تخشى أميركا من تكرار سيناريو الأزمة المالية والاقتصادية من جديد، مع تشعبات أوضاع أثينا، التي قد تمتد إلى دول أوروبية أخرى، إذا لم يتم تداركها ويؤدي إلى انهيار أوروبا، علماً أن بعض البنوك الأميركية مدانة لمثيلاتها الأوروبية، مما يفاقم هواجس واشنطن من نشوء أزمة مصرفية أخرى قد تكون أسوأ من الأزمة الأولى.

نسرين حلس من واشنطن: لم يكد الإقتصاد العالمي يتنفس الصعداء جراء الأزمة المالية العالمية التي عصفت به عام 2008، وكانت بدايتها في الولايات المتحدة الأميركية وامتدت ذيولها في باقي دول العالم وهزت أكبر إقتصاد عالمي، مخلفة وراءها أزمة مازالت تعانيها أميركا.. حتى فتح عينيه (الاقتصاد العالمي) على أزمة جديدة، تحمل المعطيات نفسها، والفارق فقط في اختلاف المكان، والمسماة بأزمة ديون اليونان، التي لا يعرف مداها حتى الآن.

ومنذ أن تم الإعلان عن الأزمة، حتى استنفرت الأسواق العالمية. فتأثّرت بورصات الأسواق العالمية كلها. وقد عملت المفوضية الأوروبية على تهدئة الأزمة الخطرة، التي تهدد أسس الإتحاد النقدي، وذلك بالتصديق على قرار إنشاء صندوق دعم للدول الأعضاء في منظمة اليورو لمواجهة الأزمات. فيما أقرّ قادة الدول الأوروبية خطة مساعدة مالية لليونان، التي تبلغ قيمتها الإجمالية 110 مليار يورو، أي ما يعادل 145 مليار دولار، على ثلاث سنوات، وتعزيز انضباط ميزانيات تلك الدول، وذلك لإحتواء الأزمة وردود الأفعال العاصفة التي هزّت الأسواق العالمية.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد عبّر مراراً عن قلقه حيال الأزمة، وصرّح بذلك علناً على القناة الروسية عندما قال quot;أنا قلق جداً حيال ما يجري في اليونانquot;. وما إن أُعلن عن الأزمة حتّى هبطت أسعار الأسهم في البورصات العالمية بشكل حاد، فانخفضت أسعار الأسهم الأميركية بشدة، وفقد مؤشر داو جونز الرئيس للأسهم الصناعية أكثر من 900 نقطة دفعة واحدة، قبل أن يعاود الإرتفاع، وينهي على خسائر قاربت 350 نقطة، أي ما يعادل 3.21% من قيمته.

كما ساهمت بورصة نيويورك للأوراق المالية في عمليات بيع مكثفة، في ظل استمرار قلق المستثمرين من تداعيات الأزمة على الإقتصاد العالمي، وفقد مؤشر داو جونز 997.21 نقطة، قبل أقل من ساعتين على الإغلاق، قبل أن يستعيد بعض خسائره التي اقتربت بالمؤشر من أقصى معدل انخفاض له، الذي بلغ 777.68 نقطة، وحققه في 29 سبتمبر/أيلول 2008.

وكانت الأسهم الأميركية قد عانت على مدار أسبوعين سلسلة إنخفاضات الحادة، وذلك على أثر تخوف المستثمرين من تداعيات مشكلات الدين المتفاقمة على السوق الأوروبي، وخصوصاً بعد موجات العنف والإحتجاجات التي قام بها يونانيون، تعبيراً عن غضبهم جراء العجز الحاصل، الذي سيؤدي بالتالي إلى سياسة تقشف جديدة، لا يعرف متى تكون نهايتها.

ويؤكد الدكتور محمد فينيس، المستشار الإقتصادي حالياً والمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي في واشنطن دي سي سابقاً، أن أزمة اليونان التي تحدث في أوروبا اليوم ما هي إلا رد فعل للأزمة المالية العالمية، التي بدأت في العام 2008 في الولايات المتحدة الأميركية، ولم تنته حتى الأن. فالوضع الأوروبي، برأيه، مشابه جداً للوضع الأميركي إبان أزمة الديون، والعجز في الميزانية الأميركية، عندما أعلن بنك ليمان براذر إفلاسه، وتسببت بأزمة مصرفية حادة. فالإقتصاد العالمي مترابط، وترابط السوق العالمي يستدل به من رد فعل أسواق الأسهم والسندات والمستثمرين.

وكان الداو جونز قد عاود الإرتفاع إلى 4%، بمجرد إعلان الدعم الجديد، الذي وصل إلى 1 تريليون دولار، بعدما كان قد مني بهبوط حاد بمجرد الإعلان عن الأزمة. ويرى فينيس أن استمرار الأزمة لابد وأن يكون له انعكاسات خطرة على السوق الأميركي، لذلك كان لابد للولايات المتحدة الأميركية من التدخل السريع لإيجاد حل سريع حيال الأزمة، وبمجرد الإعلان عن الأزمة كان الرئيس أوباما يتحدث مباشرة مع ساركوزي على الهاتف، معبّراً عن قلقه، ومطالباً بحل سريع لإنقاذ الموقف.

وعلى الرغم من أن مايحدث في أوروبا قد يصب في مصلحة الدولار، إلا أن محمد فينيس يرى أن ذلك قد يكون في مصلحة قيمة الدولار فقط، الذي بدوره يعاود الإرتفاع أمام اليورو. أما على المدى الطويل فهو مما لاشك فيه يؤدي إلى انعكاس على حجم التجارة من الإستيراد من الدول الأوروبية، التي ما إن ينخفض سعر اليورو فسيقلل ذلك من حجم الصارات لديها، كذلك الحال بالنسبة إلى الدولار، الذي كلما انخفض سعره انخفضت حجم الصادرات الأميركية، وكلما ارتفع سعره ارتفعت حجم الصادرات الأميركية، مما يؤخّر الإنتعاش الإقتصادي للولايات المتحدة.

أما في ما يخص الإستثمار والمستثمرين، فيشير فينيس إلى أن ذلك قد يعود بالنفع على الولايات المتحدة الأميركية، لأن سوء الوضع في أوروبا قد يعني اتجاه المستثمرين إلى السوق الأميركي، الذي يصبح بذلك أكثر أماناً لهم في مجال السندات والإستثمار، ويصبح الدولار العملة الأكثر قوة. ولكن ليس ذلك على المدى الطويل. لذلك كان لابد من التدخل والإسراع في إيجاد الحلول للأزمة.

وكان تشارلز بلوسر، أحد مستشاري بنك الإحتياطي الفيدرالي، قد حذّر من أن الإنتعاش الإقتصادي للولايات المتحدة يمكن أن يتأخّر بسبب الإضطرابات الجديدة لأسواق المال. وهذا ما دفع الرئيس الأميركي للتدخل السريع لتهدئة المستثمرين في أسواق المال في وول ستريت، ووعدهم بتقديم رد سياسي ومالي قوي على الأزمة.

ويعتقد فينيس أن نمو الإقتصاد العالمي سيتعرض لخطر كبير، إذا لم يتم التدخل وتفعيل الخطة سريعاً، لأن ما يحدث سيمتد إلى الدول الأوروبية، مما يؤدي إلى انهيار أوروبا، علماً أن هناك بعض البنوك الأميركية مدانة للبنوك الأوروبية، مما يؤدي إلى نشوء أزمة مصرفية أخرى في الولايات المتحدة الأميركية، تكون أسوأ من الأزمة الأولى، ولن يعرف مداها، أو متى تنتهي.