني طباخ ماهر.. ها ؟.. ما رأيك ؟
- هنالك اقتراح ثالث!
قالت ذلك مبتسمة ثم صمتت لفترة قصيرة وتابعت ْ:
.. أن نذهب الى شقتي فهي جميلة وواسعة وهنالك ما هو شبه جاهز ومُعـدّ ْ من العشاء ولا يحتاج الى مجهود كبير ليوضع على المائدة
quot;.. اقتراح ولا في الاحلام! quot;
دفعت الحساب وخرجنا وانا سكران لا من الاقداح الصغيرة الثلاث، ولكن من المفاجئة الاسطورية.
.. كنت اكثر ثقة الآن في ان اضمها الى جانبي بذراعي ونحن نسير.
في التاكسي الى منطقة سكناها، في بقعة سكنية انيقة قرب سفوح نهر موسكو الخضراء، ضممتها اليّ وقبلتها بحرارة شبقية..
..كانت استجابتها مشجعة.
صعدنا بمصعد العمارة الى شقتها في الدور الخامس.
حين كانت تـُعد مائدة الطعام، توجهتُ دون استئذان الى الحمام الانيق، لأخرج منه شبه عار إلا من برنص الحمام الذي تعمدت ان اتركه مفتوحا على سعته وانا اجلس الى المائدة.
.. كانت هي الآن ايضا في رداء نوم وردي بصدر مفتوح يكشف اجزاء ثرية من النهدين الصغيرين المكورين.
رشفنا قدحينا من الكونياك في الصالة على اريكة وسيعة.
عند باب المخدع اسقطتُ عنها رداءها الرقيق.. فاح من الغرفة عطر ( ليالي موسكو ).
.. الغرفة لا تنيرها إلا حزم خفيفة من اضواء منعكسة من المتنزه القريب تصل بعناء الى طابق العمارة الخامس.
كانت ظمئى يحرقها عط روحي وجسدي معا.
ولجتها ولم اتمالك من ان اطلق آهة طويلة نشوى، كنت كمن يغوص في قوقعة بحرية رجراجة، تأخذني الى اعماق سحرية لا قرار لها.. لم اكن اريد ان اصل الى قرار القاع ولا سماء ذروة اللذة، كنت اتعمد أن اطيل غوصي اعمق، واعمق، اعمق واطول.. كنت اطيل غرقي في اللجة.
.. بدأت امواجها ترتفع.. صخب الزوبعة القادمة في جسدها وروحها يلفني بتياراته.. كنت بجسدي وروحي وخيالاتي الجامحة اكتشف وانا اغوص، كل مجاهل اعماق القوقعة الرحمية
.. كنت اعود الى رحم الخليقة.
افقت من موجات نشوتي لاجدها تنتحب وتغصّ بعبرات مكتومة.
. اخذتْ تضحك بخفوت.. كركرة جذلها تعلو.. كركرة جذلها تصخب.
.. احاطتني بقوة وحشية بدائية وضمتني الى صدرها الناضح بالعرق المعطر..
- تي ميلي موي.. تي ردنوي!
اتاني صوتها الخافت المختنق بعبرة النشوة.
أضأتُ المصباح فوق منضدة السرير المجاورة.. اوشحة الضوء الوردي غمرت الغرفة.
.. ادير رأسي واتأملها من جديد..
.. لقد خرجت حسنائي لتوها من قماش لوحة لروبنس..
مساحات لامعة وردية مكتنزة وظلال بنفسجية عاتمة بين تضاريس الجسد الممتد باسترخاء وليونة فوق ازهار وزنابق منثورة من اغطية السرير الحريرية المكوّرة..
- هل عندك سجائر في الغرفة؟
اجابتني بهزة راس كسولة واشارة من اصبع كفها الايسر الى الكومدينو الذي بجانبي.
نظرتْ اليّ بعينين ذابلتين منتشيتين، دبّ فيهما تعب رحلة المتعة التي لا زالت موجاتها تظهر فوق الشفتين المبتسمتين بخدر..
اطبقتْ اجفانها بكسل وراحت انفاسها تعلو مع ارتفاعات صدرها المتعرق، في حين ظلت الابتسامة الكليلة تبان فوق شفتيها.
بقيتُ لحظة سارحا في الصورة الميثولجية الحية امامي قبل ان استدير لابحث عن علبة السجائر في درج منضدة السرير الجانبية.
