: آخر تحديث
مسؤولو الجوائز العربية يتساءلون في معرض أبوظبي للكتاب:

ماذا ستخسر الثقافة العربية إذا ألغيت كل الجوائز؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تلعب الجوائز الأدبية في العالم العربي دورًا مهمًا في إثراء الحراك الثقافي والإبداعي، لكن آثار هذا الإثراء لم يوضع قيد التحليل النقدي، الأمر الذي جعلها عرضة بين الحين والآخر لسهام الشكوك والاتهام من جانب المثقفين والمبدعين أنفسهم. 

إيلاف: ناقشت الجلسة الثقافية التي أقامتها جائزة الشيخ زايد للكتاب في إطار فعالياتها بالدورة الـ 29 لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب عددًا من المحاور المهمة، منها دور الجوائز في تحفيز المؤلف على المزيد من الإبداع والعطاء، وأسباب عزوف الكتاب عن التطلع إلى نيل جوائز أدبية مرموقة، والاهتمام النقدي الموازي من القارئ العربي بالأعمال الفائزة، وأخيرًا معايير ترشيح الأعمال ومنحها الجوائز.

عمق وخطورة
بدأت الجلسة التي أدارتها رندا حبيب عضو مجلس إدارة معهد الإعلام الأردني بتأكيد علي بن تميم الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب أن تعدد الجوائز في العالم العربي دال على الحراك الثقافي، وأن تنوعها يسهم بشكل أو بآخر في توجيه مسارات ومقاصد الثقافة العربية لكونها تلعب دورًا في ذلك. 

قال "الكثير من الجوائز العربية قد اكتسبت شهرة ومصداقية وموضوعية، وثمة جوائز أخرى تفقد بريقها في الواقع، وتواجه التحديات، وثمة جوائز أخرى اختفت، وتحاول العودة من جديد إلى الساحة". 

ورأى ندرة في الدراسات المتخصصة في الجوائز، "حيث لا نجد حسب معرفتي دراسة نوعية ومهمة تناولت الجوائز العربية بدقة، هذه الدراسات التي تتناول واقع الجوائز تناولًا فيزيوثقافيًا لم تتوافر حتى الآن. وأضاف "الجوائز تقدم عمقًا وتمثل أيضًا خطورة من نوع ما، فهي قد تشكل حافزًا، وينبغي أن تشكل حافزًا، وقد تشكل إخفاقًا لدى المبدعين ولدى الكتاب، إذا فقدت هذا البريق وهذه الشفافية".

نموذجان قديم وحديث
لفت بن تميم إلى أن "جائزة الشيخ زايد تتأثر كثيرًا بواقع النشر في العالم العربي، حيث ترتبط بحداثة الكتاب، فلا ينبغي أن يكون قد مر على صدوره عامان، وهي تتميز بكونها جائزة متعددة الفروع، وتغطي حقول المعرفة، وخاصة الإنسانية، كما إنها تنفتح على اللغات الأخرى، وأحد فروعها المميزة مقارنة بالجوائز العربية، فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى، ومن جانب آخر تنفتح على الموسيقى وعلى التشكيل، وهناك فرع التنمية وبناء الدولة، وهو يرتبط باسم جائزة الشيخ زايد، وأظنه فرعًا مميزًا من فروع الجائزة".

وختم بن تميم مؤكدًا أن "الجوائز قد تشكل حافزًا، وقد تشكل في الوقت نفسه ما يتناقض مع هذا الحافز، قد تشجّع المبدعين، وقد تصيبهم بإخفاق، ونحن نحاول في جائزة الشيخ زايد أن نمثل تلك الحوافز التي تشجع على سرعة النشر وعلى دعم الكتاب العربي".

تطرق محمد بنيس إلى موضوع الجوائز العربية وحرية الكاتب، مشيرًا إلى أن هناك جوائز تكون دعمًا للمؤلف، وهناك مؤلفون لا يريدون هذه الجوائز، وإذا شئنا أن نطرح المشكلة لابد أن نعود إلى الصورة الأولى لهذه الجوائز، أولًا هذه الجوائز ليست لها علاقة بالمفهوم القديم للجوائز التي كانت تعطى للكتاب والأدباء والشعراء. هذا شيىء حديث، ونموذجه أوروبي حديث، ولذلك يجب عدم الخلط بين النموذج القديم والنموذج الحديث. النموذج الحديث يقوم على مبدأ أن الكاتب أصبحت له وظيفة جديدة في المجتمع، ومن ثم لا تهمه مسألة الجوائز أو الوقوف على أبوابها، وأكثر من ذلك أن يصل إلى رضا طرف من الأطراف، بمعنى أنه كاتب قائم على مبدأ الحرية، والحرية في الرأى والتعبير هدف ما يقوم به، وليس هناك هدف أكثر من ذلك. لذلك نجد في الجوائز الأوروبية نموذجًا ممتازًا، وهو أن الترشح للجائزة لا يتم عن طريق الكاتب، بل هناك لجان متخصصة وخبراء يتبعون الجائزة هم الذين يرشحون الكتاب، وفي هذه الحالة لا يبقى لهؤلاء الذين يتسابقون ويتهافتون على الجوائز مكان، ويجد هؤلاء الذين يعملون بقيم حديثة من يهتم بهم، وهنا يكون الدعم الحقيقي للثقافة والعمل الثقافي.

