البلاد التي أنجبت فائق حسن وعلي الوردي وحضيري أبو عزيز، وجبار رشك وجمولي، تقف اليوم حاسرة الرأس، تنادي مستصرخة ولا من مغيث، فقد غاب الأمان فيها، حيث القتل الذي يحصد المئات في النعيرية والمسيب والمشتل واللطيفية والحلة والموصل والرمادي، ليصل المواطن البسيط إلى نتيجة مآلها:أمان ماكو!في البلاد التي مصّر فيها أول حاضرتين في العصر الإسلامي؛ البصرة والكوفة، واحتضت بغداد مهد وحاضرة الدنيا، باتت مسرحا لأسراب البعوض الذي راح يتصدر غرف الاستقبال والنوم العراقية، بعد أن غابت خدمات الصرف الصحي، ليصيح العراقي: مجاري ماكو!
الواعي واللا واعي
تلك البلاد التي يقف فيها شبان بعمر الورد على قارعة الطريق، ينتظرون دورهم لتسليم أوراق تعيينهم، فيما تترصدهم السيارات المفخخة لتمزق أجسادهم، هم نتاج مقولة: شغل ماكو!المهفة التي راحت تملأ أرصفة المدن العراقية، في ظل الحر التموزي اللاهب، ما استحضرها العراقي اعتزازا بتراثه ووفاء لعادات الآباء والأجداد، بل استنطاقا حميما وصادقا لمقولة، كهرباء ماكو! وهكذا يكون قدر الشكو ماكو ملازما لهذا المواطن، حتى راحت هذه الماكو تظهر له في النوم والصحو، في الحياة و الممات، إذ أن الكثير من العباد ما حظوا بشرف الحصول على قبر، بعد أن تم دفن المزيد منهم في مقابر جماعية على يد القائد الضرورة، والذي غدا هو الآخر؛ قبر ماكو! بل أن العديد منهم من تزوج في أعراس جماعية، حتى ليصدق عليهم القول ؛ عرس ماكو!إنها حقبة اللاخبر واللا حامض حلو ولا شربت، تلك التي ترنم بها ذات يوم فاضل عواد، فالكآبة تصل أقصاها، والإجابات جميعا مقصورة على هذه الماكو، التي ألفها العراقيون، عامة ونخبة، حكاما ومحكومين، صغارا وكبار، حتى لم تعد تثير فيهم أية ردة فعل، فالمبلل لا يخاف المطر، على الرغم من أن المطر هو الآخر ماكو (( والهجر مو عادة قديمة لا ولا منكم غريبة)) فيما يبقى والملح والزاد، وحليب الوالدة غير المعقم بعد أن تسربت في أجساد العراقيات والعراقيين المياه الملوثة،فيما غدا مفهوم الأخوة رهنا بالبطاقة التموينية، تلك التي طالتها لغز نشارة الحديد في حنطة الحصة! والتي سيكون مآلها قريبا إلى؛ حصة ماكو!
أيها الناس الذين يعيشون لحظة: مواطنة ماكو! بعد أن صار الانتماء للطائفة والقبيلة والعشيرة والحزب، بديلا لكل شيء، كيف السبيل وأين الطريق، بعد أن نشر الحوسميون والمفخخون والمفسدون والمرتشون والظلاميون، بظلاله الثقيلة على واقع البلاد، حتى صاحت الناس ضوة ماكو!في الانفجار الصحفي المثير والمقالات التي تدبجها يراع الكتاب الصادقين، لترصد الحقائق والكشف عنها، تكون اللاأبالية وعدم الاهتمام، بمثابة الإحباط لحماسة الصادقين، حتى ليكون القول ؛ صدى ماكو! والإرهابيون الذين لا يتورعون عن ذبح العراقيين، لا يترددون من الإشارة المباشرة إلى أن مبرر عدائهم لهذا الشعب يقوم على فكرة أن العراقيين ؛ دين ماكو!
ألا يا أيها الليل الطويل
ألا يا أيها الماكو، يامن استبحت أرواحنا وضمائرنا وأيامنا، يامن نكلت بنا حتى غدوت حاضرة في كل شيء فينا، من أخمص القدم حتى قمة الرأس منا. أما آن لك أن تغادرينا؟هل أعجبك المقام بين ظهرانينا، لتكون حرب السنوات الثمان لدينا أطول من الحربين العالميتين، والحصار علينا أطول من كل حصارات التاريخ . والقتل فينا أبشع أنواع القتل، فهو قتل معلن على حد تعبير الروائي الكولومبي ماركيز، تتبرع ببثه فضائيات أبناء العمومة، في تسابق محموم، حيث الحق الحصري في عرض الدم العراقي، على أعين الأشهاد.
ضحكة الأطفال ماكو، الفرح ماكو، والحزن ماكو، بعد أن تقطعت نياط القلب وأدمنت اللاجدوى، و(( ون ياقلب ون ون)) لم يعد سوى الأنين الحاضر الأوحد، فيما أطفال النعيرية يتصارخون بأجسادهم النحيلة المقطعة، يثبتون أعينهم اللائمة في الوجوه التي غابت عنها الملامح والقسمات والمشاعر، ولسان حالهم يقول؛
كن هادئا واكتب على الحجر الصوان
قصيدة الفزع المدمى والرحيل
كانوا هنا
وعليك أن تبقى هنا
والتربة المعفاة من رسم الجمارك والمكوس ترنحت
من هول فاجعة الصراخ؛ بابا ....(( ولج يمة الحقيني))
انجدوني والسراب
هيهات أن تخفي صهيل الريح
حين تضج بالشكوى وتفترش النحيب
وكأنك المخذول
بعض حرائق، تفضي بك النكبات نحو تيبس الريق المعتم باختلاط القيح
والآتي يحث الصمت فيك
كن ها...... د....... ئا، وكفى عويل!
















التعليقات