جابهتني صورة فوتغرافية باطار معدني انيق
.. اطلّ َ على وجه عريض بعينين وسيعتين من تحت قبعة عسكرية مزينة الحوافي، بسترة تحمل نجوم عقيد كبيرة فوق الكتافتين.. اوسمة واشرطة خدمة ملونة فوق الصدر العريض..
لحظة تأمل قصيرة للصورة ثم..
.. quot; ما علينا.. هي صورة ابيها قبل سنين! quot;
وجدتُ اخيرا علبة سجائر اجنبية فاخرة مع ولاعة رونسن في جرار الكوميدي.
.. حين رفعت رأسي مولعا سيجارتي، جابهني جدار الغرفة الذي امامي..
.. الجدار يكتض بانواع الاسلحة الاثرية لبلدان عديدة..
بعض الاسلحة المعلقة كانت حديثة الصنع.
.. سيوف يابانية ومغولية وصينية وهندية.. دروع من الفولاذ والحديد العتيق المسوّد واخرى من الجلود الغليظة.. رماح افريقية واخرى من قرون اوربية وسطى.. سهام البوشمان والتوتسي و الزولو.. كرات ضخمة مسننة بصولجاناتها ذات السلاسل الثقيلة.. خوذ وصدارات مزردة..
اخذت امسح متحف الاسلحة هذا ببصري من زاوبة الجدار البعيدة العاتمة الى الاجزاء المواجهة لي تماما.
.. من وراء احزمة دخان سيجارتي، رحت في سياحة غرائبية في مجاهل الغابات الافريقية وصحاري استراليا وقلاع الهند وسهوب منغوليا. ها انا الآن مقاتل ابدل دروعي واسلحتي وانا امسح بعينيّ متحف الاسلحة المعلقة فوق الحائط المواجه..
- اولعْ لي سيجارة من فضلك!
التفت صوبها كانت قد استندت بظهرها على خلفية السرير وعيونها لا تزال غائمة بنظرة الى مجهول يمتد بعيدا وراء تفاصيل جدار الاسلحة الذي تصوب نظرها عليه..
- ها قد افقتِ يا عزيزتي.. لم تطلْ اغفاءتكِ كثيرا.
- لم تكن اغفاءة يا حبيبي،لقد كان ذلك غرقا ً وتيها في ضباب و محيطات عوالم النشوة.
اولعتُ سيجارة ووضعتها في فمها بعد ان طبعت على شفتيها قبلة سريعة.
- صورة من هذه؟ مشيرا ً بالتفاتة من راسي صوب منضدة السرير القريبة مني.
- انه ايفان زوجي.
قالتها بهدوء متراخ متعب، ونفثتْ دخان سيجارتها ببطء.
- ومنذ متى وانتما منفصلان.
- لسنا منفصلين.
- ولكن معذرة لسؤال قد يحرك اشجانك، هل فقدتيه في حادثة او مرض ؟.
- كلا انه حي و في صحة و متانة ثور استرالي.
- لابد وانه مسافر إذاً الى بلد بعيد في مهمة عسكرية طويلة.
- كلا ابدا.. هو في استانكنا في وحدة الدروع هناك، هو قائد كتيبة للدبابات
quot; استانكينا.. اي نصف ساعة الى عش غرامنا هذا.. quot;
- ياتي اليكِ في ايام العطل، او ربما في ايام محددة من الاسبوع.
- ليس تماما، ايام معدودة يُستدعى الى هناك ليلا لضروف طارئة واخرى حين تكون له نوبة دورية ليلية.
كانت اجاباتها مختصرة لم تتبدل نبرة صوتها فيها لا إلى استغراب ولا إلى مفاجئة حتى ولم تظهر اية رنة حذر فيها.
..كانت تدلي بتفاصيل عادية تماما.. مجرد حديث استرخاء منتشي مع سيجارة.
تمالكت نفسي من ان يظهر اي تبدل في نبرات صوتي او جلستي المسترخية مع المعلومات الاخيرة حول معسكر وحدته القريبة.
- لابد وانه يسرع اليك احيانا، قادما لسويعات دافئة ليلية معك في الشقة، حين تخنقه كآبة الفراغ وروتين بعض الاعمال الصغيرة الليلية التي يمكن ان يكلف بها من هو اصغر رتبة منه للقيام بها.
