من حق سماح إدريس أن يتحدث، لكن الآخرين أيضا من حقهم أن يردوا


ربما كانت رواية (أصابعنا التي تحترق) المنشورة عام 1962، هي التي يتحدث فيها د. سهيل إدريس، مؤسس دار الآداب وناشر مجلة الآداب، عن دور القراء quot;العراقيينquot; في إسناد الثقافية العربية والمساهمة في ديمومتها. وإذا لم تخذلني ذاكرتي، فأنه في تلك الرواية ذاتها، التي هي أشبه بالسيرة الذاتية، سوية مع روايات (الحي اللاتيني) 1953 و(الخندق العميق) 1958، نجد كيف أن بطل الرواية (ناشر لمجلة)، ولكي يتفادى مقص الرقيب العراقي في الخمسينات من القرن الماضي، يضطر إلى إصدار عدد quot;خاصquot; من مجلته للقراء العراقيين. وتبرير ذلك هو، أن المجلة ستعاني من صعوبات مالية حقيقية إذا هي ظلت ممنوعة من الدخول إلى العراق وفقدت السوق العراقية.
بالطبع، المثقف العراقي ليس مجرد مستهلك، quot;يجترquot; ما يكتب في مصر ويطبع في بيروت. تلك كانت شتيمة ثقافية (سنوبيزمية) جاءت إلى quot;الأطرافquot; من quot;المركزquot;. المثقف العراقي quot;ولودquot;، وظل quot;يلدquot; الجديد دائما وأبدا. ويكفي أن نراجع فهرس (الآداب) نفسها، منذ لحظة صدورها حتى الساعة، لكي نجد مصداقا لما نقول.
مجلة (الآداب) أغنت الثقافة العربية عموما، وظلت على الدوام صرحا ثقافيا راقيا وشامخا، وبقدر ما أغنت الآداب الثقافة العربية، فأن المثقفين العراقيين أغنوا الآداب وساهموا في تشييد صرحها، شأنهم شأن زملائهم في باقي أنحاء العالم العربي، إن لم يكن أكثر.
ولعل سماح إدريس ما يزال يتذكر تلك الوجوه العراقية التي كانت تفد إلى مكاتب ومسكن أبويه في بيروت، عندما كان هو ما يزال طفلا يدرج أمامهم.

والمثقفون العراقيون الذين دعموا مجلة الآداب منذ صدورها عام 1956، وكانت لهم فيها صفحات عامرة، هم أنفسهم الذين يواصلون عطاءهم الإبداعي الآن داخل العراق وخارجه. الأمر لم يختلف. الذي اختلف هو الزمن، الذي جعل الأجيال الجديدة ربما أكثر كفاءة وأكثر قدرة على نقد (نقد الوعي quot;النقديquot;).

إذن، ما الذي استجد حتى يكافأ المبدعون العراقيون بإطلاق تسمية quot;كتاب المارينرزquot; عليهم، وتوصد أمامهم أبواب الاتحادات الثقافية العربية، وتخصص الآداب افتتاحية لشتمهم عندما عقدوا مؤتمرا ثقافيا في بلدهم، أعني في مدينة أربيل في كردستان؟
قد يقول د. سماح إدريس: لا أنا لم أشتم المثقفين العراقيين. أنا قلت أن منظم المهرجان فخري كريم سرق quot;أموال الحزب الشيوعي، أموال الفقراء والطلاب وعائلات الشهداء وأموال مجلة النهج ودار المدىquot;، وأنا (هكذا سيقول، أيضا) تحدثت عن quot;صلات بعض quot;الشيوعيينquot; (المزدوجتين من إدريس) العراقيين القدامى/ الجدد بمخابرات صدام نفسه في الستينيات والسبعينيات، فضلا عن المخابرات العربية والأميركية والبريطانيةquot;.

شخصيا، لست مطلعا على تاريخ وسيرة وحياة الأستاذ فخري كريم. ولهذا سأتركك، يا سماحة الدكتور سماح (بالمناسبة، هذه المرة الأولى التي عرفناك فيها مطلعا عن كثب على أراشيف كل هذه المخابرات، بعد أن عرفناك سابقا ناشرا ومثقفا)، مع فخري كريم. عضه أنا شئت. كل من لحمه وأشرب من دمه حتى يتبين لك الخيط الأحمر الشيوعي في داخله من الخيط الأخضر الدولاري. لكن عليك، في هذه الحال، أن تستعد للوقوف أمام القضاء. فما تقوله بحق الرجل (ها أنت تجبرنا ونحن في أرذل العمر على ممارسة مهنة ماسح الجوخ) لا يدخل تحت باب مقارعة الحجة بالحجة والبينة بأختها والفكرة بمثلها، إنما يتعلق بتهم القذف والتشهير.
شخص يتهمه آخر بسرقة المال، فما الذي يتوجب عليه أن يفعل. ليس أمامه إما أن يشهر سيفه ويغمده في جسد المتهم، فتسيل الدماء ويسلم الشرف الرفيع من الأذى. أو يسكت عن التهمة فتثبت عليه. أو، وهذا التصرف المتحضر بعينه، يرفع دعوى قضائية ضده وينتظر ما سينطق به القانون، وهذا ما فعله الأستاذ فخري كريم.

