لم يتجرأ الجنرال الإنكليزي (مود) حين وطأت أقدامه أرض العراق بتاريخ 11 مارس 1917 إن يقول انه جاء فاتحا للعراق، ولم يشأ إن يقول انه جاء ليحتل العراق، انما قال انه جاء لتحرير العراق، واشتهرت مقولته تلك ((جئناكم محررين لافاتحين))، وتحت هذا الشعار دخلت القوات البريطانية الى العراق، ولم يكن صادقا في هذا الزعم حين وضع شعب العراق وأرضه تحت الانتداب البريطاني بزعم انه لايستطيع تكوين دولته مالم يستعن ببريطانيا العظمى.
وطيلة زمن المعارضة العراقية لنظام الدكتاتور صدام حسين كانت الولايات المتحدة الأمريكية تزعم أنها ستساعد العراقيين للتخلص من هذا الدكتاتور الجاثم على صدور العراقيين، والذي استباح أرواح اهل العراق، وأذاقهم الويل وشتتهم وأفقرهم وأذلهم، ولم تكن تقول أنها ستحتل العراق، ومع هذا فقد تم احتلال العراق تحت ذريعة التحرير، وتحرير العراق من سلطة الدكتاتور الذي أستباح الدستور والقوانين لايبيح لأمريكا إن تستبيح القانون الدولي والوطني.
وكان القانون الدولي قد عالج حالة الاحتلال، فأشار الى أن اصطلاح الأحتلال يعني السيطرة العسكرية بالقوات المسلحة لدولة على ارض دولة أخرى ووضعها تحت سيطرتها، وبذلك تصبح تلك الدولة تحت قوة الدولة المحتلة.
وعرفت المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 الاحتلال كما يلي:((تعتبر أرضاً محتلةً حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو. ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي أقيمت فيها مثل هذه السلطة ويمكن أن تمارس فيها)).
وتشكل لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 وبعض أحكام البروتوكول الأول لسنة 1979 الإضافي لاتفاقيات جنيف لسنة 1949 الأسس القانونية التي تعالج قضية الأحتلال.
ومع إن إخضاع الشعوب الى الأحتلال والسيطرة عليها يعد استعبادا وإنكارا خارقا لحقوق الإنسان يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، وإزاء تلك المعاهدات والمواثيق الدولية تكون دولة الأحتلال مسؤولة مسؤولية مباشرة عن جميع الجرائم والأضرار والانتهاكات التي تحدث من قواتها المسلحة أو من جراء سياستها على افراد الدولة التي وقعت تحت الأحتلال، وبالتالي فأن حقاً للأفراد ينشأ في مطالبة دولة الأحتلال بالتعويضات واللجوء الى القانون والقضاء في حال الأمتناع، حيث يتم الخضوع الى القانون الدولي في الأنتهاكات والخروقات والجرائم التي ترتكب.
الا إن أصدار قوات الأحتلال قرارات تمنع فيها العراقيين من مطالبتها بالتعويضات، كما تمنعهم من أقامة الدعاوى في المحاكم العراقية لمحاسبة مرتكبي الجرائم يعد أمرا منافيا للعدالة ولمعايير القانون الأنساني، وبالتالي فأن تلك القرارات التي تعيق تحقيق العدالة وتمنع المواطن من المطالبة بحقه لاتجد لها أساس قانوني وليس لها قاعدة قانونية ترتكز عليها، وهي ليس الا مجرد أغتصاب لقواعد القانون الدولي من قبل القوات المحتلة في العراق تطبيقا لمبدأ قانون الأقوى.
وبعيدا عن الشعارات والمواقف السياسية فأن افعالا يتم فيها أحداث أضرار في بيوت وممتلكات العراقيين، وقبلها جرائم تطال الأبرياء الذين يقعوا تحت رصاص القوات المحتلة، سواء عن طريق الخطأ أو عن طريق العمد، أوفي حال إن يتبين عدم صحة المعلومات ضد المجني عليه الذي يخسر حريته وماله وكرامته، بالأضافة الى الأضرار المادية والمعنوية بما فيها الجسدية التي تصيب الناس من جراء تصرفات قوات ألأحتلال.
ومن الغريب إن الأمم المتحدة وهي تصدر قراراتها التي تشرع وتوفر للقوات المحتلة القاعدة القانونية في الأحتلال، لم تشر الى هذه النقطة، ولم تلتفت الى هذه الحالات التي بقيت سائبة، وكما إن المشرع العراقي الذي بالغ بدراسة حقوق وأمتيازات اعضاء البرلمان تناسى حقوق العراقيين المتضررين من جراء افعال القوات المحتلة، ورضخ لهذه القواعد التي قررها الأمريكان والتي صارت قواعد ملزمة وأن كانت تنتج الأثر الضار بحق العراقيين فقط.
ووصل التمادي في تطبيق تلك الخروقات والأغتصاب للقانون الدولي أن يتم ارتكاب جرائم القتل العمد مصحوبا بالأغتصاب الجنسي ومقترنا بالأعتراف الصريح على مجني عليهم عراقيين وفوق الارض العراقية ومن جنود امريكيين، وخلافا للأختصاص المكاني والزماني، والأستخفاف بالقضاء العراقي، ليتم احالة المتهمين منهم الى المحاكم العسكرية الأمريكية التي تحكمهم وفقا لمقتضيات القوانين الأنضباطية والاعراف الأمريكية، ودون الأشارة الى أي حق لذوي الضحايا، ودون أي اعتبار لما تزعمه الولايات المتحدة من احترامها لمشاعر وأعراف العراقيين، ودون أي اعتبار للحقوق التي تترتب على الدولة المحتلة.