- نعم يحصل ذلك بين حين وآخر.
quot;..هل تختبر هذه الحورية النزقة اللعينة قوة اعصابي وشجاعتي.. او لنقل مدى حجم تهوري واستعدادي للمغامرة.. ما مدى صحة ما تقول.. كيف لي ان اتأكد دون ان اهز مظهري الصلب المندفع امامها.. وهل..، و.. ؟.. quot;
عاد بصري بشكل لا ارادي الى الاسلحة الاثرية المعلقة على الجدار.. تفاصيل الاسلحة واجزاءها بدت اكثر وضوحا، طولها، ثقلها، حدة حواشيها، مدى امكانية وسهولة اصابة اهدافها، فيما لو قـُذفت عن بعد بضعة امتار.. طرق تحاشيها او درئها..
احسست به ينتعض من جديد.. متوترا حتى الالم.. دف لذيذ يبدأ يلفني سارياً من اسفل حوضي وحتى شعيرات رأسي التي احسستها تلتهب وتنتعض هي ايضا.
.. وجهي شعلة من لهب.. إثارة الموقف الخطر ؟
دون ان اطفأ المصباح الجانبي القريب.. ملتُ تجاهها بشكل مفاجيء لم تكن تتوقعه.
امسكت بكتفيها ونظرتُ الي وجهها المتورد و عينيها العسليتين بامعان.. تاه بصري في اعماقها عبر النافذتين العاتمتين المدورتين وسط البحيرتين العسليتين، كنت كمن ينوِم شخصا مغناطيسيا، وهو نفسه غائر في لجته العميقة.. سحبتها بعنف تجاهي..
كان دخولي الجديد اقتحاما هائجا احاول فيه كسر كل حصون، كل دفاعات، كل متاريس المرأة رغم انفتاح كل بوابات الجسد المستسلم، المنفعل، المتجاوب، المطالب بالعنف الاكبر، ورغم الروح التي بدأت تضيع في دوامات فوضى الحركات العنيفة التي تهز اركانها.
. كانت نداءاتها الصارخة مناشـَدةًً، واسترحاماً، وتحدياً، وفورة غضب، لجوع دهور من الحرمان والترقب.. اصداء من إثم الخليقة الاولى ورغبات انثى الكهوف والبراري وصخب العشق الواعي للمرأة المتمدنة ودعارة نسوة الحارات المنزوية المظلمة.
.. كان طول الالتحام وعنفه سبباً في اغفاءتها المنهكة المهزومة التي لم تسمح لها حتى بامتداد نحيب مكتوم او ضمة عرفان او كلمات عشق للـّذة الصاخبة التي بدأت تضمحل و تنسحب.
.. لحظات وكان صوت شخيرها الضعيف يتصاعد وهي تضع رأسها بشعره المنفلت على صدري المبلل بالعرق.
املتها واعدتها بهدوء الى وسادتها برقة ام تضع طفلها وهو يروح في اغفاءة سعيدة بعد رضاعة هنية عامرة من صدرها..
رتبت الوسادة ليرتاح الرأس الذي بدأ وجهه بالذبول.
وضعت روب الحمام الملقى على ارض الغرفة فوق كتفي ّ وانسللت بحذر الى الصالة العاتمة الا من ضوء المتنزه القريب.
.. درست وضعية المقاعد والطاولة الوسطية.
.. بحثت بعيني ّ عما يصلح تناوله بسرعة واستعماله كآلة دفاعية عند وقوع الخطر المقـدّر.
. لم اجد شيئا يسهل امساكه والتشبث به كسلاح دفاعي غير مصباح الزاوية ذو العمود المعدني والقاعدة العريضة.
.. درست المسافات اليه من كل زوايا الصالة.
تأملت واعدت دراسة الموقع ببطء واناة.
حين فتحت باب الشرفة وخرجت وأنا نصف عار ٍ لادرس الشرفة وابعادها.. جابهني برد قارس.. لففت البرنص اكثر حول جسدي.
.. الشرفة ضيقة لا مجال للمناورة فيها، وشرفة الشقة المجاورة تبعد اكثر من مترين عنها.. هززت رأسي
quot;.. لاخلاص يرجى quot;.
.. اطللت من سياج الشرفة الحديدي.
.. ممشى كونكريتي يلتف حول قاعدة العمارة..
اطلالتي عليه من موقعي في الطابق الخامس تصيبني بالدوار.
