يا منزلا عبث الزمان بأهله فأبادهم بتفرّق لا يجمــــع
اين الذين عهدتهم بك مرّة كأن الزمان بهم يضـرّ وينفع
أيام لا يغشى لذكرك مربع الا فيه للمكارم مربــــع
ذهب الذين يعاش في اكنافهم وبقي الذين حياتهم لا تنفـــع

شاعر عربي

مقدمة
قبل قرابة عشر سنوات نشرت دراسة علمية عن تجربة اتاتورك العلمانية في تركيا في مجلة متخصصّة، وقد أثارت احدى عباراتي صديق عزيز علّي واستاذ قديم لي وهو متشّدد يختلف عني كونه يؤمن بالاسلام السياسي بينما لست من المتشددين واؤمن بالاسلام الحضاري والانفتاح على العالم.. فكان ان ارسل لي رسالة شديدة اللهجة يكفّرني فيها، فاجبته بكل هدوء ولكن ببأس شديد قائلا له: أن من يكفّر (بكسر الفاء) الناس يكفّر (بفتح الفاء)! والتقينا بعد سنوات فاعتذر الرجل مني واعترف بخطئه.. وعاد راجعا للعراق وانني اعتقد جازما انه لم يزل يؤمن بافكاره المتشدّدة التي احترمها، لكنه لا يمكنه البتة ndash; كما اعتقد ndash; ان يؤمن بافكاري حتى وان غدا العراق بطوله وعرضه بركة من الدماء القانية! وكلما نصعق بفشل الاسلاميين اتذكر صاحبي..
واذا كان الناس يعتقدون بأن كلّ المصائب من الامريكان، فان الجميع قد تعامل مع الامريكان منذ خمسين سنة ومن ضمنهم اعتى الاسلاميين، وان الداء ان لم يجد له ارضية صالحة لا يمكنه ان يسري ويتغلغل في أي جسم ولا أي هيئة اجتماعية. لقد صنع العراقيون واقعهم المضني بايديهم، ووجد الامريكان وغيرهم ارضية صالحة لكي يصيب العراق كل هذا التهتك وكل هذا التفسّخ وكل هذه الانقسامات التي اعتقد ndash; وربما يخالفني الكثير من الناس فيها ndash; ان لا يمكن علاجها كما هو مألوف اليوم، بما يجري من معالجات شكلية وترقيعية ومظهرية، في حين تترسّخ يوما بعد آخر دعائم التمزق في المجتمع بعد ان عجز كل العراقيين عن تأسيس كيان سياسي وطني مستقر يأخذ شيئا فشيئا باسترداد انفاسه وعادة بناء نفسه وتشريع دستور مدني له، خصوصا وان الهدف كان تغيير النظام السياسي ليأخذ تاريخ العراق طريقا آخر، ولم يكن هدف العراقيين يقضي بتغيير بنية المجتمع ولا تغيير جغرافية العراق. ان هذا المقال يقدّم بعض النقدات والتحليلات لما يكمن في تفكير الكثير من العراقيين الذين اتخذوا quot; الدين quot; سبيلا لهم.. فكان ان غدا الدين الاسلامي في العراقي: سنة وشيعة مما فرض بالنتيجة انقساما لا مناص منه!

