د. أنس بن فيصل الحجي
وصلت أسعار النفط في الأسبوع الماضي، وبشكل متسارع وغير متوقع، إلى 111 دولارا للبرميل. لقد كانت هذه الزيادة في هذا الوقت من العام مفاجئة للجميع، لدرجة أن الخبراء الذي يدلون بتوقعاتهم لشركة بلومبرغ، الذين يتجاوز عددهم الأربعين خبيرا، فشلوا في توقع اتجاه الأسعار في كل أسبوع خلال الأشهر الثلاثة الماضية ما عدا أسبوعين (أي أن نسبة الخطأ بلغت 84 في المائة)، علما بأنه لم يتوقع أي منهم وصول الأسعار إلى هذا المستوى. لقد كان الارتفاع الأخير في أسواق النفط تاريخياً ومميزاً لعدة أسباب, أهمها سرعة الارتفاع وتوقيته وأوضاع أسواق النفط العالمية التي تتطلب أسعاراً أقل من المستوى السائد. فماذا يحدث في أسواق النفط؟ ولماذا ارتفعت أسعار النفط بهذا الشكل؟ أو بالأحرى، هل هناك ما يسوغ ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية؟
قبل تقديم شرح مختصر لأسباب ارتفاع أسعار النفط في الفترات الأخيرة لابد من ذكر حقيقة مهمة وهي أن الارتفاع الكبير والسريع في سعر أي سلعة لا يعود إلى توقع ارتفاع أسعارها بقدر ما يعود إلى اختلاف واقع الطلب والعرض عما يتوقعه المتعاملون في هذه السلعة. فالأسعار لن تتغير كثيراً إذا كانت توقعات المتعاملين صحيحة، وتتغير الأسعار تناسباً مع حجم الخطأ في التوقع. فكلما كبر الخطأ، كان التغير في السعر كبيراً. إن خطأ التوقعات بشأن نمو الطاقة الإنتاجية ونمو الطلب على النفط هو السبب الرئيس لارتفاع أسعار النفط في الفترات الأخيرة.

quot;أوبكquot; والطاقة الإنتاجية الفائضة

من الأساسيات الاقتصادية أنه لايمكن للمضاربات أن تستمر لوقت طويل إذا كان لدى quot;أوبكquot; طاقة إنتاجية فائضة يمكن تسويقها لأن هذه الطاقة يمكن استخدامها لزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار، وبالتالي إلغاء الحافز المالي الذي تتم المضاربات من أجله. فإذا كانت quot;أوبكquot; قلقة من دور المضاربين في السوق فإن كل ماعليها عمله هو زيادة الإنتاج لإجبار المضاربين على الخروج من السوق. ولكن السؤال هو: هل تستطيع quot;أوبكquot; زيادة الإنتاج؟
إن أحد الأسباب الرئيسة للارتفاع الأخير في أسعار النفط هو تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة في دول quot;أوبكquot; وذلك نتيجة أمور عدة. من هذه الأمور انخفاض إنتاج بعض الدول الأعضاء في المنظمة لأسباب سياسية وفنية، فقامت بعض البلاد الأخرى التي تملك طاقة إنتاجية فائضة بزيادة إنتاجها للتعويض عن النقص في إنتاج الدول التي تعاني مشاكل سياسية وفنية، فتلاشت الطاقة الإنتاجية الفائضة. ومن هذه الأمور أيضاً تأخر الانتهاء من بعض مشاريع توسيع الطاقة الإنتاجية لأسباب اقتصادية (مثل ارتفاع التكاليف وانخفاض الدولار) وأسباب بيروقراطية (مثل تأخر اتخاذ القرار). بعبارة أخرى، لم تتلاءم الطاقة الإنتاجية الفعلية مع ما كان متوقعاً، الأمر الذي أسهم في رفع أسعار النفط. يذكر أن الخبراء الذين توقعوا في بداية العام انخفاض أسعار النفط عن 90 دولارا للبرميل استدلوا على رأيهم بكمية النفط التي يمكن أن تضيفها المشاريع الجديدة في دول quot;أوبكquot;، على افتراض عدم خسارة أي طاقة إنتاجية لأسباب سياسية أو طبيعية أو فنية. ومن الواضح الآن أن هذه الزيادة لم تكن بالشكل المتوقع من جهة، وفي الوقت نفسه غطت هذه الزيادة عن النقص في بعض الدول من جهة أخرى.