.. اسقط بصرخة مكتومة.. انقلب في الهواء اثناء سقوطي دون ارادة مني بحكم اثقل نقطة في الجسد.. عيناي تنطان من محجريهما بفعل السرعة المتزايدة وفق قانون التعجيل في الاجسام الساقطة.. احشاءي تندفع الى صدري..صدري المكبوس بثقل السقوط المتسارع يخنق زوري.. يندلق لساني..
.. دوم،دب، طق طوق..
يتلقى رأسي الضربة الكونكريتية الساحقة..
يتناثر هلام ابيض دامي من القحف المهشم..
ارفع بصري عن اسفل الشرفة على عجل، والفّ برنص الحمام، المنفلت من الفزع، على جسدي من جديد.. اغلق باب الشرفة وراءي بعد دخولي الصالة.
.. ينزلق جسدي فوق احد المقاعد الجلدية الوثيرة.. يضيع بصري في عتمة الممر الضيق الصغير ما بين الصالة والمطبخ المؤدي الى المدخل، اظل احدق في الظلمة دون ان ارى شيئا او أُلقي من مخيلتي عليها شيئا
.. يبدو انني افقت من اغفاءة قصيرة على صوت مفتاح يدور في باب الصالة.. اقف منتصبا.. ينزلق حزام روب الحمام.. تتباعد حاشيتاه كاشفة مقطعاً طولياً من صدري وبطني وفخذي وما بينهما.
.. ينتصب عضوي من توتر الموقف..
يدخل العقيد ويرفع قبعته العسكرية المجللة بنديف الثلج.. يضربها بكفه الاخرى فتتساقط نتف الثلج ببطء وتتطاير مع ضوء الممر والصالة التي ادار مفتاح انارتها.. يعلق بصري بالنديف الثلجي المتطاير من قبعته.
.. يزيح العقيد معطفه عن كتفيه.. اتابع حركة المعطف.. ارى المسدس الضخم في قرابه معلقا باحكام الى الجهة اليسرى من الحزام الجلدي العريض الاسود..
يرفع العقيد بصره ببطء.. ارفع بصري الى مستوى بصره.
.. يقف مبهوتاً بهلع واستغراب يحملق في عضوي المنتصب.. يتهدل فكه
..ارفع بصري الى مستوى وجهه الممدود.. تتطاول رقبتي وتنحني لتلتقي نظراتنا في مستوى واحد.. تصطدم ببعضها.. يحتقن وجه العقيد.. يطبق فكيه باحكام وزمجرة.. اسمع صرير اسنانه تجرش بعضها بعضا.
يتقدم خطوة داخل الصالة ويلتف على نفسه بنصف جسده العلوي بحزم وبحركة مدربة مدروسة، واضعا يده على المسدس الذي اخرجه من حافظته بسرعةِ رماةِ رعاة البقر التكساسيين.
.. انها ارادة الحياة الكامنة الواعية المتحفزة.
يا لارادة البقاء!
.. بنفس سرعة اخراجه للمسدس الضخم كنت قد نضوتُ روب الحمام.. كوّرته في يدي.. طارت هذه الكتلة الفوضوية من الرداء تجاه وجهه.
..في اللحظة التي كان العقيد يتقي فيها اصطدام كتلة البرنص المكوّر بوجهه، انحرفتْ يده التي تحمل السلاح عن هدفها.
.. الطلقة، التي ظل صداها المعدني يدوي في اذنيّ، هشمت مصباح الزاوية العمودي.
بدفعةٍ يائسة مستميتة من كتفي الايمن القي به على الارض وانا اقفز واعدو مارا الى جواره صوب الباب..سقط في مدخل المطبخ.
.. ترامى اليّ صوت آنية تتهشم..
اصبحتُ اواجه الباب.. استعصى على رتاجه وانا احاول فتحه بارتباك وعجلة..
- عليك اللعنة!.. جورت ببري!.. تي نخال!.. اثرّتْ الشتائم اخيرا على الرتاج فانفتح الباب.
عاريا انطلقت كالعاصفة المزمجرة الى الموزع امام الشقق الثلاث..
- يا للهول.. يا إلاهي.. تي شتو غوسبيدي بوجي موي!!
كانت صرخة فزع تلك التي اطلقتها ساكنة الشقة المجاورة الواقفة على عتبة دارها.
.. قفزتُ كل الدرجات الستْ الاولى ليرتجّ جسدي بعنف من اثر الارتطام فوق مربع التفاف السلم.
.. امسكت بحركة لا واعية بعضوي وخصيتيّ التي اهتزت بعنف حتى كادت أن تنخلع..