مشروع اختيار صعب
لم يشهد تاريخ العراق بطوله وعرضه ما يمر به واقعه اليوم ومنذ سنين.. وكأن حلمنا بعراق جميل لم يتبدد حتى الان، بل لأننا كنا على وهم كبير في الذي يجري على ترابه وفي كل صقع من اصقاعه! وكم انتقلت ولما تزل الى ثقافته من تعابير وافكار ومعلومات لا أساس لها من الصحة أبدا.. وكأن quot; المشروع quot; يظهر بوجه كالح وتختبئ في بواطنه جملة أسرار لا يريد البعض فضحها، وهو يعلم علم اليقين بأن البلاد التي تعيش تحديات كبرى لا يمكنها ان تبقى معرضة للفناء من خلال اجندة الانقسام والمؤلم جدا ان يكون ديننا الحنيف اسلوبا يتنازع من خلاله على مذهب او ارض او مصالح او طائفة... ان كل المتغير السياسي في العراق اليوم يبدو كأنه مشروع اختيار صعب لا تنفع معه كل مقاصد الحكماء ولا العقلاء ولا الخبراء.. ومن امامهم quot; نخبة quot; لا تفقه العمل السياسي الحقيقي وافرادها تراهم جميعا وقولوبهم شتى فأحدهم لا يطيق احدهم الاخر، وهي quot; نخبة quot; لم يصطفها الشعب اصطفاء بالاسم، وهي لا تجيد الديمقراطية، بل ولا تعرف من علوم السياسة وامكاناتها الا كيف تفرغ البلاد من ثرائها الحضاري والثقافي والاخلاقي بعد كل الفراغ الفكري والسياسي والاجتماعي الذي يعيشه العراق منذ خمسين سنة!

تأسيس الافتراق من خلال (الدين) ومذاهبه
لا احد يختلف ان الدين الحنيف كان عامل توحيد وسماحة ومحبة وتعايش وتضامن.. ضمن الاليات التي خلقها الفاتحون الاوائل او من المؤسسين اللاحقين الاواخر، ولكن لا يمكن الجمع اليوم ابدا بين مرجعيات الدين بكل الوانه ومذاهبه وطوائفه وبين آليات السياسة الراهنة ومؤدلجات الحاضر وتعقيدات التفكير المعاصر! وعند ذاك سيصبح سوء استخدام شعار (الدين)مؤسسا للافتراق وسيخبو دوره الحقيقي في بناء اخلاقيات المجتمع، بل وتغدو المتداولات المذهبية والطائفية والانقسامية مرجعيات متضاربة للتأويل وتصريف العواطف وعلى اشد ما يكون ذلك من الاضطراب والسخونة والالتهاب، وفي مجتمع صعب له تناقضاته وتنوعاته وتبايناته كالعراق.. فان المستقبل سيغدو مظلما شئنا ام ابينا، اذ لا احد يقتنع بأن كل العواطف تموت الا العاطفة الدينية والمذهبية والطائفية، فكيف وان النزعات العرقية والاثنيات تبحث لها هي الاخرى عن ملجأ او خندق أو هوية ليبرز كل طرف عضلاته على الطرف الآخر، فهذا نوع من صناعة الجنون التاريخي وفي خضم ضياع الارادة العراقية المختنقة بايدي محتل غريب او باختراقات قوى افتراس المحيط.
ان افتراق العراقيين سياسيا قد غدا امرا واقعا بين سنّة وشيعة اليوم، اذ يعدّ حصيلة اذكاء للمشاعر الانقسامية التي يؤججها كل طرف على حساب الطرف الاخر، فالسنة في الاسلام السنّي عندهم لا يستحضرون التاريخ مطلقا في صناعة واقعهم المضني، فهم يمجدونه بل جعلوا من الدين اسلاما سياسيا متنوعا ومتعددا بين سلفيين وجهاديين ومقاومين واصلاحيين واخوانيين.. الخ يصنفون من قبل الطرف الاخر بـ quot; القتلة الارهابيين quot; وخصوصا في غياب السلطة السياسية الاقوى التي لابد لها ان تحكم المجتمع والذي وصفوه بـ quot; الجاهلية quot; أما الشيعة في الاسلام السياسي عندهم، فهم على النقيض اذ جعلوا من الدين اسلاما تاريخيا، يستعيدون كل التاريخ منذ تلك اللحظة الانقسامية الاولى ويرسخّون موقف المظلومية التاريخية ويدعمونها بما في فكرهم من المواقف المضادة بدءا بالصحابة والست عائشة ومرورا بالامويين والعباسيين ووصولا الى العثمانيين والقوميين وصدام حسين! وهم يصنفون بـ quot; الروافض الصفويين quot; من قبل خصومهم السياسيين لا من قبل الذين تعايشوا معهم ازمانا!! وهنا يتشظّى المجتمع بشكل لا يمكن تخّيله وعلى حساب الجميع وبضمنهم كل السكان باكثرياتهم واقلياتهم.. وهذه هي العلة الاولى التي بدأت تتأسس بشكل علني في مجتمع التعايشات العراقية القديمة ليتشظى من خلالها كل العراق في اصعب مرحلة لم يمر بها العراقيون من قبل ابدا برغم كل الصراعات المذهبية على ترابه في ازمان مضت!