إما صلات بعض الشيوعيين القدامى/ الجدد بالمخابرات التي ذكرتها، فإذا لن يقاضيك الشيوعيون العراقيون، فسأفعل أنا وحدي، نيابة عن ألوف مؤلفة من عراقيين بسطاء مثلي. نعم، سأقيم ضدك دعوى قضائية، لسبب بسيط جدا هو، رغم أني لم أكن عضوا في الحزب الشيوعي، لكني قضيت عمري كله أصفق للشيوعيين العراقيين، لسبب أخلاقي هو، قناعتي في نزاهتهم وبعدهم عن خيانة وطنهم. وها أنا اكتشف الآن بفضل معلوماتك (شكرا لك يا دكتور) أني كنت أصفق لمجاميع من عملاء المخابرات البعثية والأمريكية والبريطانية، هكذا، دفعة واحدة.

يا سماحة الشيخ سماح، عندما تصدر فتوى فالمؤمل والمرتجى أن تدافع عنها بنفس الشجاعة التي دفعتك لإصدارها. عليك أن تكمل فضلك وتذكر أسماء هولاء الشيوعيين العراقيين quot;عملاء المخابراتquot; واحدا واحدا، حتى ينالوا عقابهم العادل. فأنت تعرف أن عقوبة من يتجسس على بلده تسمى الخيانة العظمى، وتقود إذا ثبتت، صاحبها إلى المقصلة. وبما أنك تعرف كيف هي ظروف العراق هذه الأيام، وكيف أن الأخ يتربص بأخيه للإيقاع به، فأن ما أوردته في افتتاحيتك يعرض المجتمع العراقي إلى هزة جديدة، لم يعد لهذا المجتمع قدرة على تحملها، لأنك تعيد إلى أذهان العراقيين أجواء الانقلاب البعثي في 8 شباط عام 1963 عندما أصدر الأنقلابيون وقتذاك بيان رقم 13 الشهير، الذي يقضي بإعدام الناس على الظن والشبهة.
أملي كبير أن تواصل شجاعتك التي اعتمدتها في توجيه الاتهام، في إثبات التهمة، أيضا، وأن لا تستقي معلوماتك من quot;شبكة الانترنيت التي تكاد تختنق بما يكتبquot;، كما ذكرت في افتتاحيتك. وإذا ظلت أدلتك مستقاة من شبكة الانترنيت، (وحكى) زيد، ونقل عمر، مثلما ورد في الافتتاحية، فأنا أخشى أن يجد القراء في ما تقول quot;خفةquot; ثقافية لا تليق بمكانة الآداب، ويعتبرون افتتاحية الآداب كلها، أشبه بكلام عجائز القرية: قالت الحاجة أم العبد، عن كنتها، عن جارتها، أن الصبية قمر الزمان حامل سفاحا.

لن أتوقف أمام اتهامات افتتاحية الآداب ضد السادة البرزاني والطالباني، لسببين، أولهما أن هولاء السادة هم رؤساء دول وأقاليم، وما تعلمت في حياتي أن أدافع عن حكام. والسبب الأخر هو، أن باب هذا الموضوع لو فتح فأنه سيكون أشبه بحفلات الزار التي نشاهدها في الفضائيات العربية: أنت خائن، فيرد الأخر: أخرس، أنت عميل، وينبري الأول: هذه أوراق تثبت عمالتك، فيرد الثاني: أخرس يا جبان هذه مستمسكات تجسسك....
لكن، مع ذلك، دعني أسألك: أين هو العمل الإبداعي (رواية، مجموعة قصصية، مسرحية، قطعة موسيقية، لوحة تشكيلية) الذي كتبه المثقفون العرب تضامنا مع مأساة الأكراد ؟ أنا لا أتحدث عن الأحزاب والمسؤولين في كردستان. ليذهبوا إلى حيث يشاءون. أتحدث عن فقراء الأكراد، عن بسطائهم، عن أولاءك الذين دفنوا مع أطفالهم. ألم يتعرضوا هولاء إلى مجازر جماعية ؟ ألم نشاهد جثثهم على شاشات التلفزيون. أنا لا أتحدث عن الجهة المسؤولة عن قتلهم، إيران أو صدام حسين. أنا أتحدث عن بشر أبيدوا جماعيا. أليس من حقهم أن يعتبوا، ويحزنوا ويحتجوا ضدنا نحن quot;أشقائهمquot; العرب، وأن يكفروا حتى بالأخوة العربية الكردية ؟