لا اعلم كم من القفزات الكبيرة اكملت في انحداري كي اصل الى باب العمارة.
عند باب العمارة التفتُ خلفي.. السلـّم ذو الانارة الخافتة خالٍ تماما.. لا صوت لأقدام تتسارع هابطة على درجاته.. لا صوت اصلا غير الوجيب الذي يضج به صدري كقطار متسارع غلى سكة قديمة صدئة..
فتحت الباب وخرجت.
.. كان نديف الثلج دافئا وهو ينزل برحمة واناة فوق جسدي العاري.
الساعة تشير الى الخامسة والربع..
افقت من اغفاءتي القصيرة فوق المقعد الجلدي.. نهضتُ وتمصّرتُ قبل ان اعود بهدوء الى غرفة النوم..
كان ملاكي العاري الجميل على نفس سكون جسده المرتخي فوق الملاءات الحريرية المورّدة.. وقفتُ عند رأس السرير.. ساحَ بصري ببطء في مساره المتعبد، من اصابع القدم الوردية، عبر كل الهضاب والوديان والاخاديد التي يرسمها الضوء الخافت،الى القمرين المشرفين من الربوتين اللتان تعلوان وتهبطان في نََـفـَسٍ عطرٍ منغـّم، الى الوجه الوادع بالرضى تحت موجات لفائف الشعر المنفرط.
ملتُ على وجهها طابعا قبلة رقيقة، قبل ان استلقي الى جانبها واروح في اغفاءة عميقة.
حين فتحت عينيّ كان ضياء صباح شتائي خجول قد عبر نافذة الغرفة.
.. تابع بصري من جديد تاريخ حروب البشرية وادواتها المعلقة فوق الحائط المواجه للضوء امامي.
سمعت قرقعة صحون وادوات معدنية قادمة من المطبخ..
التفت براسي الى يميني.. كانت لا تزال غارقة في اغفاءتها الوادعة، جسدها اللدن المكتنز شعـّت انواره واخذت روابيه تلصف في نور سحري..سِـحتُ مرة اخرى في معالم الكون الذي أكتشفهُ بانبهار مرة اخرى
.. وقعُ خطوات تقترب من الصالة، يعود وقعُ الاقدام مرة اخرى ويخفت عند فسحة الطعام في المطبخ.. لحظة لا تطول ويعود صوت الاقدام يتصاعد مقتربا من الصالة.
احتضنتها قاصدا ايقاظها بلطف.
فتحتْ عينيها وقالت بصوت مرح:
- تي ميلي موي!.. طبعتْ قبلة رخية على شفتيّ.. صباح الخير يا حبيبي.
إنفتح باب غرفة النوم بهدوء.. أطل وجه الصورة المؤطرة دون قبعته العسكرية.. برز جزء من قميصه العسكري وهو يمد راسه وصدره مبتسما ابتسامة رقيقة مصوبة الى وجه ملاكي العاري المسترخي.. الى زوجته.
.. تتمصّر هي بغنج قبل ان ترد ابتسامته بجذل:
- تي ميلي موي!، صباح الخير يا حبيبي، لقد حضرت باكرا هذه المرة.. آسفة كنتُ منهكة ليلة امس
- لم ارد ازعاجكما، انتظرتُ حتى تصحوان.. كل شيء جاهز للافطار. اجاب العقيد من عتبة الباب.
قفزتْ حسنائي من السرير بنشاط ومرح لتقف امامه بعريها لحظة وهي تبتسم.. مشت بخدر اليه.. احاطتْ رقبته بذراعيها.. مرّغت وجهها كقطة نعسة بوجهه.. نظرتْ بامعان ووله الى عينيه..
- مممم مه! طبعتْ قبلة شديدة مفاجئة على شفتيه.. تناولتْ روبها الحريري المكوّر عند حافة السرير وارتدته واعادتْ تعلقها برقبته.
.. ادارتْ وجهها الى السرير صوبي وابتسمت قبل ان تتجه معه صوب المطبخ.
بقيت مسترخيا اتأمل بقع الضوء المنعكسة من القطع الفولاذية المعلقة على الجدار والمتراقصة على السقف الذي تاه فيه بصري.. اسلحة البشرية في تأريخ معاركها، معاركها الشرسة المسعورة.. توسعت ابتسامتي الباهته شيئا فشيئا، لتنفرج عن اخرى عريضة، ثم لتتحول الى ضحكة خفيفة مرحة.
