: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

تطوير المنظمات الشعبية أهم مقومات نهضة الصين الاجتماعية

إيلاف: يأتي كتاب "المنظمات والنظم الاجتماعية في الصين" الصادر ضمن سلسلة "قراءات صينية" من دار صفصافة، بقلم واحد من أهم المتخصصين في المنظمات والنظم الاجتماعية في الصين، وهو البروفيسور وانغ مينغ، الأستاذ في كلية الإدارة العامة في جامعة تشينغخوا، ورئيس مركز دراسات المنظمات غير الحكومية في الجامعة نفسها. 

ويعتبر الكتاب الصين دولة صاحبة التجربة الأنجح في التحول الاقتصادي والاجتماعي من النظام الشمولي الموجّه إلى نظام اقتصاد السوق، وبالتالي تعتبر حالة نموذجية يمكن من خلالها دراسة وبحث المنظمات الاجتماعية وتطورها. وقد مرت العلاقة بين الدولة وبين المنظمات في الصين بعد حالات، من الاشتباه والتقييد والمنع إلى التفاهم والتعاون والتكامل، وهو ما يعطي للكتاب أهمية خاصة.

إشباع حاجة المواطنة
رأى البروفيسور وانغ مينغ في كتابه الذي ترجمه محمد عبد الحميد حسين، وراجعه د.حسانين فهمي حسين المشرف على السلسلة، أن المنظمات الاجتماعية أصبحت إحدى المفردات الأساسية في المجتمعات الحديثة، فهي القواعد التي تقدم الدعم والقوة الدافعة لتطوير المجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا، وهي حجر الأساس في المدنية الحديثة. 

أضاف "تتولى المنظمات الاجتماعية إكمال جوانب القصور في القطاع الحكومي وفي الخدمات التي تقدم إلى المجتمع، سواء كانت خدمات اجتماعية، ثقافية، صحية، علمية، ترفيهية، وغيرها، كما إنها تتيح المجال أمام أفراد المجتمع للمساهمة الفعالة في حل مشكلات المجتمع من خلال قنوات واضحة، شرعية، صحية، وسليمة، مما ينشر الألفة والتماسك بين ربوع المجتمع وبين أفراده، ويزيد من الشعور بالانتماء". 

تابع بالقول إن "المنظمات تخلق مجتمعًا متماسكًا متوحدًا ضد أي عدو خارجي أو داخلي يتربص به، فهي القائدة لعمليات التغيير بما تشكله من تأثير كبير تجاه المجتمع وأفراده من حيث كونها وسيلة إشباع الرغبات والحاجات الإنسانية والاجتماعية. كما تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز وإثراء المجتمع المدني، فتحافظ على قيم المواطنة وعلى مسؤوليات وحقوق المجتمع المدني، وتمثل أيضًا الاعتزاز المدني الذي هو غاية الجماعة، فهي المجال الوحيد الذي يمكن أن يتم فيه إشباع حاجة المواطنة، حيث يستطيع الأفراد أن يساهموا فيه.

علامة نضج
ولفت وانغ مينغ إلى أن المنظمات الاجتماعية قوبلت في العديد من البلدان والمجتمعات بقدر بالغ من سوء الفهم، وهو الأمر النابع من تصورها كبديل من الحكومات أو الأحزاب الحاكمة، أو النظر إليها باعتبارها أدوات للتدخل الأجنبي، ووسائل للمساس بالسيادة الوطنية، وهو ما حتّم وجود دراسات جادة وعميقة قادرة على تبرئة ساحتها من التهم سالفة الذكر، والتأكيد على دورها المحوري والأساسي في بناء مجتمع مدني حديث قادر على القيام بدوره ووظائفه على أكمل وجه. 

وقال إن تطور المنظمات الاجتماعية قد أصبح علامة على نضج الحكومات والأنظمة الحاكمة ودليلًا على مدى استيعابها لمفهوم الحوكمة كما يجب أن يكون. كما إن تطور المنظمات الاجتماعية يرفع عن كاهل الحكومات الكثير من المسؤوليات التي يمكن أن تضطلع بها تلك المنظمات، وبه، تتولى المنظمات إكمال جوانب القصور في القطاع الحكومي وفي كل الخدمات التي تقدم إلى المجتمع. وتتأكد أهمية الدور المنوطة به المنظمات الاجتماعية بشكل خاص في المجتمعات التي تقع في مرحلة تحول النظم الاجتماعية والاقتصادية. 

