عوى الذئب فأستأنست بالذئب اذ عوى
وصّـوت انسان فكدت أطيــــر
الاحمير السعدي من شعراء الصعاليك الامويين

مقدمة:
لقد نفذ صبرنا ايها الاخوة.. لقد نفذ صبر كل العراقيين.. من هو الاهم يا صناع القرار في العراق: انتم ام العراق؟ انتم ام شعب العراق؟ لماذا اخفقتم في مسيرتكم المتعّثرة؟ هل لم يزل هناك من ساذج يبسّط الامور في العراق امام العراقيين؟ هل هناك من لم يزل يعتقد ان المشكلة عراقية بحتة، ام ثمة اوراق يلعبها هذا باسم هذا الطرف الخارجي ام ذاك الاقليمي؟ دعوني أسأل كمواطن عراقي ليس له الا استقرار العراق ومصلحة العراقيين.. ليس له من هم الا وانجلاء القوات الاجنبية عن تراب العراق بعد عودة العراق الى حالة الاستقرار وطور البناء وبعد ان يصبح العراق كله حاضنة لكل العراقيين؟ اذا كان الامريكان يعترفون بارتكاب اخطاء.. الم يحن الوقت ايها السادة للاعتراف بالاخفاق والاستعانة بمن ليس له اية اهداف غير الوطنية العراقية؟ ولم تقف تساؤلاتي عند هذا الحد.. بل لابد لنا ان يكاشفكم اغلب العراقيين الذين يريدون حلولا واقعية بعد كل هذا الطوفان الذي لا ادري كم تتحملون المسؤولية عنه.. وهنا، لا اريد ndash; كما يطالبني البعض ndash; بذكر اسماء او تشخيص كتل واحزاب ndash; وهذا ما لا افعله، اذ لا يمكنني ابدا ان اقف مع احد ضد آخر. انني اضع علامات استفهام كبيرة على كل ما جرى ويجري ! انني لست ضد العملية السياسية في العراق، ولكنني لست مع سيرورتها الحالية واخطائها ومشكلاتها التي تسهم في المزيد من الاخفاقات.

تساؤلات لا حدود لها
ماذا يمكن تسمية كل هذا الذي يجري في العراق؟ ماذا يمكن للعراقيين ان يقولوا قبل غيرهم عن أوضاع بلدهم؟ لماذا يتهّرب البعض من هذا الواقع المضني الذي يعيشه المجتمع؟ ماذا تبّقى من الشعور الوطني الذي لم يزل يتشّدق به العراقيون؟ هل المسألة لم تزل منحسرة بفلول وجماعات يسيئون للامن الوطني لتبقى العملية الامنية متهتكة؟ لماذا لا يعترف الزعماء العراقيون بالتقصير امام الشعب وهم يتصارعون على السلطة كما يتنازع الأطفال على الحلوى أمام هذا العالم، او كما يتصارع الديكة في ما بينهم على مرأى ومشهد العراقيين؟ ماذا تبقّى من الخجل الذي كان من المفروض ان يكتسي به من يتجرد لحمل المسؤولية؟ وأي مسؤولية هذه التي يقتحمها رجال من المجربّين، غير متشاحنين وغير متعصبين او عصابيين وغير منتمين الى فصائل النظام السابق.. لضبط الحكم في العراق واخراج العراق من ازمته الصعبة؟
وماذا ايضا؟ متى تتحقق امنيات العراقيين؟
لماذا لم يزل كل الذين يتجاذبون الادوار لتوزيع المناصب العليا والدنيا يفكروّن وكأنهم في صفوف المعارضة؟ ماذا تبّقى لهم من رصيد يمكن ان يحمله ابناء الشعب العراقي قاطبة ازاءهم؟ الى متى يبقى هؤلاء يتشدقون بالديمقراطية وحقوق الانسان، وكأنهم صدقّوا انفسهم ان الشعب قد اختارهم هم انفسهم لحكم العراق.. من دون ان يفكروا يوما بأن انضواء اسماءهم في قوائم وما جرى من تصويت الشعب على قوائم تسمّت كل قائمة باسم طيف او كتلة او مرجعية او قومية.. اذ وجدوا انفسهم فجأة في هذا المكان الذي لا يحلمون به ابدا؟ لم ادافع عنهم في يوم من الايام، بل كنا وما زلنا ندافع عن quot; شعب quot; كان وما يزال يغرر به تحت quot; شعارات quot; براقة فيخرج بالملايين حينا للهتاف باسم زعيم، او للمبايعة لقائد ضرورة، او للاستفتاء على دستور لا يدرك مضامينه، او خروجهم تحت النار لانتخاب قوائم اعتقد انها تنقذه من مصائبه.. شعب وجد نفسه فجأة يكره بعضه بعضا الى درجة القتل واستخدام التهجير والتطهير العرقي والطائفي.. الى متى يبقى اولئك الذين خرجوا علينا وجعلوا انفسهم ساسة ومثقفين ونخبا جديدة بديلا عن مثقفي وساسة السلطة الراحلة؟