وإذا كانت جرائم الحرب من بين الجرائم التي تختص بها المحكمة الجنائية العراقية العليا، فأن ولاية المحكمة كما يزعم القانون تسري على شخص طبيعي سواء كان عراقيا أم غير عراقي مقيم في العراق ومتهم بأرتكاب تلك الجرائم، وحين تصطدم تلك الصلاحيات بالأختصاص الذي حددته القوات المحتلة واستعلائه على النصوص القانونية العراقية، انما يتم شل نصوص القانون بحق إفراد القوات المسلحة غير العراقيين المتواجدين في العراق والذين تصار افعالهم فوق القانون لايمكن للعراقي مقاضاتهم أو محاسبتهم، ولايمكن للفعل الضار المحدث إن يتم تعويضه ولايمكن للمحكمة الجنائية إن تقوم بالتحقيق معهم أو محاكمتهم عن الجرائم المرتكبة في العراق.
وحري بمجلس النواب العراقي إن يلتفت الى هذه النقطة ويشرع قانونا عراقيا لسد الثغرة والخلل على الأقل بما يعالج وضع العراقي، وان تلتفت الحكومة العراقية الى الأعداد الكبيرة من المتهمين الموقوفين في سجون الأحتلال، وهؤلاء مواطنين عراقيين وأن كانوا متهمين بارتكاب جرائم جنائية أو أرهابية فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته ، وقوات الأحتلال تضعهم في سجون عسكرية لمدد طويلة مما يجعل في عاتق المؤسسة القضائية إن تتفرغ لمعالجة تلك الملفات بالسرعة المتناسبة مع حجم محنة العراقيين، اذ حتما إن من بينهم اعداد كبيرة من الأبرياء والمشتبة بهم الذين ستصدر القرارات بالأفراج عنهم وأخلاء سبيلهم، وكذلك تشريع القانون الذي يمنح من تثبت برائته التعويض المالي المناسب والمستعجل لمعالجة حالته ووضع عائلته من قبل الحكومة والقضاء العراقي.
وإذا كان العالم تحكمه المعاهدات والأتفاقيات والقوانين الدولية، فأن التصرفات القانونية الدولية التي تصدر عن اشخاص القانون الدولي تنتج أثارا قانونية، وهذه الأتفاقيات والاعراف والمعاهدات هي التي تشكل معايير القانون الدولي وهي التي تضع القواعد الأساسية في القضايا المتنازع عليها بين الدول، اما إن تقم دولة محتلة بشطب أي حق لمواطن الدولة الواقعة تحت الأحتلال، فأنها تلغي مسألة المطالبة وتستلب الحق وتغتصب النصوص القانونية الدولية التي طالما تعكزت عليها في العديد من قراراتها حين يتعلق الأمر بمصالحها.
إن القانون الجنائي أما أن يكون وطنيا أو دوليا، وبالنظر لصدور جميع القرارات الدولية التي تعالج الوضع العراقي وتضعه تحت الأحتلال، وغياب معالجة حقوق المتضررين من جراء اعمال الاحتلال، ما يستوجب في مثل هذا الحال أخضاع تلك الجرائم الى الأختصاص الوطني، أو على الأقل الأحالة الى المحكمة الدولية التي ولدت في تموز 2002، وحيث إن الولايات المتحدة الأمريكية لم توقع الأتفاقية الخاصة بانشاء تلك المحكمة، بالأضافة الى أن العراق من بين البلدان غير الموقعة على تلك الأتفاقية، ما يخلق نوعا من التعارض في سبيل تحقيق العدالة ويمنع اللجوء الى المحكمة الدولية، وبالنظر لأمتناع قوات الأحتلال خضوع افرادها الى القانون الوطني وتطبيقها قانون الدولة المحتلة، فأن الأمر بحاجة الى موقف عراقي رافض لذلك الأصرار على الأمتناع وطرح الأمر على المعنيين في مجلس الأمن، وحصر النظر في تلك الجرائم التي ترتكب على مجني عليهم عراقيين وعلى الأرض العراقية ومن قبل أشخاص طبيعيين غير عراقيين من قبل القضاء الوطني وتطبيق القانون الجنائي النافذ.
كما إن عدم خضوع القوات المحتلة لأي قانون سوى قانونها لايبيح لها أرتكاب الافعال الجرمية بحق العراقيين ولابأحداث الأضرار في ممتلكاتهم دون مسائلة قانونية، ولم تكن سابقة في تاريخ الأحتلال إن تم وضع حصانة على تلك الافعال، وايضا لم يتم تعيين حدود لتلك الحصانة ولا من يتمتع بها، والأمر في كل الحالات ليس سوى اغتصاب للقانون الدولي واستخفاف بحقوق العراقيين.
وإذا كان هناك رأيا يقول إن قانون المحكمة الجنائية العراقية هو قانون تم تشريعه بعد احتلال العراق، فأن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 حدد ضمن الفرع الثاني في باب تطبيق القانون من حيث المكان انه تسري احكام هذا القانون على جميع الجرائم التي ترتكب في العراق وتعتبر الجريمة مرتكبة في العراق أذا وقع فيه فعل من الأفعال المكونة لها أو اذا تحققت فيه نتيجتها أو كان يراد أن تتحقق فيه، ما يجعل سريان القانون الوطني على تلك الجرائم يستند على نصوص قانونية تعززها المعاهدات والأتفاقيات الدولية.