تفكك البنية الاجتماعية: العلمانيون ضحية الطرفين
ان المسألة لا يمكن حصرها بصراع سياسي انبثق من اختلاف اجندة او برامج او شعارات سياسية، بل انها تمثل حالة صراع اجتماعي لا يمت بصلة لأي انواع الصراعات الاجتماعية: لا الطبقية ولا الثقافية ولا الجغرافية.. بل انه صراع ينبثق من دين مذاهب وصراع تاريخ.. أي انه: صراع عواطف ملتهبة تتخندق بكل شراسة لتتفجر عنها صراعات في السياسة والثقافة والجغرافية وفي الاصل والمركز والفروع والاطراف..!! ان صراع الطرفين السياسيين: الشيعي / السني العراقيين قد دق اسفينا ليس في البنية الاجتماعية لوحدها، بل في التفكير السياسي الذي بات يستأسد به كل المتدينين او كل من هّب ودّب بسرعة ليكون في عداد هذا الحزب او ذاك، فالعملية ليست مسألة ثوابت دينية راسخة ولا مسألة مبادئ وطنية ثابتة، بل انها مجرد اطلاق لحية وحمل سبحة وترديد عبارات دينية معينة.. بحيث بات العلمانيون والمستقلون وكل الرافضين من المدنيين والعسكريين بانتماءاتهم العراقية الى عوائل واسر محسوبة على هذا الطرف او ذاك: زج الدين في العملية السياسية ضحية في صراع الطرفين. كما ان المرأة هي الضحية الاخرى التي ستكون فاقدة لكل شخصيتها وادوارها ان بقيت كما هي عليه اليوم في العراق.
ان العلمانيين تجتمع عندهم كل الاطياف ولكنهم اليوم منبوذون على اشد ما يكون النبذ من قبل كل الاسلاميين سواء من العراقيين، او من العرب والايرانيين.. مع اختلاف مكانتهم في المجتمع التركي بسبب نضوج الاحزاب الدينية التركية في ظل العلمنة التركية. وان الاستثناء الاكثر اهمية ربما يبدو لي في اقليم كردستان العراق، اذ ان للاخوة الاكراد استراتيجيتهم القومية التي كانت من صنع العلمانيين الاكراد ولكن تكتيكاتهم اليوم هي التوافق مع كل الاطراف الدينية والطائفية من اجل مصلحتهم التاريخية التي لم تتوفر ابدا لهم من قبل، ولعل الدافع القومي للاخوة الاكراد هو الذي جعلهم يتفقون على quot; استراتيجية quot; لا يختلفون عليها، ولكن غدت لهم القدرة على استخدام تكتيكات سياسية ذكية، ليس منذ ثلاث سنوات فقط، بل منذ زمن طويل بالتعامل مع كل الاطياف السياسية والدينية في مقدمتها سواء كانت شيعية او سنّية ضد حكم صدام حسين.. واتمنى على الاخوة الاكراد وكل الاطياف الاخرى ان يكونوا جميعا عامل ربط ووصل بين السنة والشيعة وايقاف أي صراع طائفي في العراق. كما ولابد من مرسوم عراقي يتفق عليه الجميع في ان يحترم كل عراقي مشاعر الاخر ويعمل في سبيله ويتعايش معه ويتآخى في شراكته ويدافع عنه ضد كل الطارئين.