على أي حال، وحتى نتجنب صراع الديكة، فسأمثل الآن دور الحكيم العاقل، وأقول مخاطبا د. سماح إدريس والمثقفين العرب الذين وقعوا عرائض تضامن معه:

يا جماعة: دعونا نبدأ بquot;لبquot; الموضوع في الافتتاحية كلها، عنيت quot;الوعي النقديquot; في قولك: quot;إن وطننا، الوطن العربي، في مأساة لا لأننا ابتلينا بأنظمة مستبدة فحسب، وبأطماع امبريالية وصهيونية متعجرفة فقط، بل لأننا أيضا إزاء تراجع حاد في الوعي النقدي الحقيقيquot;.

إن مأساتنا في العالم العربي لا تكمن (هكذا أظن) في quot;تراجعquot; الوعي النقدي الحقيقي، إنما تكمن، بالأحرى، في quot;غيابquot; الوعي النقدي الحقيقي.
quot;وعينا النقديquot; ظل طوال الوقت، ما خلا شذرات متفرقة ويتيمة، يبنى ويتأسس على غرار فورة قنينة quot;الكو كولاquot;: لمحة واحدة وينتهي كل شيء. فقد أصدرت دور النشر خلال القرن الماضي (وما دمنا نتحدث عن الآداب، فنقول أصدرت دار الآداب) ألاف الكتب، ونشرت مجلة الآداب ألاف المواد الثقافية. وكانت تلك المنشورات تدعو في غالبيتها العظمى، إلى تأسيس وبناء الوعي النقدي الحداثوي. فماذا حصل ؟ الذي حصل هو، أننا نسينا هذه الأيام كل تلك المنشورات، بل أن بعض مؤلفيها صاروا سدنة لفكر بن تيمية، ومتحمسين لأطروحات أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي، فقط لأنهم ضد أميركا.

هل وجد بين مثقفينا، على كثرتهم، مثقفا quot;اقتحامياquot;، أو مثقفا quot;ملعونا/ MAUDITquot; ، بالمعنى الخاص أو العام، من طراز الحسن بن هانئ أبو نواس، أو أبو العلاء المعري، حتى لا نذكر مثقفين غربيين فنتهم بنسخ تجارب غيرنا، مثل د. ه. لورنس، أو بودلير، أو رامبو، أو أوسكار وايلد أو جان جينية، أو كتاب عصر التنوير الأوربي ؟ ألا تعتقد أن ما نجده عندنا هو المثقف المتصالح مع نفسه ومع الجمهور، المثقف المحمول على الأكتاف، المثقف الحالم بجائزة رضاء الشعب عنه. لم نجد من بين مثقفينا ذاك الذي دخل السجن بسبب مواقفه الإبداعية، بينما تكاد السجون العربية (والعراق على وجه التخصيص) تغص بالمثقفين الذي دخلوا السجون بسبب مواقفهم quot;السياسيةquot;. كل أدبنا العربي (لا بأس، أنا أبالغ) انعكاس لشعارات سياسية، يزول وينسى حالما تتبدل الشعارات السياسية.
يظهر شاعر ما، وقد يكون كبيرا، فعلا، من ناحية الصنعة، فنروح نحتفي به أي احتفاء. نطبع كتبه، وندعوه لكل مكان، ولا تكتب الصحف إلا عنه، ونحفظ شعره عن ظهر قلب، ويظل يشرب ويأكل على موائدنا، ونحمله كتعويذة. لكن، فجأة تختفي الظاهرة كلها، وننسى الشاعر وما كتب، وكأنه لم يظهر.

ثم يظهر موسيقي أو مغني فنحمله على الأكتاف، وندور به ومعه عواصمنا، وشتاتنا في المهاجر، ونظل quot;نردحquot; على إيقاع كلماته المنادية بحرق الأرض تحت أقدام الامبرياليين، ونحوله إلى طوطم. وفجأة، يذوب quot;حاديquot; عيسنا كما قطعة سكر في كوب حليب.

quot;هوquot; يذوب. لكننا، نحن الجماهير الهادرة من المحيط إلى الخليج، لا نذوب. نظل نفتش ونفتش عن quot;حاديquot; أخر لعيسنا حتى نعثر عليه، مهما كانت أفكاره ورؤياه للحياة، لأن صحراء حياتنا تظل موحشة ومخيفة، إذا غاب عنها الحداء.

