قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الحلقة الاولى

القسم الثاني: (الولاية والسلطة)

(في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية، بيد الفقيه العادل،... القادر على الإدارة) من دستور جمهورية إيران الإسلامية.
الإشكالية الحقيقية التي يطرحها مفهوم الدولة الدينية، فكرة النموذج الثابت للدين ذاته، بمعنى افتراض أن تحقق الكمال الديني لابد وأن يأتي متلازماً مع إطار للفعل السياسي، و في حال إنتفائه يكون كمال الدين مستحيل. وبما أن الهدف النهائي من الدين هو تطبيق الشريعة، فمن البديهي إذاً أن يكون هناك من يُنصب نفسه متابعاً ومراقباً لهذا التطبيق في ظل الفعل السياسي أو النموذج الثابت للدين. خاصة وأن هناك تجربة ملحة في الذهن الاجتماعي الإسلامي، وهي الدولة النبوية الأولى، والتي شكلت مع الوقت مرجعية تاريخية وتأويلية لتجربة الدولة الدينية، وأصبح لكل مجموع مذهبي أو حركي فكرته الخاصة عن هذه المرحلة، مرحلة البدايات الذهبية القابلة لإعادة الإنتاج والتوارث.
والمذهب الشيعي ـ بوصفه أحد المنتجات الفكرية والسياسية للتاريخ الإسلامي ـ قد حاول على مدار قرون تمثل النموذج النبوي الأول، وتثبيت إطار واحد للعلاقة بين الدين والدولة، فكانت مرحلة الأئمة الأوائل وتحميلهم بكل رموز المقدس الديني والسياسي، وتنصيبهم أولياء على الناس، بل ووضعهم في تماثل مع النموذج النبوي، من حيث قيمتهم كأولياء معصومين قائمين على الخلق إلى يوم الدين (كما أوضحنا في القسم الأول من هذه المقالة). ولكن مع غياب الإمام المهدي، وإنتظار عودته لتحقيق دولة الله على الأرض ـ كما يراها التشيع ـ ظهرت العديد من القضايا الفكرية حول إشكالية الوصاية على الخلق، وقيام الدولة التي تحقق للدين اكتماله ووجوده. فهل يصح بناء الدولة في ظل غيبة المهدي؟، ومن الذي سينوب عنه؟وهل هناك ولاية حقة على الناس في ظل غيبته؟، وما موقف الشيعة من الدولة القائمة بالفعل؟هل يصح اعتماد مبدأ التقية بأن يماري الإنسان الحاكم الظالم لحين اللحظة الموعودة بالموعود الإلهي؟ وهذا سيكون منضبطاً في الإطار المذهبي في تأويل فكرة الظاهر والباطن (كما أوضحناها في المقال السابق). أم أن بناء الدولة ضرورة؟.
كل هذه التساؤلات جاءت متنامية ومتراكمة، ولم تتكون في فترة محدودة بغياب المهدي في القرن الثالث الهجري، بل أصبحت نظرية تتكامل مع التتطور الفكري والديني، ففكرة نائب الإمام كانت ذات وجود ملموس حتى قبل غياب المهدي، فمن أوصاهم الأئمة في حياتهم بجمع خمس الزكاة من أتباعهم في شتى البقاع، كانوا المسؤولين أيضاً عن نقل أفكار الإمام، ولكن فكرة النواب قد تطورت في المنعطف التاريخي بمقتل الإمام الحسن العسكري، وغياب إبنه محمد المهدي، إلى نواب عن الإمام الغائب، ينقل لهم علمه وتعاليمه بل وفتواه لمن يستفتيه بواسطتهم، وبالتالي هؤلاء الوسطاء ناولوا مكانة مقدسة في مرحلة الغيبة الصغرى، واستمرت هذه المكانة في مرحلة الغيبة الكبرى، والإتصال اللاملموس بينه وبينهم، عن طريق الاحلام أو الإلهام المباشر، ومن هنا أصبح للنواب والأوصياء منزلة مقدسة تتسق مع فكرة تقديس المهدي ذاته، ومع زوال هؤلاء الأوصياء، انتقل التقديس للعلماء أو الفقهاء خاصة مع تطور فكرة المهدي في الفكر الشيعي بشكل تراكمي، وإتصال المهدي بالفقهيه العالم لينقل أوامره للناس، ففكرة وصاية غير الإمام على الناس واردة في المذهب الشيعي في أسسه الرئيسية، ومكتسبة من تقديس لشخصية المهدي من الناحية الدينية والتاريخية.
