nbsp;عبد القادر الجنابي من باريس: وأخيرا أتيحت لنا فرصة الإطلاع على quot;ممالكquot; مؤيد الراوي الشعرية. كان كل من يعرفه عن قرب، يتمنى أن يصدر هذا الديوان قبل سنوات طويلة. فالحديث مع الراوي كان، في أغلب الأوقات، يدور بشكل أو آخر، عن تجميع قصائده المشتتة بين أوراقه وفي مجلات وجرائد، في ديوان يحقق فيه تناغما بين المضمون والشكل. وها هو الديوان غنيٌّ، بلا شك، بتجربة شعرية طويلة، لكن للأسف لم يحظ بالشكل الهندسي المطلوب. فراحت القصائد تبدو وكأنها عادياتٌ نادرة مكدسة في سرداب. وهذا هو الخوف عينه الذي كان يشعر به الراوي عندما رضي، على مضض، أن يقوم quot;الجملquot; بطباعته التي تأخرت سنتين. فقصيدة quot;جليل القيسي، حارس المدينةquot;، مثلا، وضعت إشارة التعريف (1) بعد جليل وليس بعد القيسي وفي العنوان!!! وقصيدة جان دمو، فشكلها المعتمد على إيقاع عضوي يحتاج إلى فضاء للتنفس، تهدم بكل بساطة.

ملاحظة موجهة للراوي، وهي أن هذا الكتاب يضم عددا كبيرا من قصائد كتبت في أزمنة متباعدة. ليس هناك تاريخ واحد لأي قصيدة باستثناء قصيدة quot;الذئبquot; وأعتقد أن الراوي وضعها، عن حق، لكي لا يتصور القارئ بأنها كتبت كمرثية بعد وفاة سركون بولص وإنما كتبت سنوات قبل موته. لكن، كان، أيضا، من المهم جدا تأريخ بعض القصائد/ الأماكن حتى يفهم القارئ سياق الديوان. ومع هذا أن خيطا لغويا وتساؤليا يشد القصائد في سياق مترابط... لامجال للتفاوت في النبرة أو في التناول بين هذه أو تلك.. وكأن الديوان خطة واحدة مدروسة موضوعها العراق بكل تقلباته وأوهامه. فهذا البلد quot;المحمّل بوباء الآخرينquot;، quot;ملحمةٌquot; للشعراء وquot;غبارٌquot; لمن يريد أن يستنتج حلا. وقصائد الراوي تستنطق أبطال، أساطير، تواريخ هذا البلد بلغة مجازية تتشابك فيه المعلومات، وتقارير الوكالات، والصور الشعرية، تشابكا تخلصnbsp;الأساطيرnbsp;من رمزيتها فيستحضرها كشهود، بل كأعوان متواطئين؛ فكلكامش يذلّنا بقدر ما يدلّنا، والمطر لم يغسل شيئا...

شاعرية مؤيد الراوي ذهنية وتنطلق من حاسة تشكيلية، تكره الغنائية العاطفية والمرونة الإنشائية. فهي تسترسل بلغتها quot;الصلبةquot;، غير آبهة إن تتخشن مفرداتها. ذلك أنّ من هو quot;في العالمnbsp; السفلي، لا يبصر غير الظلماتquot; فمن عين هذه الظلمات المرسومة من quot;ممالك الوهمquot; إلى quot;مملكة راهنةquot;، أراد الشاعر بناء سيرة الفرد العراقي / سيرة الشاعر نفسه،nbsp;بطموحاته ولقاءاته، عبر هذا المسير الشعري الطويل، بكائنات ترسم أحداثها / أحداثنا quot;المثلومة بالزمن الحاضر المنسيquot;. فلم يكن أمام الراوي، إذن، سوى النزول إلى قعر الثيمة؛ إلى ترميم الكلمات، إلى عجنها سطورا تتكسر من صفحة إلى أخرى. فالشعرية التي تبنّاها الراوي منذ أول قصيدة كتبها، أرادها أن quot;تفتح الضوءَ للمشهدquot;. وها هي على عكس تلك التي تعودتها قريحة صاحب الفنطازيات، لا تضحكنا، وإنما تجعلنا quot;نحتمي بالأُلفة البعيدة... بانتظار ريح أخرى تنشر لنا القلوعquot;. إنها شعريةnbsp;سوداءnbsp;quot;تشي بما في القلب من أزقة، ومن نباتات سحرية للتذكرquot;.nbsp;فهذا العراق الذي أنتجَنا بقدر ما أنتجْناه quot;متشحٌ بالسواد مُغطى بالرماد متسخٌ بهquot;... وها نحن نمسح الدم من الثلج كلما نزل.

ممالك مؤيد الراوي...ليستnbsp;بكاء على الأطلال، وإنما مجالسة مع أشباح عشنا معها وهي الآن جزءا منّا.

رأيتُ رجلا
يهيمُ بوجههِ في متاهة البراري
حاجباً الشمسَ بكلتا يَديه
عارياً ينتظر الليلَ
يرفعُ رأسهُ عاليًا
فيطلقُ صرخةً موجوعةً
بوجه السماء.

قلتُ له ماذا تفعل
قالَ اعوي،
إنني اعوي
طوالَ الليل
لعلّ قمراً مكتملا يفيقُ
فيرجعني ذئباً
أتآلفُ مع الناس
وأتطابقُ مع دخيلتهم
لنذهبَ سَويّةً إلى حيث
رائحة الدم تفوح.