يا جماعة: إلا تروون أن الحركات الإسلامية السياسية بأكثر أنواعها تطرفا ودموية، الناشطة هذه الأيام في عالمنا العربي، لم تتعب نفسها، لم تتعب نفسها أبدا، في إيجاد شعاراتها السياسية المرفوعة ضد الغرب. إنها لم تختلق هذه الشعارات، وإنما وجدتها جاهزة، أي أنها ورثتها من الأدب السياسي اليساري الحداثوي العربي، بل من الآداب العربية الحديثة. كل ما في الأمر، أن هذه الحركات أصبح هتافها كالتالي: يعيش المستضعفون ويسقط الغرب quot;الكافرquot; quot;بأسم اللهquot;، بينما كانت الأدب السياسي اليساري الحداثوي يهتف: الموت للبرجوازية مصاصة دماء الشعوب ويسقط الغرب quot;الامبرياليquot; quot;بأسم الشعبquot;.
الحركات الإسلامية المتطرفة العنيفة وجدت أمامها quot;عقلquot; عربي مروض، لا يعرف إلا التطرف، ولا يرى إلا لونين، الأسود والأبيض.
قارنوا بين بيانات هذه الحركات الإسلامية الأصولية المتطرفة، حاليا، وبين بيانات الحركات اليسارية العلمانية، سابقا. لن تجدوا فرقا كبيرا، إذا لم يكن تطابقا حرفيا: ثقة لا حد لها بالانتصار، خطاب محمل بالوعيد والقصاص، وبالغد المشرق.

القرن الماضي كله قضاه المثقفون الحداثويون وهم يطرحون قضايا يقينية لا يأتيها الباطل، وتحرم مناقشتها. فماذا كانت النتيجة ؟ خسائر بالجملة.

دعونا، إذن نكرس القرن الحالي لطرح أسئلة.

دعونا نسأل: كيف ولماذا يتقاتل الحماسويون والفتحاويون، بالسلاح الأبيض والأحمر والأسود، أي سلاح التسقيط، وبعنف لم تشهده ربما جميع الحروب العربية الإسرائيلية ؟ لماذا دخلت quot;قضية العرب الكبرىquot; إلى هذا المستنقع ؟
لماذا وكيف يخرج الجزائريون بمئات الآلاف وهم يهتفون للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عندما زارهم في بلدهم: شيراك رئيسنا، شيراك رئيسنا ؟ لماذا فقدت الجزائر، إذن، مليون شهيد ؟
لماذا وكيف ينشغل عالمنا العربي بفتاوى تتعلق برضاعة الكبير، وشرب البول ؟
لماذا أقدمت 358 من نساء منطقة كردستان العراق على حرق أنفسهن، كما ذكرت افتتاحية مجلة الآداب؟
لماذا وكيف يظهر، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شخص عراقي مغمور ويدعي أنه قريب الإمام المهدي فيضم مئات من الناس إلى صفوفه ويقاتلون تأييدا له حتى الرمق الأخير ؟
لماذا وكيف دخلت القوات الأميركية العراق دون أن تطلق رصاصة واحدة ؟
كيف ولماذا وضع رجال quot;المقاومةquot; العراقية السلاح جانبا واصطفوا مع القوات الأميركية ؟
لماذا تساقطت الدموع كالشلالات حزنا على صدام حسين وهو القائل (بالحرف الواحد): لن تتحرك شعرة واحدة في رأسي حتى لو قطعت رؤوس ألاف من أعداء الثورة والحزب ؟
لماذا تظل دولنا العربية تحكم من قبل رؤساء استولوا على السلطة بانقلابات عسكرية منذ أكثر من نصف قرن ؟

أظن هذا هو الباب الصحيح الذي يتوجب أن ندخل منه لكي نناقش ما ذكرته افتتاحية الآداب quot;الوعي النقدي الحقيقيquot;.
نعم، من هذا الباب، وليس من باب حدثني فلان عن فلان أنه قال...

ختاما، دعني يا أيها الأستاذ الفاضل د. سماح إدريس، أشد على يديك معزيا بوفاة والدك ووالد الآداب العربية، المغفور له د. سهيل إدريس، الذي عرفت برحيله بعد الانتهاء من كتابة هذه السطور، متمنيا لك ولعائلتك الكريمة الصبر والسلوان.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية