قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محسن الذهبي من لندن: تنطلق الفنانة التشكيلية العراقية (زينة المظفر) المقيمة في كندا منذ سنوات في اعمالها من منطق الرؤى المغايرة فى التعبير عن الواقع الفعلي. اي بتعبير أدق هي تتناول مفردتي الغابة و المرأة بصفتهما منطلقا جمالياً قادراً على تمثيل الواقع، فهي اذ تجسدهما كمترادفتين او كمرآة تعكس الواقع وتدل عليه، مجسدتا بذلك للوعي النظري الذي تتميز به كفنانة وانسانه ومبدعه ولتعكسه على الواقع. فسلسلة أعمالها الاخيرة (سيدات الفصول) دائما ما تركز على تأكيد الوعي الجمالي الرمزي المرتبط بتلك المعاني لذا نراها تحاول ان تغوص في اعماق هموم المرأة، ليحمل الشكل المجرد ndash; المرأة والغابة - دلالات رمزية تؤثر في المشاعر العاطفية من خلال حيوية الفعل التشكيلي في محاولة لانتزاع فضاءات أوسع لحرية التعبير.
وتأسيسا على هذه فهي تحاول الاشتغال على الرؤية المرتبطة بالذاكرة الانسانية والمكان بوصفه يحمل طابعا جذريا بعيدا عن النظرة الحيادية فتحملة اشراقاتها وحنينها وبحثها الدائم عن مكان ما مفتقد الا في مخيلتها، ان الفنانة (زينة المظفر) والمولودة في البصرة جنوب العراق، والحاصلة على بكلوريوس الفنون التشكيلية من اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1999 تنصرف على الدوام نحو ذاتها أولا فالاغتراب الذي تعيشه من سنوات بعيده عن الوطن يجعلها تنتقل الى تصوير وتجسيد الشكل الانثوي فتنقلب الوانها الى القتامه واللون الواحد المتقد أو المحايد احيانا كي تجسد الحزن الموغل في الذاكرة وتأخذ الاشكال بعدا تامليا حزينا بل غاضبا احيانا لنساء في اشكال تصويرية تستفز المتلقي، فيقوم اللون بالتعبير عندها بتحقيق العوامل الجمالية، ومن المؤكد ان الجمال في حد ذاته قد يبدو نسبيا فهي تمتلك رؤية فنية خاصة يبرز فيها دور الذاكرة في التصوير. أن العمل الفني عنده الفنانة (زينة المظفر) يمر بعدد من المراحل، أولها مرحلة الانفعال الداخلي وقد يبدوا حادا او على شكل مكابدات او ربما هو انثيالات للذاكرة - كما اسلفنا - وبعدها ياتي دور الرغبة في تحقيق التشكيل، ثم مرحلة تنفيذ ورسم الفكرة، التي تكونت في ذهنها وتصوراتها كشكل أثيري أمامها تنفذها على سطح اللوحة و هنا نجد الانفعال الواضح في اخراج اللوحة عبر خصوصية اللون وتفرد شخصانية الاشكال بل حتى في الايقاع وشدة الاضاءة وقد يصل التوتر لخشونة ضربة الفرشاة ونعومتها، وهذا ماتحاول الفنانة التعبير عنه عبر العديد من المشاركات ابتداء من معرضها الشخصي الاول على اروقة معهد الفنون الجميلة عام1992 مرورا بمعرضها (حوار الطبيعة ) بمركز الفنون ببغداد 1999 ومساهمتها في معارض مشتركة عديدة في كل من العراق، عمان، كندا، امريكا والفوز بجائزة فنية لتصميم نفذ في كندا 2009.

انها تمنح اللون بعدا أساسيا في تطوير الشكل الفني والمضمون، وكأنها تعيد صياغة النور باطفاء إشراقات الألوان في ضوء حركة داخلية احيانا. مما يعطي الانطباع بأنها تحاول ان تخرجها من طور الكمون إلى طور الفعل، للتعبير عن حالة لا مرئية مطبوعة بداخل النفس البشرية ففي اعمالها يتشابك العقلي بالجسدي، والمادي بالرمزي رغم بحثها الدائم عن نوع من التوازن الشكلي لكننا نحس انها تحاول جاهده الى تدمير الصورة التقليدية عبر محاولة الغور في اكتشاف ماهو مغيب او ما لم يصرح به، فالفن عندها يعبر عن الصدمة والحدث عبر رؤية مباشرة أو غير مباشرة للاشياء رغم انها اعتمدت على عناصر الواقعية الشكلية لكن اسلوبها يجنح نحو الخيال مما يمنحها حرية واسعة في الجموح واعادة تشكيل المشخصات وفق تأثير منطق العقل الباطن مع انها لا تنحو الى التشوية المتعمد للاشكال لكنها تبرز شراسة واضحة لملامح الوجوه ونسب الاجسام. أنها تعلن انتقادها الصريح لكل ما يواجه المرأة من ظلم و حيف فهي تجعل من سلسلة الالوان في الطبيعة وفيض من غابات حالمه متشابكه تضج بالوان زاهية شفافة معادل موضوعي ووجه اخر لجمالية المرأة، وكأنها تنقلنا بين قطبي التناقض، الواقع بكل ما فيه من انكسارات وبين امانيها بخلق عالم اكثر شفافية ونقاء.
ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا
[email protected]