هل من استعادة التفكير ايها العراقيون؟
ان ما يستخدم من ادوات ارهاب سياسي وفكري وطائفي لدى العراقيين اليوم يجعلنا نعيد التفكير في كل هذه العملية السياسية التي لم تزل يباركها من اغمض عيونه عن الحقائق ولم يعد يسمع او يرى ما حلّ في البلاد من انقسامات مريعة لا يراها الا من يعرف معنى العراق تاريخا ومجتمعا وجغرافية ! صحيح ان الأفواه العراقية كانت منغلقة على امتداد أربعين سنة، ولكن ان تصبح هذه الافواه معبّرة عن انقسامات حادة في المجتمع فان جناية زعماء اليوم ستتحمل آثارها الاجيال القادمة ! ان استمرار الاوضاع تسير من سيئ الى أسوأ لابد ان يعترف بها من قبل كل الذين ما زالوا يتشدقون بتطور العملية السياسية في محافلهم وفضائياتهم وصحفهم ولقاءاتهم التلفزيونية.. وعليهم ان يعترفوا بأن المسألة ليست مسألة حمائم سياسية ديمقراطية وديعة أو ذئاب أرهابية دموية متوحشة، بل ان هناك من يوّفر الظروف لولادة التوحش بكل غلوائه في العراق !
ان الاوضاع لا يمكنها ان تصلح بالسهولة التي يتصورها الناس، كما وعدوا دوما.. ونحن ندرك كم عّول الناس على كل خطوة يخطوها القادة الجدد الذين يقدمون دوما مصالحهم الشخصية والفئوية والقومية والطائفية والحزبية والكتلوية على مصلحة العراق التاريخية ومصالح العراقيين العليا.. وكانوا وما زالوا يخدعون كل العراقيين بأن وراء كل خطوة سيقضى على الارهاب وعلى كل الجماعات والعنف.. ولكن تأتي الصورة معاكسة ليس لرغباتهم، بل لامنيات شعب صبور تعب جدا من كل واقعه المضني بعد تاريخه المؤلم.. وانه شعب مسكين لا يعرف طريق الخلاص..
المشكلة ان الزعماء الجدد وكل اولئك الذين انتخب الشعب قوائمهم لا يعترفون بما في العراق من مشكلات صعبة جدا لا يمكنهم حلها ابدا، لأنهم غير مؤهّلين للزعامة وغير مؤهلين ابدا لحل ما يوجد في العراق من تعقيدات صعبة جدا.. انني مع احترامي لهم جميعا، لابد ان اقول لهم بانهم اضعف من ان يدركوا موروثات العراق الصعبة وحقائق العراق المعقّدة واساليب ادارة الازمات وممارسات الانفتاح على الشعب العراقي .. وانهم اضعف من ان يدركوا تجارب زعماء العراق السابقين الواقعيين الذين كانوا يدركون معنى العراق وطبيعة مجتمعه ونسيج علاقاته..