ولكن ظل التساؤل الذي يعلن نفسه دائماً، وما هو دور الفقيه، وما عمق ولايته في ظل غيبة الإمام؟، فمن خلال الإجابة، ستتحدد طبيعة الدولة الدولة الدينية، التي تطورت حال تنفيذها الحديث في شكل الجمهورية الإسلامية في إيران، فمع كون الدولة الدينية في المذهب الشيعي قد تحققت في مراحل تاريخية مختلفة، كدولة البويهية في القرن الرابع والخامس الهجري في بغداد، والدولة الصفوية في إيران بدءاً من القرن التاسع الهجري إلا أن هذه الدول كانت تمنح التقديس لشخص الحاكم في ذاته، وليس لشخص الفقيه أو رجل الدين، فهي دول قامت على شخصيات حاكمة اكتسبت التقديس من حاكميتها، ولكن المهم والجديد في الدولة الدينية الحديثة أن هذا أول تطبيق ممكن لدولة الفقيه أو حاكمية رجل الدين في إطلاقه.
فنظرية ولاية الفقيه قد تطورت بناءاً على الظرف التاريخي الذي طرحت فيه الفكرة، فتأرحجت النظرية بين ولاية الفقيه المحدودة،، بحيث يكون الفقيه فيها قائماً على مراقبة تنفيذ الشريعية، وليس مسؤولاً عنها بشكل كامل، بل ليس مصدرها من الأساس، وهي ولاية تتحدد بالمجموع وبالموافقة عليها والإلتزام الإختياري بها. في حين نما رأي أخر عن ولاية الفقيه المطلقة، والتي تؤكد على السلطة المباشرة لرجل الدين أو الفقيه على المجموع، فهو القائم على تنفيذ الشريعة والدين، شاء الناس أم أبوا ذلك، بل أن سلطانه محدد من قبل الإمام الغائب، بل ووجوده مرسوم ومقدر منذ الأزل بتقدير من الله كتقديره الأنبياء والأولياء والأئمة، واختياره يتم بواسطة الإمام المهدي مباشرة لينوب عنه حين تتوافر فيه شروط العلمية والفقهية المحددة سلفاً منذ البداية. وهذا الجانب من النظرية أكسبت العصمة للولي الفقيه، وهذا ما أختاره الخوميني في تحديد ملامح الدولة الدينية التي أرساها في إيران، مع الأخذ في الاعتبار أن الخوميني لم يصرح بالولاية المطلقة إلا بعد عامين من قيام الثورة الإيرانية بالفعل وتربع رجال الدين على قمة الهرم الإيراني. فطوال فترة نفيه في تركيا والعراق كان ما زال يناقش الفكرة من خلال الولاية المحدودة.

ملامح نظرية الولاية المطلقة:
من الممكن تحديد سمات ولاية الفقيه من حيث التأسيس النظري في النقاط الآتية:
أولاً // الولاية: وهي في معناها التصدي والأولوية في إنجاز شؤون الأخرين، فالمجموع دائماً فاقد الأهلية وعاجز عن الفعل، منزوع الإرادة، قاصر غير مدرك لمصالحة الخاصة والعامة، يحتاج إلى من يرعاه ويدير له شؤونه، ويُقيم الوصاية عليه. فالولاية هي القيامة على الناس بشكل عامةنولا يحق لهم عزل أو تولية الوالي عليهم خاصة الفقيه فهذا أمر إلهي مقدس. وهذا ينسحب على كل المجالات الاجتماعية وليس فقط الشأن الديني فالمجتمع بكاملة يكتسب شرعيته من خلال إنتسابه للولي الفقيه، وليس العكس.
ثانياً // التنصيب: لا يملك أحد على الإطلاق تعيين الحاكم، فذلك يتم من قبل مجموع الخبراء أو النخبة الدينية وبالطبع سيكون إقراراً منهم بمن حددة الإمام المهدي سلفاً، فالمجموع ليس ذا صفة مطلقاً في اختيار وليه، فهي منصب من قِبل الله، حتى أن عزلة لو تم اكتشاف أنه مخالف للشريعة في جانب ما، يكون بنفسه، فالولي الفقيه مسؤول أمام الله مباشرة وليس أمام شعبه، أو من يقوم عليهم. فالله وحده هو من يعلو الولي الفقيه.