الصراع الطائفي سيعمل على تآكل العراق
ولكن هل ينجح أي تعامل بين العلمانيين والمتدينين، اذ لا يمكن للعلمانيين ان يقبلوا التعامل مع تهويمات الاسلاميين، فاذا كان العلمانيون باستطاعتهم صياغة برنامج مدني وسياسي متحرر، فان الاسلاميين لا يمكنهم ابدا صياغة أي برنامج مثله، بل يمكنهم ان يقدموا خطابا او وعظا او انشاء وهذا ما نلمسه من تجاربهم في الحكم ليس في العراق وحده، بل في بلدان اخرى! ولقد اثبت التاريخ بأن العراق لا يمكن ان تحكمه احزاب طائفية ولا هيئات مذهبية ولا جماعات دينية البتة اذ انها ستعرضّه للانقسام والتآكل، وستقتل فيه كل تاريخه الحضاري، ليس لما تتضمنّه من آفات ويوتوبيات وثوابت وتحريمات وتكفيرات ومحددات.. بل لأن العراق يقع في منطقة جد حساسة من الناحية الجغرافية، وهو قابل لجذب المشكلات التي دوما ما عرفنا من التاريخ انها تتعقد وتصبح ازماتها معضلات غير قابلة للحل الا بعد طوفان من الدماء! وسيفنى مثل هذا الواقع اغلب العلمانيين الذين ستضيع اصواتهم في خضم موجات الصراع الطائفي في العراق والذي سيأخذ وقتا طويلا.
وهنا اقول بالاحزاب والهيئات والجماعات ولا اقول بالاسلام نفسه ولا بالمسيحية ذاتها. والامر لا ينحصر بالعراق وحده، بل هذا هو حال الاوضاع الانقسامية في اغلب التجارب الدينية العربية. اما ايران، فليس لها احزاب تحكمها، بل تحكمها جماعة واحدة لا برنامج سياسي لها بقدر ما لديها ايديولوجية ولاية الفقيه التي تهيمن على كل الحياة فيها. ان كل ما نسمعه من شعارات الديمقراطية هي مجرد فذلكات واكاذيب، اذ لا يمكن ابدا ان تتحقق الديمقراطية ولا حتى الوقوف على حوافيها من قبل احزاب وفئات دينية، فالديمقراطية صناعة بشرية وكل مبادئها واهدافها حالة مدنية، بل وحتى آلياتها ووسائلها لا تستقيم واجندة الاحزاب الدينية او الطائفية او المذهبية، والناس لا تنكر ذلك اذ يقول عقلاؤهم بأن الديمقراطية صناعة غربية.. وهذا صحيح، وعليه، فلا انتخابات يمكن ان يستعرض فيها الاسلاميون عضلاتهم فهناك عندهم البيعة الاولى والبيعة الثانية.. وهناك عندهم ايضا اهل الحل والعقد وهناك الشورى.. وكلها آليات تختلف مع روح الديمقراطية التي توفر مناخات تحرمها الشريعة الاسلامية جملة وتفصيلا.. ففي الديمقراطية حريات سياسية تنبثق اصلا عن حريات تفكير وحريات شخصية.. لا يمكن ان نجدها البتة في الاسلام مهما بلغ به المتفقهون! وعليه، فان هذا العصر يطالب المسلمين في مشارق الارض ومغاربها باستحداث فقه جديد يأخذ بمصالح العالم الاسلامي من خلال علم المقاصد وتجديد كل المذاهب والاجماع على الرأي، وبعكسه فستبقى الاحزاب والجماعات الدينية تكذب على الناس والناس يصدقونها من دون أي تفكير!