كسر الممنوعات
قال بنيس إن الجوائز العربية لا بد أن تنتقل إلى زمن أخر، زمن حديث، لماذا؟، مثلًا جائزة الشيخ زايد التي عملت مع فريق عملها ووضعنا تصورًا يمكن أن نقول عنه إنه عالمي عن الثقافة العربية في العالم، والتفاعل بين الكتب العربية والأجنبية في حقل الثقافة العربية، ولكن هذه الجوائز يجب أن نكون واضحين ونقول إنها تتوجه إلى الثقافة الحديثة وتحديث الثقافة العربية، وأهميتها في أننا نعيش زمنًا صعبًا وقاسيًا ثقافيًا، ينتصر فيه التقليديون والمضادون لكل ما هو حديث. والمؤلفون المهمون في الثقافة العربية هم من هذا الصنف، الذي لا يتزاحم على شيىء، ولا يريد شيئًا، ولكن يريد أن يظل وفيًا بما يؤمن به، وهي وظيفته في المجتمع.

ورأى أنه من أجل تجاوز مشكلة عزوف الكثير من الكتاب المهمين عن التقدم للجوائز ينبغي أن تتحوّل الجوائز من كونها تفتح الباب للأشخاص كي يترشحوا إلى وضع اللجان التي تقوم بالترشيح، وأن نتخلى عن الممنوعات في الجوائز العربية، الممنوعات الدينية والأخلاقية والسياسية، إذ كيف تريد لكاتب ومفكر حر أن يتقدم لجائزة تضع العوائق ضد الثقافة الحديثة، هذا لا يعني أنه لا توجد مقدسات، بل هناك مقدسات يجب إحترامها، ولكن الجوائز هي التي لها قيمة، هي التي تتصف بالموضوعية والإبداعية. 

دور مؤسسات المجتمع المدني
وتحدث عبد العزيز السبيل أمين عام جائزة فيصل العالمية عن أهمية المؤسسات غير الحكومية في دعم الثقافة وتقدير رموزها عبر الجوائز. وقال إن على الجوائز الأدبية الخروج من رفقة الحكومة، الحكومات عليها أن تنظم وتضع اللوائح للناس عامة، لكن الجوائز لا بد أن تترك للقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وقد أشار بنيس إلى قضية الممنوعات، وبالطبع ما دامت الجوائز تتبع مؤسسة حكومية، ستكثر الممنوعات، والدولة ترعى المجتمع، لذا قد لا تسمح بأن يفوز كتاب أو مؤلف يتناول ممنوعًا أو أكثر، لكن مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص ليست لدية إشكالية في هذا. أعتقد أن هذه نقطة مهمة، خصوصًا أن الثقافة منتج إجتماعي، ولا تنتجها الحكومة، ولا يمكن للحكومة أن تنتج ثقافة إطلاقًا، لذلك يجب أن تكون الرعاية عبر مؤسسات المجتمع المدني وعلى الدول والحكومات أن تسهل، أن تؤسس، أن تدعم بقدر ما تستطيع، سواء ماليًا أو معنويًا، وأن تدع مؤسسات المجتمع المدني تتحرك.

وأشار السبيل إلى قضية ثبات لجان التحكيم، معتبرًا إياها أحد العيوب، وأيضًا فكرة أن يقوم الناس بترشح أنفسهم. وقال إن جائزة الملك فيصل تخلصت من العيب الأول، فليست لدينا لجان ثابتة في كل عام، بل لدينا ست وأربعين أستاذًا قديرًا جديدًا، حيث نؤمن بعدم الثبات، ناهيك على أننا في الجائزة موضوعاتنا متجددة في كل عام، ومن ثم من الطبيعي أن تتغير هذه اللجان. أما العيب الثاني فقد تخلصنا منه. فمنذ أربعين عامًا، لا نقبل ترشيح الأفراد، والترشيح يتم عبر المؤسسات فقط.

الغرب والوسط مغيبان
لفت إلى مسألة أخرى تتعلق بخريطة الجوائز العربية، حيث رأى أن الجزء الأكبر منها يتركز في منطقة الشرق العربي، وأن منطقة الوسط أو الغرب في الوطن العربي لا نجد فيها جوائز. وقال "لا أتحدث عن الجوائز الحكومية، ولكن جوائز مؤسسات المجتمع المدني والأفراد، ولا علاقة للدولة بها، إنني أجزم أن الأغنياء يملكون مع مؤسسات المجتمع المدني تأسيس جوائز دعمًا للثقافة".