معالجات التأسيس لم يؤخذ بها
بعد شهرين فقط من سقوط النظام السابق على ايدي قوات التحالف وهيمنة الاحتلال الذي اعترف هو نفسه انه quot; محتل اجنبي quot;، نشرت ورقة ازعم انها مهمة جدا، واسميتها بـ quot; منفيستو العراق: من اجل ستة مبادئ وطنية quot; ( انظر: جريدة الزمان، العدد 1532 بتاريخ 16 حزيران/ يونيو 2003 ) وكنت انشر طوال السنوات الثلاث التي مضت ndash; كما هو حال غيري من العراقيين - عدة مقالات تمّهد لتأسيس جديد على مرتكزات مدنية وحضارية لا يمكن للعراق ان يحيا من دونها.. وكنت اتمنى صادقا ان يمضي بتنفيذها العراقيون ولم يكن الانقسام الاجتماعي والسياسي والثقافي والاعلامي قد حصل بعد.. ولكن ويا للاسف الشديد لا المحتل سمع للعراقيين المستقلين ولا زعماء الاحزاب ( المعارضة ) سابقا قد سمعت او استأنست لغيرها في فتح خارطة طريق جديدة للعراق !! انني اعتقد انه ما كان مصير العراق والعراقيين ليكون هكذا لو استمع كل من الطرفين للاراء والافكار الحيوية التي كانت قد عرضت من قبل اناس لا مصلحة لهم الا العراق، ولا هدف لديهم الا خدمة العراقيين من بعد آلاف الاميال.. صحيح انها افكار قليلة، ولكنها انبثقت عن مصداقية وطنية ونظافة سياسية واجندة شجاعة كانت ولم تزل تعمل من اجل المجتمع لا من اجل احزاب او كتل او طوائف او اجندات..
لقد كنت ولم أزل أطالب العراقيين بالاجتماع على مبادئ وطنية لا حيدة عنها، وهي مرتكزات لتأسيس وطني ومدني وحضاري .. وان تتنازل كل الاحزاب والكتل العراقية الحالية عن اهدافها التي تسوّقها باسم العراق والعراقيين لأي اجندة انقسامية او طائفية أو قبلية او شوفينية او كتلوية او هيئوية، وعليها ان تحل كل الميليشيات والذيول التي كانت قد تكونت في ايام وسنوات المعارضة.. فما دامت مؤسسات الدولة السابقة قد انهارت وانحل الجيش السابق وتفتت الكيان السياسي السابق.. فلابد ان تتبدل كل اجندة من كان يعارضه لتحقيق اهداف جديدة، فلقد انتفت الاهداف السابقة.. بل لابد من بدائل جديدة وهي بدائل وطنية لتحّل بديلا عن المؤسسة الحاكمة السابقة وليكون الاختلاف في داخل البنية الجديدة لا الاختلاف حول تلك البنية.. انني اعجب من البعض عندما سئل قبل يومين عن تفكيك واحدة من المليشيات، اجاب بالنص: انني اعتبر ميليشياتنا مقدسّة !!

العراق ملكا للجميع
ان العراق حتى يومنا هذا وبعد مرور ثلاث سنوات لم يتفق خلالها العراقيون على مبادئ وطنية يمكنها ان توصل العراق الى شاطئ الامان، لقد زاد من المعضلة: اجراء طبخات سريعة في اجواء متشاحنة وفقدان الامن والنظام للوصول الى اهداف محددة.. وكّنا نتأمل ان يتضمن دستور العراق الدائم تلك المبادئ المدنية العراقية الحقيقية التي لا يمكن ان يجد أي عراقي نفسه خارجها مهما كان طيفه، ولكنني اعتقد ان ملايين العراقيين اليوم يجدون انفسهم خارج اطار ذلك الدستور وفي مقدمتهم اولئك الذين يؤمنون بعراق مدني لا تلعب به اية محاصصات، ولا تذبحه اية انقسامات اجتماعية ولا يقامر باحتساب العملية السياسية على اساس الاغلبية والاقليات ..
انني اسأل: هل كان العراقيون ليختاروا المبادئ التي اتفق عليها معارضو الحكم السابق في مؤتمر لندن لو نجحوا في قلب نظام الحكم السابق بأنفسهم؟ وهل كان زعماء العراق اليوم يحلمون ان يحكموا العراق لولا اعتمادهم على الولايات المتحدة الامريكية.. انني اعترف بأن بعضهم له صفحات نضالية ولهم ادوارهم السياسية الشجاعة، ولكن ثمة اسماء لم نسمع بها ابدا جاءت من خلال شركات خاصة وعيادات والقاء مواعظ وتجار.. واتفاقات جرت قبل ايام من احتلال العراق.. هل يمكن للقادة العراقيين اليوم انكار ادوار اولئك العراقيين الذين يعّدون بالالاف المؤلفة وهم من الذين عارضوا النظام السابق او اولئك الذين اختلفوا معه وخرجوا من اطواقه وتعرضوا للملاحقات والاضطهاد؟؟ ويجدون انفسهم اليوم مهمشّين بل ومضطهدين ايضا.