فطبقًا لتوصيف البروفيسور سولومون، فإن المنظمات الاجتماعية تقع في الفضاء الاجتماعي بين الحكومة وبين السوق. وإذا طبقنا هذا التوصيف على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للصين، باعتبارها صاحبة واحدة من أنجح التجارب في التحول الاقتصادي والاجتماعي، سنجد أن العديد من المنظمات الاجتماعية التي ظهرت منذ بداية تطبيق سياسات الإصلاح والانفتاح قد شكلت يومًا بعد يوم مسرحًا اجتماعيًّا غنيًّا في جوانب عدة، منها المشاركة الفرديَّة وتحقق القيم الاجتماعيَّة وتوسيع المجال العام، وأصبحت حقيقة دامغة تشهد بالتحول الاجتماعي الصيني؛ وتم استخدام المنظمات الاجتماعيَّة من أجل ملء الفراغ الذي تركته الحكومة والمؤسسات في مجال الخدمات الاجتماعيَّة؛ وهو الأمر الذي برأ المنظمات من شبهة منافسة الحكومات أو الأحزاب الحاكمة، وأعطى الأمر صبغة التعاون والتكامل. 

تأسيس مجتمع متناغم
وأكد وانغ مينغ أن تطور المنظمات الاجتماعيَّة الأساسية في الصين على مدار أكثر من ثلاثين عامًا من الإصلاح والانفتاح يبدو على المستوى الكلي، كما لو كانت عملية نمو مستمر وتقدُّم مطَّرد على الرغم من التقلبات والمنعطفات، ويمكن من خلال أعداد المنظمات الاجتماعيَّة الأساسية التي تظهر سنويًّا ملاحظة أن العدد الأساسي للمنظمات الاجتماعيَّة الأساسية عام 1978 في بدايات تطبيق سياسات الإصلاح والانفتاح كان مئة منظمة، ومنذ عام 1979 ظهر التطور المستمر على المنظمات الاجتماعيَّة الأساسية برغم التقلبات والمنعطفات، وبرغم الكساد الذي ظهر بشكل أو بآخر في الفترة بين النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين وبين أواخر التسعينات، إلا أن أعداد المنظمات الاجتماعيَّة الأساسية التي تظهر كل عام يزيد على المستوى الذي كانت عليه عام 1978، كما ظهرت ذروتان للنمو، إحداهما في منتصف ثمانينات القرن العشرين، والأخرى في السنوات العشر الأخيرة. 

وأوضح أن عدد المنظمات زاد عام 1985 بمقدار 5.8 ضعف العدد المسجل عام 1978، بينما وصلت الزيادة عام 2007 إلى 9.7 ضعف بالمقارنة بالعدد المسجل في العام المذكور، وإضافة إلى ذلك يظهر من خلال التغيرات التي طرأت على أعداد المنظمات الاجتماعيَّة الأساسية التي تم تسجيلها في نهاية العام أنه منذ تطبيق نظام التسجيل الموحد عام 1988 تراجعت الأعداد المسجلة في نهاية العام لنوعين من المنظمات الاجتماعيَّة بين عامي 1992 و2000 لتسجل مئة وخمسين ألف منظمة بعدما شهدت نموًّا غير عادي في السنوات الخمس الأولى لتطبيق النظام الموحد، واستمرت الأعداد في الازدياد بعدما تجاوزت المائتي ألف عام 2001، وفي نهاية عام 2008 تجاوزت أربعمائة ألف منظمة، وفي نهاية عام 2012 تجاوزت خمسمائة ألف منظمة. 

وأشار إلى أن تنمية وتطوير المنظمات الشعبيَّة واحدة من أهم مقومات البنية التحتية للمخطط الشامل للبناء الاجتماعي في الصين في الوقت الحالي، وقد طرح تقرير المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني ضرورة الاهتمام بالبناء الاجتماعي بشكل أكبر، ودفع التطور المنظم والسليم للمنظمات الشعبيَّة، وفتح المجال أمام المنظمات الشعبيَّة لتلعب الدور الإيجابي المنوط بها في البناء الشعبي وفي تأسيس المجتمع المتناغم. 