حين توجهت الى الصالة لارتدي ملابسي الملقاة باهمال على المقاعد هناك، تناهتْ الى اسماعي اصوات حديث هاديء مصحوب بكركرات ضحك خفيفة آتية من المطبخ تعقبها لحظات صمت.
.. لابد انه يحتضنهاالآن بحرارة!
- هل اعد لك بيضا مقليا مع النقانق ؟
سألني ايفان وهو ينظر اليّ مبتسما وهو ينهض من على كرسيه بالقرب من زوجته.
- هذا لطف كبير منك.. حبذا لو كان بيضا مع الطماطم المقلية.. نصف قلي رجاء!
امسكتْ هي بكفي ورفعتها ببطء.. قلبتها وقبلت راحتها.
ملتُ عليها وطبعتُ قبلة رقيقة فوق خدها.
اثناء تناولنا الافطار كان ايفان هو من يصب الشاي في الاقداح، هو من يضيف الحليب،هو من يقدم السكر، هومن يحمص شرائح الخبز.. هو من يدير دفة الحديث.
- هل تعلم يا صاحبي اني رغم جولات عملي العديدة لبلدان مختلفة، لم تسنح لي فرصة ان احقق زيارات للبلدان العربية..ان اشاهد بابل، ان اجلس تحت اعمدة الجامع الكبير في القيروان، ان اتمشى على كورنيش النيل في القاهرة وانا آكل الذرة المشوية مثلما اراه في الافلام المصرية.. ان اجلس في اروقة الازهر، أن ارفع بصري عاليا مع منائر جامع ابن طولون.
.. وخان الخليلي ياصديقي!.. يا لخان الخليلي!، كم سمعتُ عنه من اصدقاء زاروه وجلبوا معهم غرائب التحف المصرية.. هل تعلم ان اغلى امنية لي هو أن اضيف الى مجموعتي درعا ً وسيفا ً من اسلحة المماليك
.. لا رحلة متوقعة لي الى مصر، فقد ساءت العلاقات بيننا في الفترة الاخيرة للأسف.
- يا للصدفة العجيبة يا ايفان! اني مسافر في رحلة قصيرة بعد اسبوعين الى القاهرة.. الامكنة التي تحدثت عنها هناك هي اماكني المحببة.. العتبة والازهر والازقة المحيطة به واسواق خان الخليلي ومقاهيه هي التي اقضي فيها معظم وقتي عندما ازور القاهرة. عقـّبتُ انا على كلامه.
كانت تجلس بيننا وهي تنصت باستمتاع،.. روبها الحريري مندلع.. مساحات من حدائق جسدها تزهو وتنكشف.. ابتسامة سعادة غامرة على وجهها.. تمسك بكفينا بين حين وآخر وتهصرهما برقة.
.. اخالس النظر بين فقرة حديث واخرى الى الاجزاء الباهرة الثراء الظاهرة من الثديين، ثم ينزل بصري الى فسحة النور حين تتراءى حواشي من الرابية الغضة بمرجها الزغبي الاشقر.
- سابحث ُ في زوايا القاهرة القديمة عما اردت يا إيفان!
كررت تاكيدي لايفان وانا اربت على كتفه بمودة صميمية.
لم اطل المكوث بعد الافطار.. كنت اعرف ان عليه العودة الى معسكره بعد خلوة شبقة اكيدة مع زوجته.
حين استأذنت بالانصراف، وقبل وصولي الى الباب، احاطت عنقي بذراعيها.
.. انزلتُ بصري لارى للمرة الاخيرة ما بان بصعوبة بين حاشيتي الروب الحريري المندلع.. لحظة لم تطل ورفعتُ رأسي لتطبع على شفتيّ قبلة وآلهة طويلة.
فتحتُ الباب وخرجت الى المساحة المربعة بين الشقق.
.. خرجا ورائي متحاضنين الى الفسحة.
- صباح الخير جارتنا العزيزة..
القيا بتحيتهما على الجارة التي كانت تقف مبتسمة على عتبة دارها.
اثناء هبوطي درجات السلم بشكل حالم متأنٍ، التفتّ ُ رافعا رأسي لاجدهما يرمقان نزولي بابتسامة وكل يحيط خصر الآخر بذراعه.
حين قطعت مسافة غير قليلة من السلم، سمعت صوت ايفان ورائي:
- لا تنس يا صديق ما وعدتني به!.. درع المماليك والسيف!!.











التعليقات