quot;أبعاد الأزمة الاقتصادية الراهنة وتداعياتها، عالميا ومحلياquot; هو محور الندوة الثانية التي عقدت قبل أيام بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري. وهي المرة الثانية علي التوالي التي أستمع فيها، مع نخبة من المثقفين والسياسيين، للكاتب والمفكر السيد يسين أستاذ علم الإجتماع السياسي ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث كانت الندوة الأولي بعنوان quot; التحليل الثقافي للمجتمع العالمي والعربي والمصري quot;.
تأتي سلسلة الندوات هذا العام 2009، في اطار اهتمام المركز، الذي يترأسه الدكتور ماجد عثمان، (بالتحليل الثقافي للمجتمع المصري)، ويشارك فيها الأساتذة والدكاترة: أحمد كمال أبو المجد وعلي ليلة وأحمد زايد وأماني قنديل وقدري حفني وراجية قنديل وسحر الطويلة وسحر عمر وحسين عبدالعزيز وماجد عثمان وعلي الدين هلال والسيد يسين، وغيرهم.
وتدور موضوعاتها علي الترتيب حول: أزمة الثقافة السياسية في مصر، واللامعيارية، ونظرية الحرمان النسبي، ودور مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة مجتمع المخاطر، ونظريات تغيير القيم والاتجاهات في علم النفس الإجتماعي، ودور الإعلام الإيجابي والسلبي في تشكيل القيم والاتجاهات، وخبرات عملية في مجال استطلاع الرأي العام، وهل يمكن بإستخدام المؤشرات الكمية في تقارير التنمية البشرية رسم خريطة طبقية للمجتمع المصري، والفجوة بين السياسات العامة والقيم السائدة، وأزمة المشاركة السياسية، والاغتراب الذاتي والموضوعي.
وهذه الموضوعات، كما تبدو من عناوينها، تقاسيم علي لحن أساسي هو quot; التحليل الثقافي quot; الذي يتردد صداه بقوة في العقود الأخيرة، بعدما تبين قصور المناهج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التقليدية.
وقد أسهم في بلورة منهجية التحليل الثقافي كوكبة من علماء الاجتماع والفلسفة في العالم، أبرزهم: quot;يورجين هابرماسquot; الألماني وquot;ميشيل فوكوquot; الفرنسي، وquot;بيتر برجرquot; الأميركي.
ويعد السيد يسين أحد أهم المشتغلين بهذه المنهجية، حيث ساهم ndash; ولايزال - في تأصيل التحليل الثقافي في عالمنا العربي، عبر كتاباته المختلفة وأبحاثه التطبيقية المتعددة، من أجل فهم الظواهر المعقدة في عصرنا، عصر العولمة وما بعد الحداثة.
أزمة مجتمعية
في الندوة الأولي، أشار يسين: إلي أن quot; مفهوم رؤية العالم quot; يقع في قلب منهجية التحليل الثقافي، وهو يعني ببساطة quot; النظرة للكون والمجتمع والإنسانquot;، والذي أصبح أداة أساسية لفهم كل من المجتمعات المحلية والمجتمع العالمي سواء بسواء.
وتوجد رؤيتان للعالم في منطقتنا العربية: رؤية دينية منغلقة، ورؤية ليبرالية منفتحة. وبتطبيقه لمنهجية التحليل الثقافي علي ثلاثة من كبار المفكرين العرب، هم: الجزائري محمد أركون، والمغربي محمد عابد الجابري والفلسطيني هشام شرابي، وجد أن العقل العربي عند الأول نص جامد، وعند الثاني نص متهافت، أما الثالث فإن العقل العربي عنده هو بنية بطركية (أبوية) استبدادية تراتبية.
ويخلص يسين إلي أن لدينا بالمقابل ثلاثة أزمات مركبة: أزمة الشرعية، حيث تآكلت الشرعية في العالم العربي، شرعية التقاليد وشرعية الكاريزما والشرعية القانونية.