ثالثاً // الإطلاق: تنسحب سلطة الفقيه الولي على كل عناصر الحياة، فهو ليس ملتزم بقانون أو دستور أو أي سلطة دنيوية، بل أن التشريع الديني ذاته يكتسب كيانه من خلال إقراره له، فكل السلطات التنفيذية والقانونية والدينية والتشريعية لا تؤدي وظيفتها إلا تحت سماءه وسلطانه في إطار الدولة الدينية تحت مفهوم الولاية المطلقة. فرؤيته مقدمة كلياً على كل ما يجاوره أو يخالفه.
أي أن نظرية ولاية الفقيه، قد تتعدى القيادة الدينية في حد ذاتها، إلى مرحلة الإشراف على مفهوم القيادة الدينية، بمعنى أن الفقيه هو ممثل الله على الأرض، ولا يمكن مسائلته مطلقا كما لا يمكن مساءلة الله، بوصفه الأكثر فقهية وأعملية، وقائماً على تنفيذ حدود الله وتشريعه، فكما قال الخوميني: quot; الفقهاء هم الحكام الحقيقيون والسلطة حق واجب لهم ولا يجوز لغيرهم منافستهم في هذا الأمر quot;. فالدولة لدى الخوميني دولة تنفيذية للشرع الإلهي، قائم عليها الفقيه العالم، ولا يمكن تجاوزه بوصف الدين والدولة لا يستقيمان إلا بولاية الأعلم، وفي ظل غياب القائد الإمام، يكون الفقيه هو الولي.
والدولة الدينية من هذا المفهوم تتعارض كلياً مع حق المجموع في الاختيار وتقرير المصير، بحجة أن مفهوم الديمقراطية يُغلّب رأي الأكثرية أو الأغلبية على الأقلية، وبالتالي يقع الظلم على الأقلية بشكل أو بأخر، لذا فالأحكم هو تطبيق الشرع دون النظر إلى رأي المجموع قل أم كثر في رغبتهم الحقيقية في تطبيق الشريعة من الأساس، فالفقيه في هذا الجانب ليس قائداً أو رئيساً فقط، بل هو المرشد الأعلى والموجه الأسمى لكل شئ.

الثيورقراطية والجمهورية:
رغم أن الديمقراطية ذات نشأة غربية من حيث المفهوم، فهي قد قامت ضد الحكم الديني الثيروقراطي للكنسية، وفردية التوجه في بناء المجتمعات، وعجز التوجهات الدينية لتقديم حلول مباشرة للعديد من القضايا الحياتية المنسحبة إلى التطور البديهي. إلا أن هذه الأزمات قد نجد لها تشابهاً في سياق الدولة الدينية في السياق الإسلامي وتطبيقاته في المذهب الشيعي، خاصة في إيران، رغم أن الإسلام قد تجاوز للعديد من القضايا الإشكلاية على المنحى الحياتي، إلا أن الدولة الدينية قد أضحت إشكالية في حد ذاتها بعيداً عن الدين، خاصة في مساحة الحرية الفردية، وقدرة المجموع على الاختيار.
كلمة ديمقراطية مأخوذة من الكلمة اللاتينية (Democratia)، والمكونة من شقين (Demos)، بمعنى الشعب او الناس، و(Kratos) بمعنى القيادة أو الحكومة، أي (حكم الشعب)، أي أن يكون الشعب حاكماً لنفسه بنفسه، أي أن أسس الدولة المدنية أن يكون الشعب هو الحكام، وبالتالي تتأسس الجمهوريات بناءاً على اختيار الشعوب مجردة بكل تناقضها العرقي والديني والاجتماعي، أي أن الجميع على قدم المساواة، هذه هي بداهة الجمهوريات أو المجتمعات المدنية في جانب منها.