من أتى بالاسلاميين الى الحكم؟
لعل من اكبر الاخطاء التي مارسها الليبراليون والراديكاليون من الشيوعيين ومن القوميين الناصريين والحركيين والبعثيين في القرن العشرين عدم ممارستهم لأي وجه من اوجه الديمقراطية ليس لكل القوى السياسية التي كانت على الساحة، بل حتى لانفسهم، أي انهم لم يفسحوا المجال حتى لبعضهم الاخر في ان يتنفس ويعمل على احترام المقدسات وفصل الدين عن الدولة، بل خاضوا صراعا في ما بينهم انفسهم على حساب السلطة اولا وعلى حساب مسك العصا من الوسط ثانيا وعلى حساب فسح المجال امام القوى الدينية والطائفية والمذهبية ان تقفز الى الصف الاول ليس على ايدي الاحتلال حسب، بل على ايدي الانظمة السياسية السابقة.. واذا كانت تلك القوى الحزبية الدينية قد تمتعّت بشعبية كبيرة في العالم الاسلامي، فالسبب يرجع الى اخفاق النظم السياسية العربية وغير العربية في معالجة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبسبب فاضح من الصراعات السياسية والايديولوجية التي خاضتها لاسباب خارجية او داخلية، وضيّعت على المجتمعات قاطبة اهم الفرص التاريخية في التكوين السياسي والحضاري معا.. كما وتلاعبت قوى خارجية متنوعة بانظمة الحكم وسياساتها على امتداد نصف قرن، وفي ظل الحرب الباردة وبقيت المنطقة عرضة للانقلابات وهوس الشعارات وصراع الايديولوجيات وبلادة التفكير بين ادعاءات الرجعية وشعارات التقدمية! بل وجعلت فصائل المجتمع تهرب الى الماضي لتجد ضالتها في احزاب دينية تشبعها بالاحلام والرضى النفسي المقنع بالنصوص القاطعة.

تفكك العراق.. من يعالجه؟
ولما كان العراق من الصعوبة بمكان معالجة واقعه المضني منذ خمسين سنة، فانني اعتقد انه الوحيد الذي عانى وسيعاني من حالات التفكك والانقسام في ظل الاحتلال وما بعد الاحتلال خصوصا وان مشروع الدولة قد ذهب منذ عهد بعيد. ولقد ظهرت كل العيوب في غيبوبة قسوة الدولة الحقيقية وسقوط النظام المتسلط. هناك ثمة اسئلة طالما سمعتها من اساتذة غربيين كبار كانوا يقولون ويسألون: هل باستطاعة العراقيين ان يحكموا انفسهم بأنفسهم ؟ كنت اغتاظ من هذا السؤال فجوابه يفضح كل المعاني.. ويسألون ايضا: هل باستطاعة العراقيين التخّلص من عصبياتهم وعنادهم وخشونة طباعهم وكراهيتهم في ما بينهم وتيبّس عقولهم وعدم تنازلهم عما في رؤوسهم ؟ وكنت استاء من هكذا اوصاف تجعلني افقد صوابي.. ولكن بالرغم من صراحتهم وعمومياتهم، الا ان بعض ما قالوه فيه صحة وخصوصا بعد ان نخر الزمن الصعب الطويل عادات وتقاليد مجتمع، فاصبح المجتمع منخورا بعد ان مات الصبا والجمال في اجزاء واسعة منه.. وباتت الرعاع تنتشر في كل مكان!
نعم، مع مرور الايام والسنين، اكتشف في العراقيين أهوالا من التناقضات التي لا يمكن وصفها ابدا، بل على العراقيين انفسهم الا ينكروا بروز جلادين من بينهم يبطشون بهم، وان quot; المسألة الوطنية quot; مجرد كذبة كبيرة لدى العراقيين الذين باتوا لا يتعاملون الا بحز الرؤوس وتفجير البيوت وقتل الابرياء واحتواء الاشرار وتفخيخ السيارات وتهجير الناس.. الا لمجرد كونهم شيعة او سنة ؟ فهل يمكن لهكذا مجتمع ان يعيش ضمن تحزّبات دينية وطائفية ؟ اليس هناك من يقف معي ليقول: ينبغي على الاحزاب الدينية ان تتوقف وتجمّد كل مشروعاتها السياسية ان كانت لديها مشروعات واقعية وان تتوقف عن القاء الخطب والمواعظ المثالية في السياسة، ولا اقول بالغاء نفسها، بل اتمنى عليها ان تتحول من سلطة الدولة لتمارس انشطتها الخيّرة في المجتمع لزرع الخير والامر بالمعروف وتوزيع الموعظة الحسنة وتربية الناس على فعل الخير والاخلاق في جمعيات البر والاحسان.. من اجل ان يستقر العراق وتبدأ حالته المدنية على ايدي الرجال الوطنيين العراقيين العتاة المخلصين الذين لا علاقة لهم بأي تشرذم طائفي او مذهبي او ديني او حزبي او شوفيني؟؟
