: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

الحضارات... عبور إلى الآخر عبر فكرة وفن

واكب عرض أولى حلقتين من برنامج "حضارات" بحلته الجديدة صدور كتاب ماري بيرد، التي كانت من متابعات البرنامج الوفيات وأصبحت اليوم مقدمته، تركز في كتابها على الطريقة التي تعرض الحضارات نفسها إلى الآخرين من خلال فكرة وفن. 

إيلاف: في ربيع عام 1969 كانت ماري بيرد في الرابعة عشرة من العمر عندما كانت تتابع برنامج "حضارات" للمؤرخ والمقدم المعروف كينيث كلارك. وكان البرنامج عبارة عن سلسلة حلقات أسبوعية تعرض على قناة "بي بي سي 2".

مدخل إلى التخصص

الفن كان وسيلة للتعبير عن الإيمان الديني

اليوم تحل بيرد (وهي المؤرخة المعروفة المتخصصة في التراث الكلاسيكي وزميلة كلية نيونهام في جامعة كامبريدج) محل كلارك في تقديم مجموعة برامج جديدة تحمل العنوان نفسه "حضارات"، بالتعاون مع اثنين من زملائها، وهما ديفيد أولوسوغا وسيمون شاما.  

تقول بيرد إنها ما زالت تتذكر كيف كانت تتابع تلك الحلقات بشغف شديد، وكيف تأثرت بها، وهي تعتقد أن سلسلة البرامج هذه هي ما شجّعتها لاحقًا على التخصص في التاريخ.

تشير أيضًا إلى أنها لا تزال تتذكر كيف كانت تتسمر أمام التلفاز لمتابعة كلارك، الذي كان يصطحب المشاهد معه، ليريه أماكن لم يرها على الإطلاق، وليتحدث عن التاريخ والفن، وما تركته الحضارات المختلفة خلفها.

واكبتها حروب طاحنة
هذا ومن المعروف أن كينيث كلارك ركز في حديثه عن الحضارات على منطقة أوروبا فقط، ولم يقترب من إسبانيا، كما لم يصل إلى مناطق أخرى في القارات الأخرى.

أما بيرد فيبدو أنها جاءت لتغطي هذا النقص، حيث احتاج إعداد هذه السلسلة الجديدة من العروض ثلاث سنوات، وتم تصويرها في 31 بلدًا في ست قارات، وقد عرضت حتى الآن حلقتان من مجموع تسع حلقات.  

ويبدو أن سلسلة "حضارات" الجديدة أثارت الكثير من ردود الفعل المتضاربة، بعضها مؤيد، والبعض الآخر رافض. وتقول بيرد إن فكرة الحضارة وماهيتها خضعت ولا تزال لنقاشات طويلة، بل وقامت حروب طاحنة بسببها، وبالتالي لا داعي للاستغراب من الرفض أو التأييد.

رافق عرض أولى حلقتين من سلسلة البرامج هذه صدور كتاب لبيرد، ركزت فيه على الكيفية التي تعرض بها الحضارات نفسها من خلال الفن والفكرة، التي تريد حضارة معينة إعطاءها إلى الآخرين وإلى نفسها عن طريق هذا الفن. عنوان الكتاب هو "حضارات: كيف نبدو/عين الإيمان".

منظور مختلف
تنقلت بيرد في مناطق مختلفة من العالم، وسافرت إلى مكسيكو، لمشاهدة رؤوس أولمك، ثم إلى الصين لرؤية جيش تيراكوتا في مقاطعة جيان في شمال غرب الصين، ومرت على مناطق أخرى عديدة، عرفت بآثارها الحضارة.

ماري بيرد داخل معبد أنجكور وات في كمبوديا

لكن الملاحظ أن منظور بيرد عن الفن التاريخي يختلف تمامًا عن منظور كينيث كلارك، حيث ترى أن أهمية أي عمل فني تركته الحضارات السابقة لا تكمن في معرفة اسم من صنعه ومن أبدعه بقدر ما تكمن في الطريقة التي تعاملت بها هذه الحضارات وغيرها معه أو الكيفية التي استفادت بها منه أو حتى استغلته لعرض نفسها بطريقة ما وإعطاء فكرة معينة عن نفسها.