ولكن الولاية الفقهية كما تم عرضها في السياق السابق تتعارض كلياً مع مفهوم الدولة الجمهورية أو الديمقراطية من الأساس في أبسط خصائصها، فالولاية تفرض وجود نخبة متميزة قادرة على الفعل العام دون الحاجة للمجموع، فضلاً أنها نخبة مقدسة وملهمة، لا تعطي أي مساحة للحرية الفردية أو الجماعية لإتخاذ القرار إلا بناءاً على رأي الفقيه.
من أهم سمات الديمقراطية أن يتم إختيار الحاكم من قبل المجموع، لا من قبل الله كما ترد نظرية الولاية، ويكون هذا الحكام مرهوناً بزمن أو اداء محدد، لا أن يكون مطلقاً إطلاق حياته، وكذلك يتمكن المجموع من محاسبته او عزلة لو رأى ذلك، بما يتسق و الصالح العام، بما يتعارض مع مفهوم التنصيب في فكر الولاية، كما أن الدولة الديمقراطية دولة قانون، ولا يعلو أحد فوق المؤسسة القانونية.
في المنتهى فإن الدولة الإيرانية قد عرضت تناقضها من حيث بنيتها المؤسسة، فكيف يمكن طرح دولة جمهورية وفي نفس الوقت ذات جذور مذهبية تعتمد على الولاية المطلقة للفقيه، هذا التعارض بين الديني والمدني هو من وجهة نظري أساس كل الخلافات السياسية والإشكاليات داخل النظام الإيراني، أي التعارض بين الديني بمفهومه المطروح والمدني بمفهومه الكلي، رغم أن النظام الإيراني حاول التوفيق بين الجانبين من خلال بعض مواد الدستور أو تعددية المجالس الحاكمة أو المتحكمة أو المراقبة، ولكن بنية النظام نفسها تحمل تناقضها.
حتى أن مؤيدي الولاية المطلقة يعتبرون أن الديمقراطية لا تصلح للمجتمع الإسلامي بشكل عام، بل لا ضرورة لها من الأساس، فرغم كل محاولات الإلتواء التي قاموا بها في محاولة لإدخال الشعب في المنظومة التأسيسية للنظرية، مثل محاولات (محمد باقر صدر) في جانب منها للتوفيق بين ما أسماه الخلافة الشعبية برقابة المرجعية الدينية، أو محاولات بعض فقهاء قم بطرح نظرية quot; ولاية الفقيه المقيدة بالإنتخاب quot; على يد (آية الله حسين نجفي)، إلا أنها محاولات باتت تلفيقية أكثر منها توفيقية، ولم تلقى رواجاً أو انتشاراً يليق بها. حتى أن ما يثار داخل المجتمع الإيراني تحت مفهوم ( القيادة الشعبية) كترجمة حرفية لمصطلح (مردم سلاري) بالفارسية، او الديمقراطية بشكل أعم، ومدى علاقتها بالولاية المطلقة، وما أستتبع ذلك مما رصدناه من أزمات إصلاحية أو مدنية مع الحكومة الدينية، لم يؤتي ثماره مطلقاً. فالتعارض قائم لا محالة بين الشقين الرئيسيين في النظام الجمهورية والإسلامية.
وإن كان هذا يفتح باب التساؤل لما هو أهم، وهو هل هناك ضرورة حقة لدولة دينية أياً كانت وإسلامية بشكل خاص؟، بمعنى بعد مرور هذه السنوات على مشروع دولة دينية ألهمت طموحات وأحلام النظم الحركية والنظرية في المنطقة، ألا يحق لنا تقييم المشروع من أساسه؟، في جدوى العلاقة بين الدين والدولة.
التعارض بين الدولة والدين:
في رأيي أن علاقة الدولة بالدين هي علاقة غير متكاملة لكلاهما، وذلك للأسباب الآتية:
أولا // الدين من منظوره العام، يتسم بالثبات والنمذجة، بمعنى أنه لا يصح محاكمة الثابت الديني بالمتغير السياسي القائم على المصالح المتغيرة بطبيعة الحال، بما قد يضر بالدين أو يهدد يزوال الدولة. فالدين بطبيعته مرتبط بالمقدس الأعلى أي خارج عن الزماكانية، والهدف منه أخروي في بنيته التأسيسية، أما شؤون الدولة السياسية فهي ذات ارتباط دنيوي متغير، وليس له علاقة بعالم الدين أو العالم الأخروي أو الأهداف المقدسة، وأي محاولة للربط بين المقدس والدنيوي المتغير لابد وأن تشوه كلاهما، وتُفقد الدين إطلاقيته، وتفسد المصالح السياسية. هذا بشكل عام.