حجة واهية
قد يحتج البعض بأن quot;أساسيات السوقquot; لا تدعم الأسعار الحالية خاصة أن مستويات المخزون في الدول المستهلكة، خاصة في الولايات المتحدة، قد ارتفعت حتى وصلت إلى أعلى مستوى لها خلال 15 سنة الماضية. على الرغم من صحة هذه المعلومة إلا أن التركيز على حجم المخزون لايفيدنا شيئاً لسببين، الأول أنه يجب التركيز على كمية المخزون كنسبة من الطلب أو الاستهلاك، وليس كرقم. وهذه النسبة لم ترتفع بشكل ملحوظ. فما أثر المخزون إذا ارتفع من كمية تغطي 52 يوماً من الاستهلاك إلى 53 يوما من الاستهلاك، أو حتى 54 يوما أو 55 يوما؟ الأمر الثاني أن التحليلات الإحصائية تشير إلى أنه يجب النظر إلى المخزون على أنه مجموع المخزون التجاري في الدول المستهلكة والطاقة الإنتاجية الفائضة في الدول المنتجة. إذا نظرنا إلى هذا المجموع نجد أن quot;أساسيات السوقquot; تفسر الأسعار الحالية. فوضع السوق بمخزون منخفض يكفي 45 يوما من الاستهلاك وطاقة إنتاجية فائضة تتجاوز خمسة ملايين برميل يختلف تماما عن وضع السوق بمخزون مرتفع يغطي 55 يوما الاستهلاك وطاقة إنتاجية فائضة تقل عن مليون برميل يوميا.

الطلب على النفط
ظل نمو الطلب على النفط يتزايد، وإن كان بمعدلات أقل من قبل، رغم الارتفاع المستمر في الأسعار. وإن كان في رأيي أن تأثير الطلب في ارتفاع الأسعار يعود إلى توقعات المحللين الخاطئة التي توقعوا فيها أن ينخفض نمو الطلب على النفط نتيجة تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي وأزمة الرهن العقاري. لقد خالفت معدلات النمو في الطلب على النفط توقعات المحللين والخبراء، فارتفعت أسعار النفط.

المضاربون وقيمة الدولار
بما ان النفط يسعر بالدولار، فإن أي تغير في أسعار الدولار وما ينتج عن ذلك هو من quot;أساسيات السوقquot; أيضاً ولا يمكننا فصل أثر انخفاض الدولار عن الطلب والعرض في أسواق النفط. مع انخفاض الدولار وتدهور أوضاع قطاعي العقارات والبنوك في الولايات المتحدة، أصبحت الخيارات أمام المستثمرين والمضاربين محدودة، فاتجه أغلبهم للاستثمار في العقود الآجلة للسلع والذهب، فارتفعت أسعارها جميعا. وكان دور المضاربين سيبقى محدوداً لولا تدفق الأموال من بعض الدول المنتجة للنفط التي غذّت هذه المضاربات، فارتفعت الأسعار بشكل متسارع حتى وصلت أسعار النفط والذهب إلى مستويات قياسية.
أسهمت بعض دول quot;أوبكquot; في رفع حدة المضاربات في الفترات الأخيرة، ومن الصعب فصل تصريحات بعض المسؤولين، خاصة الذين اشتهروا بتصريحاتهم المتكررة بشكل لم تشهده أسواق النفط من قبل، عن استثمارات صناديق دولهم في العقود الآجلة للنفط، أو حتى في المضاربات على عملات بلادهم. فقد لوحظ أن رئيس البنك المركزي ووزير النفط في دولة أوبكية يتناوبان التصريحات الأسبوعية بشكل أسهم في رفع أسعار النفط وأسهم في رفع سعر عملة ذلك البلد، والدول المجاورة أيضاً.

الخلاصة
ارتفعت أسعار النفط بسبب تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة التي يمكن تسويقها، واستخدام عائدات النفط للمضاربة في أسواق النفط، واستمرار العوامل الطبيعية والاقتصادية في دعم نمو الطلب. إن استخدام عائدات النفط للمضاربة في العقود النفطية له مسوغاته في بيئة غير مستقرة يتدهور فيها الدولار وتهتز فيها المراكز المالية لأكبر البنوك العالمية نتيجة أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة. لاشك أن هذه فترة نادرة في التاريخ أصبحت فيها بعض دول quot;أوبكquot; منتجة ومُضاربة في الوقت نفسه.

أكاديمي وخبير في شؤون النفط