إن ملف مجلة quot;لي بوان الفرنسيةquot; بعنوان quot; النصوص الأساسيةلللبراليةquot;، يتضمن 114 صفحة تحتوي على نصوص كبرى وعلى تحليلها. إنه ملف غني جدا بالأفكار،، ولا

الحلقة الأولى
يمكن لنا عرض جميع مواده إنه ملف يتطلب عناية استثنائية من المثقفين العرب العلمانيين لتشكيل لجنة مصغرة تقوم بتدبير ترجمته، والسعي لطبعه ونشره، على نطاق واسع.
في الحلقة الأولى من مقالنا توقفنا عند البحث الأول لنيقولا بافيره- B averez ، عن لبرالية القرن الحادي والعشرين، وقد لخصنا جزءا من تحليلاته. هذا البحث يهمنا أكثر من غيره لكونه عن قرننا الراهن. لقد أشار الباحث وبقية الباحثين لأفكار وفلسفات العشرات العديد من المفكرين وعلماء الاقتصاد اللبراليين من بينهم، C ondocet. Aron. Bentham..Mill..Nozick..Rawis. Toccqcville
وآخرون.
لقد رأينا في بحث بافيره جملة أفكار واستنتاجات يتفق عليها معه بقية كتاب هذا الملف، كل في الفصل المخصص له، ومن بينها:
1 ـ اللبرالية جوهرها الإيمان بالحريات الشخصية للفرد ويجب عدم مس الخصوصيات، لا من جانب مرجع ديني، ولا فرد، ولا حكومة.
2 ndash; اللبرالية ليست كتلة واحدة ولا اتجاها فكريا واحدا منقلقا.
3 - اللبرالية حصيلة العمل الفكري للمفكرين اللبراليين منذ أواسط القرن السابع عشر، وهي حصيلة فكرية وعلمية مشتركة، ساهم فيها فلاسفة وعلماء اجتماع واقتصاديون، أوربيون وأمريكان، وليست مجرد فكر احتكره الإنجليز والأمريكان كما يقدمه لنا الساسة والمثقفون في فرنسا، انسياقا مع عقدة نفور وحساسية تجاه أمريكا بعد تقديمها كرأس رمح وكرمز لشرور الرأسمالية الوحشية.
بحث بافيره الخاص بتوصيف اللبرالية في القرن الحالي، ينتقل، بعد ما ورد في مقالنا الأول، ليقدم لنا، كما يرى، ما يدعوها quot;، بquot;ثلاثة تقاليد كبرى في اللبراليةquot;، بمعنى قريب من الاتجاهات لتمييز الواحد عن الآخر.
1 - أما الاتجاه الأول فيمثله جون لوك، ومونتسكيو، وفلاسفة التنوير، وآخرون من القدماء، وأرون وريفيل وآخرون من المعاصرين؛ وقد كتب أرون أنه ينتمي لذلك الفريق من علماء الاجتماع الذين ليسوا ديماغوغيين منغلقين، بل هم يهتمون أولا بدور السياسة، ولكن دون تجاهل أهمية البنية الاجتماعية والاقتصادية. كان لوك يؤكد في الوقت نفسه على quot;أنه حيثما لا يوجد قانون فلا توجد حريةquot;. أما مونتيسكيو فهو الداعي لفصل السلطات والاعتدال السياسي؛
2ndash; اتجاه يمثله بنثام وجون ستيوارت ميل، وصولا إلى النمساوي هايك المتوفى عام 1992. إن هذا الفكر يميل لتفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمجرد تضارب المصالح الفردية؛
3 ndash; اتجاه أقصى لبرالية [ liberarienne ]، ويمثله المفكر الأمريكي نوزيك [1938ndash;2002 ]. والفرنسي ميس.
إن هذا التفكير ينطلق من مبدأ الطابع الذي لا يسس والمطلق لحقوق الفرد ومنها حق الملكية الشخصية المقدس، ولذا فهو ينتقد بشدة كل تدخل للدولة في شؤون للمكية الشخصية؛ أي إنه يبشر بالحرية الشخصية المطلقة للفرد وحقه في أن يفعل كل ما يجده لصالحه. إنه فكر يبشر أيضا بمبدأ عدم العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس.
رغم التباين الكبير بين اتجاه وآخر فثمة أعمدة وأسس مشتركة كما مر أعلاه.
إن اللبرالية تعددية بطبيعتها، مع ملاحظة كون الفكر اللبرالي قد تغير وتكيف في كل قرن، حيث لكل قرن مبدأ أساسي، كما قال الباحث، ولذا نرى الخلافات بين اللبراليين.