مسلسل مخطط له أم سيرورة فوضوية؟
هل يمكنكم ايها العراقيون ان تراقبوا مثلي الاطروحات التي جرى تداولها منذ سقوط النظام السابق حتى اليوم ، فالهدف الذي تحقق باسقاط نظام صدام حسين، بدأ الانطلاق في ظل الاحتلال بتشكيل حكومة مؤقتة من اجل تأسيس حكومة دائمية، فتأسس مجلس الحكم بكل ما حفل به من اخطاء.. لينفض بعد كان تشكيله على اسس محاصصة مضادة للمشروع الوطني، وعدّ صدمة من خلال تطبيقاته المزرية في الوزارات الاولى , وفي العام 2004، مرّ العراق بمشكلات صعبة اعتبرها القادة العراقيون والامريكان انها مجرد مشكلات ستزول بعد الانتخابات ! وجاءت سنة 2005 لتحمل اجندة جديدة ما كان يعلم بها العراقيون.. والعراقيون ينتقلون من طور الى آخر ضمن انقسامات في الشارع وفي المناطق، وتكّرس الانقسام في لجنة كتابة الدستور التي اخرجت دستورا اعتبره اصحاب العملية السياسية انه المنقذ الاساسي للعراق، واذكر انني اعترضت عليه اعتراضا شديدا ومعي نخبة من السياسيين المستقلين في تموز / يوليو 2005.. اذ انه يحمل تناقضا صارخا بين الديمقراطية والدين !
وجرى في نهاية العام 2005 الاستفتاء عليه لينتهي المخاض منه بالموافقة مع معارضة واسعة لسبب واحد انه يكّرس مشروعا للانقسام لا يقبله العراقيون. وعندما دخل العام 2006، بدأ الحديث فاضحا عن الانقسام أي انقسام العراق لدول ثلاثة.. وكأنه الحل السحري الذي سينقذ العراقيين من دون ان يعي اولئك الذين يطالبون بهذا quot; الحل quot;، انه هو الذي سينحر العراق كله، وان كل ذلك هو الثمن التاريخي، وكأن العملية مرتّبة ضمن خطة مرسومة لتحقيق هدف معين.. ولا يخفى على اللبيب انه بقدر ما افتقدت العملية الامنية في العراق بقدر ما تقدمت العملية السياسية على حساب الوصول الى ذلك الهدف من دون أي شعور وطني.. والمشكلة ان كل ذلك يمّرر سريعا باسم الديمقراطية والدستور.. من دون ان يسأل المسؤولون انفسهم: هل يمكن تنفيذ أي عملية سياسية في ظل أوضاع شاذة؟ ومن دون ان يجدوا مثالا تاريخيا واحدا مشابها نجحت فيه العملية السياسية على امتداد تجارب العالم كله. لقد وصل اليوم رأي بعض العراقيين ان لا علاج لا الانقسام المناطقي نتيجة التفسخ الحاصل.. فكيف يمكن حتى لهؤلاء ان ينحروا العراق من اجل الخلاص؟؟

وأخيرا: هل فات القطار؟
كنت اتمنى على العراقيين ايضا ان يكونوا اكثر دقة في اطلاق التصريحات ونشر المعلومات الخاطئة التي لا حقائق لها من دون ان يعلموا انهم باسلوبهم ذلك انما يهيجون مجتمعهم ويضربون هذا بذاك.. جملة هائلة من المعلومات جرى تداولها مأخوذة من الخارج عبر قنوات لا حصر لها، يذيعها اناس يتقصدون نشرها ليتداولها العراقيون كانها حقائق فتكون بمثابة وقود للنار المستعرة في القلوب.. ولعل من ساهم ولم يزل يساهم بمثل هذه العملية الاعلامية الوبائية: فضائيات اختصت باثارة النعرات وتهييج الرأي العام وبث مجموعة اقوال وتصريحات مسمومة.. اذ اصبح كل عراقي يعتقد انه مضطهد من قبل العراقي الاخر.. هذا اذا استثنينا فقدان الامن والنظام وارتكاب كل الموبقات التي لم يعالجها احد، اذ اصبحت مناطق عدة في العراق خاوية من اية سيطرة. ولا اذكر هنا ما يعانيه كل العراقيين من انتفاء الخدمات التي لم اجد مسؤولا واحدا يعمل من اجلها.
السؤال الان: هل فات القطار على العراق والعراقيين؟ ربما خسر العراق واهله كثيرا من احلامهم وازمانهم وآمالهم ومواردهم.. ولكن لم يزل هناك متسع من الزمن لمعالجة الامور، واستدراك الاخطاء متمنيا على الجميع ان يعترفوا بما جنوه على العراق بعيدا عن استعراض العضلات وتمجيد الادوار. وما زلت اطالب الحكومة الحالية بالتحقيق في امور طالبناها بها، من دون أي اصغاء لأية كلمة، وكأن من ينتقد الوضع القائم يدخل في عداد الكافرين ! اتمنى على الاخوة الذين يتشاحنون اليوم من اجل المناصب وقد تركوا العراق لمصيره المؤلم ان يتفقوا على أي صيغة للخروج من النفق المظلم.. ولتتشكّل حكومة عراقية تفني نفسها من اجل العراق وخدمة العراقيين والبدء بصفحة جديدة تختلف عن كل الصفحات التي مضت. فهل سيتحقق ذلك؟ انني اشك في ذلك.
www.sayyaraljamil.com