وناقش هنري العيوط مدير عام مؤسسة الفكر العربي غياب الدراسات النقدية حول أثر الجوائز في الحياة الثقافية العربية. وقال إن هناك سببين وراء هذا الغياب، الأول هو الإختزال. اختزال المقالات والمتابعات النقدية بحق الجوائز المرموقة التي اكتسبت شهرة عريضة، وتجاهل تسليط الضوء على الجوائز المحلية، أيضًا يتم التركيز بصورة رئيسة على الجوائز الأدبية على حساب العلمية ومجالات الدراسات الإنسانية والإجتماعية، الفنون، وأدب الأطفال وسائر المجالات، التي قلما تحظى باهتمام النقاد، الذين يكتبون عن الجوائز في العالم العربي، وضمن الجوائز الأدبية نلاحظ أن جل الإهتمام يتركز على الرواية دون الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والقصة والمسرح.
 
ماذا ستخسر الثقافة أو تربح؟
وطالب بتوثيق الشهادات التي يدلي بها الفائزون، والتي غالبًا ما تدور حول الأثر التي تحدثه الجوائز في مسيرتهم الإبداعية، فهذا أمر مفيد. ورأى أنه قلما نهتم بدراسة هذا الأثر للجوائز، سواء على الكاتب أو الحراك الثقافي أو الثقافة، نحن مهتمون بشروط الترشيح للجوائز، وغالبًا ما نعيد تطوير أو إعادة النظر فيها لتحسينها وتطويرها، لكن لا أظن أنني قرأت الكثير مما كتب عن الجوائز العربية والجوائز الأدبية، تحديدًا لم أطلع على دراسة عربية واحدة وافية وموضوعية ومنهجية تتناول الجوائز العربية بشكل عام والجوائز الأدبية تحديدًا لمعرفة أثر هذه الجوائز في الحركة الثقافية العربية.. ما أريد قوله إنه يمكننا أن نطرح سؤالين، الأول ماذا سوف تخسر الثقافة العربية إذا قررنا هذا المساء أن نلغي كل الجوائز العربية؟.. هذا يسمح لنا بأن نجيب عن السؤال الثاني: ماذا تربح الثقافة العربية من استمرارنا في منح الجوائز وفي تطوير الجوائز العربية؟. لذا من المهم أن نعرف ماذا يجني المستثمرون في الجوائز العربية على صعيد الشهرة المعنوية والسمعة، وأن نعرف ماذا يكسب رابحو الجوائز على الصعيد المادي وعلى الصعيد المعنوي من خلال تكريسهم على الساحة الفكرية أو الساحة الثقافية أو الساحة الأدبية؟، وأيضًا، ولعله الأهم بنظري، ماذا تكسب الثقافة العربية، أنني أدعو إلى دراسة نقدية تقوم عليها مجموعة من الباحثين، ويمكن أن تناقش في ندوات متخصصة أو في مؤتمر بكامله للتعرف بشكل منهجي إلى أثر الجوائز العربية في الثقافة العربية.

وتحدث جلال الطواهية مدير جائزة الملك عبد الله بن الحسين للإبداع عن الجوائز في صدر الإسلام، لافتًا إلى أن أول جائزة في التاريخ الإسلامي قدمت من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الشاعر كعب بن زهير حينما أهداه بردته الخاصة على أثر قصيدته التي امتدح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، التي مطلعها كان: بانت سعاد وقلبي اليوم مبتول، فهذه أعظم وأنبل جائزة.. 

داخلي وشبه عالمي
وقال "إذا انتقلنا إلى مرحلة أخرى، نرى أن هارون الرشيد في العصر العباسي كان يمنح وزن الكتاب ذهبًا لمن يقوم بترجمة أمهات الكتب من اللغة اليونانية واللغة الآرامية إلى اللغة العربية، مما انعكس إيجابًا على تطور الأمة وتقدمها. إن الجوائز مهمة لتوجيه المجتمع نحو التطور ونحو التقدم.. لذا فإن التدهور أصابها بعد منح الحكام مكافآتهم للشعراء الذين يمتدحونهم، حيث لم تكن هناك أسس علمية وموضوعية، ولم تكن هناك لجان تحكيم، وبالتالي فالمكافآة أو الجائزة كانت تخضع لرأي شخص واحد.

أضاف "في منتصف القرن الماضي إحتلت مصر وسوريا والعراق ولبنان المشهد الثقافي العربي، ولكنه كان مشهدًا مسيّسًا يسعى إلى توجيه نشر أفكار معينة، وبالتالي سقطت هذه الثقافة في هذه الدول لظروف سياسية، والآن في الدول الخليجية بشكل خاص والمشرق العربي بشكل عام، برز المشهد الثقافي العربي، وبرزت الجوائز المهمة، التي ترقى إلى المستوى العالمي. لكن هناك مشهدين للجوائز، الأول داخلي تدعمه الحكومة، وهذا حق طبيعي، أن تسجع كل دولة أبناءها، والثاني الجوائز شبه عالمية، المدعومة من مؤسسات شبه حكومية ومن أشخاص، وتبقى هذه الجوائز الأخيرة ناجحة ومتقدمة، ما دامت غير مسيّسة وبعيدة عن الإقليمية والطائفية والمذهبية، فأن تكون الجائزة مستقلة فهذا يعني أننا نستطيع أن نصل بها إلى مستوى الجوائز المتقدمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.