إن اللبرالية تؤخذ ولا تمنح، ولبرالية القرن الحادي والعشرين مرتبطة لا محالة بالديمقراطية وباقتصاد السوق؛ وبما أنها تؤمن بالمجتمع المفتوح، فهي في الوقت نفسه تسمح بالحرية لأعدائها، كما يمثلهم المتطرفون في أقصى اليسار وأقصى اليمين الغربيين.
أما عن فرنسا، فالكاتب ينتقد الفكر السائد في السياسة، والثقافة، والاقتصاد، لكراهيته لمجرد كلمة لبرالية؛ إذ لا تعني في فرنسا غير الرأسمالية المنفلتة. في فرنسا يرون أن اللبرالية هي نزعة محافظة، بينما يوضح لنا سائر الباحثين في الملف ويؤكدون على الطابع التقدمي، الثوري للبرالية لكونها تعني الإيمان بالتغيير، والقطيعة مع كل قديم بال لم يعد صالحا للعصر، كما إنها تعني الديمقراطية حتما مقرونة باقتصاد السوق. وكان بافيره قد قال إن اقتصاد السوق بلا ديمقراطية هو رأسمالية دولة، وجاءنا الكاتب بأمثلة أسبانيا فرانكو، وتشيلي بينوشه، والصينم وغيرها اليوم.
يقول الباحث عن فرنسا اليوم إن أية ستراتيجية لمواجهة انحلال البلد ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية الكبرى يجب بناؤها على الفكر والتحليل اللبراليين. إن هذا هو شرط بناء الدولة على أساس الحرية التي يرى أن الدولة quot;طلّقتها quot; منذ 1989 بمعارضتها لاتحاد الألمانيتين، وحذرها من الديمقراطيات الشرقية الجديدة القائمة على أنقاض الأنظمة الشمولية؛ ويرى الكاتب أنه عند تحليل التحديات والمشاكل الكبيرة في فرنسا، فإن اللبراليين الفرنسيين لا يتقدمون بأجوبة وتفسيرات وحيدة الجانب، ولا بوصفات معجزات.
إن مواجهة التحديات يكون بالسياسات المعتدلة وبإعمال العقل، بالضد من انفلات العواطف الذي يعاني منه المتطرفون والمهووسون.
إن معظم الساسة والمثقفين الفرنسيين يقدسون ما يعتبرونها quot; استثنائيةquot; النموذج الاجتماعي والاقتصادي الفرنسي، بينما هو النموذج الذي أدى، ويؤدي، إلى ضعف نسبة ووتيرة النمو الاقتصادي بالمقارنة مع ألمانيا، وبريطانيا، وأمريكا، والصين، وهو الذي أنتج نسبة قياسية من البطالة.
إن الكاتب يلخص رأيه أخيرا في أنه في القرن الحادي والعشرين فإنه باللبرالية، أي بتجديد الإيمان بالحرية، يمكن لمواطني الدول الديمقراطية التغلب على الهزات والتوترات بين الدول، التي يسببها تفاقم التهديدات الجيو- سياسية، والمعطيات الجديدة للعولمة.
نرى في الختام الاستشهاد بعدد من العناوين البارزة للنصوص الكلاسيكية الواردة. نرى بينهامثلا:
عنوان نص جان ميلتون في القرن السابع عشر، ويقول: quot; من يتلف كتابا يقتل العقل نفسهquot;،
وعنوان نص لوك هو: quot;حيثما لا قانون فلا حريةquot;،
وعنوان نص مونسيكيو يقول، quot;لا توجد الحرية إلا في الحكومات المعتدلةquot;quot;.
ويقول نص بنجامان كونستانت، وهو من القرن التاسع عشر:
quot;إن شرعية السلطة تعتمد على هدفها ومصادرهاquot;. وهنا يشرح كونستانت مبدأه في أن أية سلطة، مهما كانت، وبأية طريقة قامت، سواء كانت سلطة سياسية أو دينية، تفقد كل شرعية عندما تمس ذلك الجزء من الكائن البشري الذي لا يدخل ضمن صلاحيات السلطة. من جانبا نشير هنا إلى تعسف عدد كبير من الحكومات والمراجع الدينية في البلدان العربية والإسلامية في التعامل مع الفرد، والتدخل في الأخص من خصوصياته، ولاسيما في التعامل مع المرأة. إن حكومات تعتدي على حقوق أساسية للكائن الفرنسي ليست شرعية ولا ديمقراطية وذلك مهما قالت صناديق الاقتراع.