أما الاجتماع الأول للدورة الثانية عشرة لمجلس الشعب الصيني فقد أكد بشكل أكبر على ضرورة إصلاح النظم الإدارية للمنظمات الاجتماعيَّة، والإسراع في تكوين الهياكل الحديثة للمنظمات الاجتماعيَّة، والتي تقوم على "الفصل بين الحكومة والمجتمع، والتحديد الواضح للمسؤوليات والسلطات، والقيام بالإدارة الذاتية، بما يتوافق مع القانون"، كما أكد على أن تنمية وتطوير المنظمات الشعبيَّة تُعد من الأعمال الأساسية في الهياكل الحديثة للمنظمات الاجتماعيَّة، وبرغم أن المنظمات الشعبيَّة تعاني من النقص في العديد من الجوانب مثل تخصيص الموارد، وترتيب العمل، وبناء القدرات وغيرها، إلا أنها خلية أساسية في منتهى الأهمية للمجتمع القاعدي، فالمنظمات الشعبيَّة تشكل نسقًا داعمًا ومهمًّا للحوكمة والخدمات الشعبيَّة، وتلعب المنظمات الشعبيَّة تماشيًا مع التقدم العميق للبناء الشعبي دورًا إيجابيًّا في البناء الشعبي والحياة الاجتماعيَّة.

الأكاديميات والجمعيات المهنية هما الأهم
وأوضح وانغ مينغ أن تطور الجمعيات حاليًا يواجه فرصًا هائلة، تتمثل في إمكانية تأسيسها لآليات حوكمة كاملة ومتقنة، وتعزيز بناء قدراتها الذاتية، وكذلك إمكانية أن تصبح الجمعيات بمثابة التيار الغالب في الفترة المقبلة، فلهذا معنى عملي مهم لتنفيذ نموذج الحوكمة الاجتماعيَّة الذي يشمل الحكومة والمؤسسات والمنظمات الاجتماعيَّة. 

وقال إن الجمعيات واحدة من الأنواع الثلاثة للمنظمات الاجتماعيَّة، وتنتمي إلى المنظمات القائمة على العضوية، كما إنها تمثل جزءًا رئيسًا من المنظمات الاجتماعيَّة في المرحلة الحالية في الصين، وتتمثل سماتها في كونها غير هادفة إلى الربح، وغير حكومية، وذات طابع تطوعي يهدف إلى النفع العام، وتتمثل أبرز سماتها في أن قاعدتها التنظيمية قائمة على العضوية، وتعتبر الأكاديميات والجمعيات المهنية أهم شكلين للجمعيات، فتلعب الأكاديميات دورًا مهمًّا في المجالين العلمي والثقافي، بينما يقوى دور الجمعيات المهنية باستمرار في اقتصاد السوق، وتستطيع الأكاديميات أن تدفع التواصل المعرفي وتعزز بناء وإتمام نظم الابتكار القومي من خلال أدائها للوظائف المنوطة بها مثل القيام بالتبادلات الأكاديمية، وتقييم النتائج، وتقييم الموارد البشرية، وتوجه المعايير وغيرها. 

تحديث الحوكمة
وكشف وانغ مينغ أنه في ظل الموقف الجديد للتنمية الشاملة في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والعلمية في الصين، فإن مركز الجمعيات التكنولوجية يتأصل يومًا بعد يوم، وكذلك دورها في إثارة وتعبئة مشاعر المبادرة والإبداع والإيجابية لدى المشتغلين بالشأن التكنولوجي ليشاركوا في البناء الجديد للدولة، ولكي يسرعوا من وتيرة تحديث الحوكمة في الدولة والمجتمع، ولا بدَّ من إطلاق العنان بشكل كامل للدور المهم للجمعيات العلمية، وتعد الأكاديميات القومية التي تنتمي إلى الجمعية الوطنية للعلوم والتكنولوجيا هي أوضح مثال للجمعيات العلمية في الصين، وهي المجموعة الاجتماعيَّة التي أسسها المشتغلون بالعلوم والتكنولوجيا بشكل تطوعي، وهي الناقل التنظيمي للجماعة الأكاديمية، وأصبحت مع الوقت جزءًا مهمًّا للنظام القومي للإصلاح والابتكار. 

وسوف يناقش هذا الباب أولًا تعريف الجمعيات وصفتها ووظائفها، ويستكشف العلاقات بين الجمعيات والحوكمة الاجتماعيَّة، ويشرح هياكل الحوكمة الخاصة بتجديد وإصلاح الجمعيات، إضافة إلى عناصرها المؤثرة ومعناها، ويحلل بشكل عميق واقع الحوكمة للجمعيات في الصين والمشكلات الموجودة فيها، ونهايةً يستكشف سُبل إصلاح وتجديد حوكمة الجمعيات.

يعد هذا الكتاب أحد كتب "سلسلة دراسات تعميق الإصلاح على نحو شامل" التي تصدرها دار العلوم الاجتماعيَّة للنشر، ويتكون من تسعة أبواب، يناقش كل منها جانبًا مختلفًا في نشأة المنظمات الاجتماعية وتاريخ تطورها وأنواعها والعلاقة بينها وبين الدولة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


أضواء

هايل شرف الدين