لابد ان ندرك بأن مجتمعاتنا كلها لم تنجح ابدا في تأسيس أي مشروع quot; دولة quot;، فكل دولنا من صناعة غيرنا على امتداد القرن العشرين (والدولة غير الوطن)، وان ما نعالجه اليوم في الجغرافية السياسية يتضمن التعامل مع مجموعة كيانات وانظمة سياسية لا غير، فمشروع الدولة الذي بني في اوروبا ابان القرن التاسع عشر ـ مثلا ـ راسخ حتى اليوم، وسيبقى يستمد قوته وقطيعته من تاريخه والاستفادة من ذلك التاريخ الذي يعد مرجعا ليس الا، اما العرب وغيرهم من الشعوب الاسلامية فلم تزل كياناتهم تستمد ضعفها وهزالها من ذلك التاريخ من دون أي قطيعة. واعتقد ان هذا كان كافيا لفشل تجارب سياسية عربية وغير عربية في القرن العشرين، بل وكان السبب في موت ظواهر كبرى في حياة المنطقة اذ فشلت القومية العربية في تحقيق اهدافها ومن قبل فشلت الليبرالية الوطنية في تأسيس ركائزها.. وستفشل ظاهرة الاسلام السياسي في تحقيق الشعارات التي تطرحها اليوم، اذ لم يبق الا الحياة المدنية والمشروعات الحضارية طريقا لهم من اجل مستقبلهم والتي لا يمكنها ان تعيش الا على ايدي الصفوة لا على ايدي الرعاع!

وأخيرا: هل ستبقى الحرب سجال؟
ان البقاء في قوقعة الايديولوجيات والايمان بالشعارات التي لا يمكن ان تتحقق في الواقع ستفقد القوى الدينية في العراق وغيره بهرجها الذي يعتقد به كل الناس.. وان الرهان عليها باسم الاوطان سيضيع الاوطان نفسها وهذا ما حدث في تجارب الاحزاب الوطنية القديمة في النصف الاول من القرن العشرين، وهذا ما حدث ايضا في تجارب الاحزاب القومية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.. وهذا ما يحدث وسيحدث في تجارب الاحزاب الدينية في النصف الاول من القرن الواحد والعشرين! فالمشكلة تكمن اساسا في اناس يؤمنون خطأ بأن لهم دولا حقيقية وهم لا يملكونها كونهم لا يمتلكون مؤسسات دولة حقيقية.. والاكثر فظاظة وفضاعة انهم لا يميزون بين الاوطان (= التراب) وبين الدول (= المؤسسات) وبين الشعب (= المجتمع) انهم يخلطونها جميعا لتصبح في قبضتهم باسم (الامة)، بل وباستطاعتهم ان يأخذونها الى الانسحاق في مواجهات يدركون سلفا انها لعبة خاسرة ومعادلة بليدة! ان الاوطان والدول والمجتمعات لا يمكنها ابدا ان تخلط خلطة عمياء ضمن ايديولوجية كريهة معينة او اجندة حزب بالية ولا ضمن نسيج فكر احادي ولا ان تكون في قبضة دكتاتور او جلاد.. ولا يمكنها ايضا ان يتحكم في مصائرها دين او مذهب او طائفة.. ان العراق لا يمكنه ابدا ان ينهض من انسحاقه اليوم ما لم ينفض عنه كل موبقات التاريخ والواقع معا.. وان يتنزه الدين الحنيف في عليائه بكل سموه وتجلياته، فهو اكبر بكثير من ان يكون لعبة سياسية بايدي احزاب لا تدرك معنى الزمن ولا فهم الحياة.. بل وليس لديها أي معرفة حقيقية بالعراق ومتطلباته المستقبلية من خلال سيرورته التاريخية.. وتلك معادلة صعبة سوف لن يدركها كل العراقيين الا بعد فوات الاوان.
www.sayyaraljamil.com