هل يمكن القول أنه أمام الموقف الشوارعي المتوتر في لبنان و الذي بدأت قطرات الدم تبلل أرصفته لتقرب معها إحتمالات كريهة و غير مرغوبة لبنانيا ولكنها مرغوبة ومطلوبة من أطراف أخرى معروفة بالصوت والإسم و الصورة، أقول هل يمكن القول من أن نظامي دمشق وطهران قد تمكنا من تحقيق مآربهما وفرض بلطجتهما في الواقع اللبناني مع إشتداد وتيرة الشحن و التوتر و التصعيد في الشارع اللبناني و الذي تعمقه وتتكفل به مجاميع معروفة بطائفيتها المريضة و بالمدرسة الفكرية و السياسية التي تربت عليها طيلة أكثر من ربع قرن من جهود التبشير و التغلغل أيام الحرب الأهلية (1975 / 1990) والتي كان فيها لبنان فاقدا لسيادته الحقيقية و تتحكم به و بمصير شعبه زمرة من عصابات الضباط في الجيش و المخابرات السورية ومن والاها من النظام الأمني اللبناني البائد و العناصر و الزعامات الطائفية المعروفة و العميلة للنظام الإيراني التي نصبت من أنفسها آلهة وحاولت إسباغ القدسية و العصمة على تحركاتها و أصبحت للأسف تتحكم بتوجهات قطاعات شعبية مهمة ومغيبة في عوالم التدجيل و الخرافة و الولاء الطائفي البعيد عن لحمة الروح الوطنية الحقيقية، إنه صراع مقلق يمكن أن يصنف ضمن خانة التمهيد لجولة معادة جديدة وشرسة من الحرب الأهلية، فحكام طهران يبدو أنه قد عقدوا العزم ستراتيجيا على نقل معركتهم مع الغرب خارج حدودهم وتوسيع مساحة الصراع الستراتيجي والممتد حول ومن خلال العراق أيضا في محاولة لتخويف الخصوم وإرهابهم وغير مبالين بمصالح شعوب المنطقة ومصائرها!.
لقد إندلعت الحرب الأهلية الأخيرة (1975 / 1990) و التي حفلت بصور مرعبة من التنكيل و التدمير الهمجي على خلفيات وأسس متشابكة و متداخلة كان الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان أحد أهم متبنياتها ومسبباتها دون أن يكون السبب الوحيد، فأحداث عام 1958 التي كانت شبيهة بالحرب الأهلية نوعيا كانت أيضا جزءا من حالة الشد و الجذب الإقليمي أيام الصراع بين الناصرية و الأحلاف الغربية وكانت خارطة التحالفات الميدانية آنذاك تعكس طبيعة التوجهات السائدة بين مناصري الناصرية و مخالفيها، أما اليوم فقد تبدلت المشاهد الخلفية كميا و نوعيا عن أحداث الماضي القريب وأحتمى التحالف السوري / الإيراني بالعباءة الطائفية المريضة لتدمير حالة القرار الوطني اللبناني، فمع إنكشاف سياسة الإبتزاز و الغدر و الجريمة التي روعت اللبنانيين بعد مقتل الشهيد رفيق الحريري وقوافل الأحرار التي تبعته حاولت تلك الأطراف كنس معالم الجريمة و توجيه الأنظار نحو قضايا أخرى فكانت سياسة التوريط التي أتبعها حزب الله في حرب الصيف مع إسرائيل و التي دمرت لبنان ولكنها لم تدمر حكومته الوطنية الصامدة التي قادت الحرب الدبلوماسية بمهارة وإعجاب توج بهزيمة الإرهاب و دحره وإفشال مخطط توسعه ليشمل تخريب كل لبنان على رؤوس شعبه خدمة لدعاة (الحجتية) في طهران و (للرفاق المحصورين) في دمشق وهم يعيشون خريفهم الأخير بعون الله، فلم يكن الحل لدى الأطراف المسؤولة عن مسلسل الجرائم في لبنان إلا بتخريب المعبد على رؤوس الجميع وتحريك الشارع و الذي كان منذ أكثر من ربع قرن من الزمان يخضع لغسيل مخ ولمصالح مادية كان وجها من وجوه السكوت الرسمي عن تسلل إيران في جنوب لبنان وصرفها للمليارات هناك من أجل اليوم المنشود الذي جاء وقت قطافه بعد أن حوصرت الفاشية وفضح أهل الإرهاب عن ذواتهم وأدواتهم المريضة حتى تحولت للأسف مناطق واسعة من لبنان الجميل لمستوطنات إيرانية لم تتردد حتى عن أداء الآذان باللغة الفارسية وتضخم أهل الولاء الخارجي ليصبحوا متحكمين في القرار الوطني وهو نفس ما يحدث اليوم في العراق النازف و المشتبكة طوائفه في أقذر حرب أهلية، فتقسيم المنطقة لكانتونات و مربعات و طوائف وعشائر قد أضحت موضة الموسم، فالطغاة لا يسلمون أوراقهم بسهولة وتلك قضية مهمة سنكتب عنها موسعا تباعا، ولكن وسط الفوضى القائمة حاليا وضجيج الشارع ألا يحق لنا أن نتساءل عن مصير المحكمة الدولية المنتظرة بعد أن نصب غلمان طهران فخا دمويا قاتلا للوطن و الحلم اللبناني الجميل؟
[email protected]