تروي بيرد في كتابها قصة تمثال ممنون (حسب التسمية الغربية أو تمثال أمنوحتب الثالث لدى المصريين) حيث تذكر الروايات أن هذا التمثال الضخم، الذي يبلغ ارتفاعه 65 قدمًا، ويقع في طيبة الغربية كان يصدر أصواتًا تشبه الغناء، حتى إن إمبراطور روما هادريان قرر زيارته في نوفمبر من عام 130 ميلادية ليطلع على هذه الأعجوبة، وليتأكد بنفسه من أن التمثال يغني بالفعل.

الحضارة المصرية عبر تمثال
كان صوت الغناء أو الصفير نتيجة صدع على الأرجح في حجر التمثال، وكان مرور الرياح الصحراوية من خلاله يؤدي إلى صدوره، ولكن المهم في القصة كلها حسب قول بيرد هو أن فتاة كانت ضمن رفقة الإمبراطور، واسمها جوليا بالبيلا، هي التي روت هذه الحادثة، ولولاها لما عرفنا بها، حيث كتبت قصيدة عن التمثال وغنائه. وكان أن إطلع أحد النقاشين على القصيدة، فقرر نقشها على ساق التمثال، حيث لا تزال هناك حتى اليوم.

تصر بيرد على أن لهذا التمثال أهمية كبيرة، لكن ليس من خلال معرفة من صنعه، بل ماذا صنع الآخرون به، وكيف عرضت الحضارة المصرية نفسها من خلاله، وحتى كيف ينظر السائحون إليه حتى في يومنا هذا. وهو أمر لا يتوقف على الإطلاق، حسب قولها، لأن نظرة العالم إلى الأمور تتغير بين فترة وأخرى.

 الفن والإسلام
تخصص بيرد الجزء الثاني من كتابها للكيفية التي استخدم بها البشر الفن للتعبير عن إيمانهم الديني أو لعرض فكرة الإله. وتنتقل المؤرخة بذلك بين أعمال عديدة جدًا في العالم، ابتداء بعذراء ماكارينا الباكية في إشبيلية، مرورًا بكهوف آجانتا البوذية في الهند. ثم تتوقف بعض الوقت عند الجامع الأزرق في إسطنبول.

تقول بيرد إن الفكرة السائدة عن الإسلام أنه دين بلا فن. لكنها ترى عكس ذلك تمامًا، حيث تصطحبنا إلى هذا الجامع الشهير والضخم في إسطنبول، لنتمعن في الأشكال المرسومة على جدرانه وسقوفه. 

بالطبع لا نرى صور بشر أو تشبيهات للذات الإلهية هناك، بل نشاهد كلمات مقدسة منقوشة في كل مكان ومرسومة بخطوط عربية جميلة، حتى تبدو وكأنها ترقص أمام أعين الحضور. تقول بيرد إن الزائرين والسيّاح لا يفهمون بالمرة الكلمات التي يشاهدونها معلقة على ارتفاع مئات الأقدام فوق رؤوسهم، ولكن ما ينظرون إليه لا يقل شأنًا عن أي صورة أو تعبير عن الذات الإلهية المعروفة في بقية الأديان.

رؤوس أولمك
تتحدث ماري بيرد عن رؤوس أولمك في مكسيكو، وهي عبارة وجوه بشرية منقوشة على أحجار ضخمة جدًا. تقول إن هذه الوجوه ليست جميلة تمامًا، ولا تكمن أهميتها في معرفة اسم الفنان الذي صنعها، ولكن تكمن في معرفة الأسباب التي دعت شعبًا ما إلى نحتها، والفكرة التي أراد إعطاءها إلى الآخرين من خلالها، بل وحتى النظرة التي أراد بها النظر إلى نفسه هو. ومن هنا جاء عنوان كتابها "كيف نبدو؟".


أعدت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "الغارديان". المادة الأصل موجودة على الرابط الآتي:
https://www.theguardian.com/books/2018/mar/01/civilisations-mary-beard-review
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.