أحيا الشعب الفلسطيني الأيام القليلة الماضية الذكرى التاسعة والخمسين لما عرف بنكبة فلسطين، التي نتج عنها احتلال وطنه القومي التاريخي من قبل عصابات الحركة الصهيونية وطرد غالبية الشعب الفلسطيني خارج وطنه وإعلان دولة إسرائيل تحث ذريعة مقولات كاذبة منها (أرض بلا شعب، وطن لشعب بدون أرض). في عام 1948 عندما هاجرت مع أسرتي من بير السبع إلى مخيمات مدينة رفح في قطاع غزة، عشنا حياة الذل والهوان التي لا يستطيع كاتب أو مبدع أن يعبر عنها، ويكفي مثال واحد وهو أننا كنّا نعيش فقط على ما تصرفه لنا كل اسبوعين وكالة الغوث من حليب مجفف وبعض الطحين والأرز والملابس المستعملة مرتين كل سنة في الصيف والشتاء، وكنا نلبس ما نجده في تلك (الصرّة)، لا نسأل إن كان رجاليا أم نسائيا طالما ناسب بشكل من الأشكال قياسك، ولن أنسى أنه في عام 1961 عندما وصلت للمرة الأولى لمدينة القاهرة بعد قبولي في كلية الآداب، وكنت أقف في الطابور لأرى أين تم قبولي حتى سحبني من يدي زميل مصري اسمه (عبد المطلب.....)، وسألني: (إيه اللي إنت لابسو في رجلك ؟) وقبل أن أجيب، قال: (انتبه ده زنوبة (شبشب) الناس بيستعملوا لدخول الحمام مش بيتيجي فيه على جامعة القاهرة!!. وكان لي في مخيم رفح جد بلغ من العمر آنذاك ما يزيد على مئة عام، وكان دوما يصرخ: ستة..ستة..ستة..ستة! وفي يوم من الأيام قبل أن يمر على وصولنا إلى مخيم رفح أربعة أيام سألناه: ياختيار شو هاي ستة..ستة؟ استند صاحيا مستيقظا وقال: شوفوا بينرجع للبلاد بعد ستة أيام أو ستة أسابيع أو ستة شهور أو ستة سنين أو ستة عقود أو ستة قرون. قال ذلك وتوفي بعد يومين بالضبط. وها هي مرت ستة أيام وستة أسابيع وستة شهور وستة سنين وباقي عام واحد لمرور العقود الستة على النكبة، فإن عادت فلسطين العام القادم يكون قد مرّ على النكبة ستة عقود أي ستون عاما، و إلا فحسب نبوءة جدي فسننتظر العقود القرون الستة أي حتى عام 2508.

هدايا فتح وحماس في ذكرى العقود الستة
وقد كانت هدية حركتي فتح وحماس للشعب الفلسطيني في ذكرى مرور العقود الستة على النكبة، هدية لن يعتز بها أبدا وأظن أن اللعنات التي وجهها للحركتين لا تقل عن اللعنات التي يوجهها لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ففي ذكرى النكبة عادت الحركتان للقتال الداخلي بعد توقيع ما لا يقل عن أربعة اتفاقيات بعد اتفاق مكة، وكانت حصيلة الهدية فقط تسعة عشر قتيلا وإحدى عشر جريحا والعديد من المخطوفين من الحركتين وعدد من الصحفيين المحاصرين في بناية لا يستطيعون مغادرتها. والسؤال في ذكرى النكبة: هل هذا قتال من أجل التحرير وإقامة الدولة المستقلة ؟. لا يستطيع عاقل أو مجنون أهبل أن يجيب ب (نعم). إنه قتال من أجل الكرسي والإمساك بالسلطة والنفوذ، لأن حركة حماس لم تصدق حتى هذه اللحظة أنها أمسكت بالكرسي والحكومة، وحركة فتح لم تصدق أنها خسرت الكرسي والحكومة، بدليل أن حركة حماس قامت بتعيين ألاف من عناصرها في المناصب الحكومية من بينهم المئات في موقع (مدير عام) بنفس اسلوب فتح العشائري، وطردت أو نقلت العديد من عناصر فتح بعيدا عن مراكز نفوذها، وفي الوقت ذاته لا توفر فتح فرصة لوضع العراقيل والصعوبات أمام حكومة حماس وإقامة ما يشبه وزارات ومؤسسات موازية، و إذا الشعب الفلسطيني فعلا أمام حكومتين وسلطتين ودولتين!.

كيف تتوقف هذه الحرب المخزية؟
منذ تشكيل حكومة حماس في يناير من عام 2006، ورغم كل الاتفاقيات التي وقعت تستمر هذه الحرب القذرة التي لا يمكن تسميتها إلا أنها حرب أهلية، فعدد القتلى فاق الأربعمائة قتيل ومئات الجرحى والمفقودين فماذا نسمي هذا؟ أليس مخزيا وعارا خطف الصحفيين الأجانب دون أن تعرف قوات الأمن الفتحاوي والقوة التنفيذية الحمساوية أين الصحفي البريطاني المخطوف منذ ما يزيد على شهرين؟ وهل هو جهاد ومقاومة الهجوم على الكنائس والمدارس المسيحية ومقاهي الانترنت والعديد من الجثث المجهول قاتلها؟. وكونه بدون نقاش صراع على الكرسي والسلطة والنفوذ فالحل هو الفصل الدائم بين الحركتين والمهم هو كيف ذلك؟

دولة حماس في غزة ودولة فتح في رام الله
من الواضح أن حماس تعتبر غزة (عقر دارها) حسب تصريح لوزير حمساوي قبل شهور قليلة في مواجهة زيارة لمحمود عباس لغزة، وفتح تعتبر الضفة الغربية عقر دارها بدليل أن لا تشهد الفلتان الأمني وفوضى السلاح كما في قطاع غزة، وبدليل أن محمود عباس كلما اندلع القتال المخزي يسافر من عقر داره في رام الله إلى غزة عقر دار حماس، ويجتمع مع اسماعيل هنية فعلا كما يجتمع مع رئيس وزراء دولة أخرى أجنبية. لذلك فمن الحلول التي ترضي الحركتين ليبقى لكل منهما بعض الكراسي والمال والنفوذ والقوات والسجون الخاصة، هو الاتفاق على إعلان دولة حماس في القطاع وعاصمتها مدينة غزة، وإعلان دولة فتح في الضفة الغربية وعاصمتها مدينة رام الله، ويتم إخلاء وإجلاء عناصر كل حركة من دولة الأخرى، على أن يعقب ذلك تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين، وبعد وقف الحرب رسميا يمكن دراسة موضوع الكونفدرالية بين الدولتين، أما إدارة الصراع مع الاحتلال فهو مؤجل للقرون الخمسة القادمة حسب نبوءة جدي، فحروب فتح وحماس المخزية التي لا تشرف أحدا دليل على أننا سننتظر القرون الخمسة القادمة للتحرير أو إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي النهاية أقول: لعنة الله عليكم فقد أخزيتم شعبنا ولطختم نضاله ودماء شهدائه ومعاناة سجنائه ومعتقليه، وأشكر الله أن جدي قد مات قبل أن يرى أعمالكم القذرة المخزية، و إلا لخرج على عكازه وبصق في و جوهكم من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف...أخزيتمونا وما عاد أحد يجرؤ على طلب المساعدة والدعم للشعب الفلسطيني ورفع الحصار عنه....إنكم تقومون حقيقة بعمل الاحتلال فهنيئا للاحتلال بوجود هكذا مرتزقة ولصوص ومجرمين!!

القاهرة
[email protected]