ثانياً // لم يقم التشريع الإسلامي المتمثل في الفقه بتنوع أشكاله المذهبية على فكرة الدولة من الأساس، بل هدف علاقة الفرد بالمجموع وعلاقته بالله، من حيث العبادات والمعاملات، ولم يحل مطلقاً محل قوانين التجارة أو أسس الصناعة، وغيرها من أسس الحياة الإنسانية، فإنتاج البرامج السياسية لم تكن يوماً في مجال إهتمام التشريع الفقهي أو السياق الديني. وبالتالي فإن كل محاولات سحب الفقهية لصالح نمذجة أمور لا تهدفها من الأساس، تُعد محاولات تعسفية، لخدمة أغراض أو أهداف خاصة بتوجهات فردية. وبالتالي كيف يمكن اعتماد الفقه بكل تنوعه كمرشد في الحياة المدنية السياسية.
ثالثاً// لا يعني الإلتزام بالأحكام الدينية الإلزام بدولة دينية، فالإلتزام الديني يرجع في تأسيسه إلى الطابع الإجتماعي وقدرته على إلزام الفرد بصالحه الديني أو ممارساته الطقسية والشعائرية، ولكن في النهاية أي تجاوز قد يقوم به الفرد لا يملك المجموع حسابه عليه، فهذا أمراً أخروياً لا يملك أمر حسابه إلا الله، فالإلتزام الديني لا يحمل في مضمونه إطلاقاٌ الإلتزام القانوني، كما أن هناك فرق بين الذنب الديني والذنب القانوني أو الاجتماعي، وبالتالي لا يصح إلباس الدين للقانون أو العكس، فضلاً عن تعيين قائم على هذا القانون الديني، فالقوامة هنا لله وحده.
رابعاً // ولاية الفقيه في عمقها البنيوي تتشابه من الإلهية المكلية، أي أنها إعادة إنتاج للمقدس الملكي في رداءه الديني الجديد، بل أنها تتعدى ذلك للتتشابه مع أفكار الإنسان الكامل في السياق الصوفي، أو حكيم الحكماء في الفكر الفلسفي الأفلاطوني، أي مبدأ الإنسان المغاير للواقع المتفوق عليه، الوصي على كل تفاصيله، فأصل فكرة ولاية الفقيه تكمن في قضية الولاية وليست الفقهية، فالولاية هي أصل التميز وليس الأعلمية الفقهية. وفي إشارة غاية في الأهمية قام بها (عبد الكريم سروش) المفكر الإيراني المعروف، تتلخص في الآتي، أن فكرة الولاية في حد ذاتها وولاية الفقيه المطلقة بشكل خاص تتعارض مع أصل ديني مهم، وهو ختم النبوة، بمعنى أنه بختام النبوة أصبح الإنسان على وعي كامل بالصحيح والخطأ، ومسؤول أصيل عن أفعاله، ولا يمكن لأخر تحمل هذا العبئ حتى لو كان أفقه الفقهاء، وبالتالي فإن الولاية تهدم فكرة ختم النبوة، وبالتالي لا علاقة بين النبوة وتأسيس فكرة الوصاية المجتمعية من قبل الفقيه، فأخر من قام بهذا الدور هو النبي، وبموته أصبح هذا دور فردي ولا يوجد من ينوب عنه.
وفي النهاية، فإن دولة الدين تخالف صحيح الدين، وطبيعة العقل الإنساني ومنطقه، ورغم كل مساوئ الدولة المدنية، إلا أنها أكثر إتساقاً مع الفكر الإنساني القابل للتعلم والتطور وتصحيح الأخطاء، ولكن بالتأكيد هذا أفضل من كيان فصامي يجمع بين الدين والدولة في إطار من الوصاية الكلية، ولا يعني هذا نفي الدين كلياً، ولكن وضعه في إطاره الذي يحقق من خلاله هدفه وغايته الأسمى، دون تحميله ما لا يحتمل.
أكاديمي مصري

[email protected]. co. uk