وأزمة الهوية، حيث لا يزال السؤال الحائر: هل نحن مصريون أم عرب، وهل نحن عرب أم مسلمون؟. وسؤال الهوية هذا هو جزء لا يتجزأ من رؤيتنا للعالم. وأخيرا أزمة العقلانية العلمية، حيث تسود الخرافة والتدين الزائف.
الإطار الأولي للتحليل الثقافي في المجتمع العربي الراهن، يشير ndash; حسب يسين - إلي انه يمر بأزمة مجتمعية، ومن ثم يصبح السؤال: هل هي أزمة تحول ديموقراطي أم أزمة جمود ديموقراطي؟.. الجمود الديموقراطي، برأيه، يستدعي استراتيجية للتغيير، فهناك أزمة في المشاركة السياسية، وتخلف في الثقافة السياسية (الخلط بين الدين والسياسة).. وأزمة اقتصادية مزمنة وغياب أية خطة مستدامة للتنمية.
لكن السؤال الملح هو: أية ديموقراطية؟.. فقد تأتي الديموقراطية بالفاشية، وهو ما حدث في ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين حيث جاء quot; هتلر quot; إلي الحكم بالديموقراطية، وضرب الديموقراطية بسلاح الديموقراطية.. وهو ما يطرح قضية الليبرالية وتداول السلطة، وحرية التعبير والانتخابات. كذلك نوع التعددية المطلوبة داخل هذه الديموقراطية؟..
أهم ما طرحه السيد يسين، في الندوة الأولي، برأينا، ويحتاج إلي التفكير بجدية وحسم، هو ضرورة الحوار بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية، شريطة أن يكشف المتحاورون عن أجندتهم quot; السرية quot; منذ البداية، وليست المعلنة، علي مائدة الحوار، أو قل quot; فوقها quot;!.
الرأسمالية المراقبة
في الندوة الثانية quot; أبعاد الأزمة الاقتصادية الراهنة وتداعياتها quot;، ميز يسين بين مصطلحي الأزمة المالية والأزمة الاقتصادية، ورأي أن التعبير الدقيق هو أنها أزمة اقتصادية شاملة، ستدفع بسرعة عملية مراجعة الرأسمالية كمذهب اقتصادي من زاوية المنطلقات النظرية والممارسات العملية معاrlm;، ذلك انه لم يعد أحد يستطيع ان يزعم بعد اليوم بأن حرية السوق مطلقةrlm;، وعلي الدولة أن تكف يدها عن التدخل في الاقتصاد.
مشيرا إلي أن هذه المراجعة بدأت قبل عام 1989 من قبل مفكرين ذوي بصيرة تاريخية ممن أدركوا ان الرأسماليةrlm;، بالرغم من نجاحاتها في تجديد نفسها في الستينيات والسبعينيات فإنها لأسباب شتي لايمكن لها ان تستمر إلي الأبدrlm;. من هؤلاء المفكر المعروف quot; ليستر تورد quot; الذي أخرج كتابا بعنوان quot; ما بعد الرأسمالية quot;، وربما كان تورد وأقرانه من نقاد الرأسمالية التقطوا الخيط مبكرا من العالم الاقتصادي الشهير الأمريكي النمساوي الأصل quot; شومبيتر quot; والذي ذكر في أحد كتبه المعروفة ان الرأسمالية تتضمن تناقضا لايمكن حله يتمثل أساسا في: quot; جماعية عملية الإنتاج وفردية الاستحواذ علي الفائضrlm; quot;.rlm; بمعني ان عملية الإنتاج التي يسهم فيها آلاف المهندسين والعمال والإداريين تنتهي أرباحها في النهاية في جيوب عدد قليل من الرأسماليين هم ملاك الشركات والمؤسسات والمديرونrlm;.rlm;
ولعل ما يبرز صدق مقولة quot; شومبيتر quot;، حسب يسين، ماحدث بعد الأزمة (المالية) الأمريكية الكبري، إذ اضطرت الحكومة الأمريكية إلي ضخ أكثر منrlm;700rlm; مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، لإنقاذ البنوك والمؤسسات الكبري من الانهيارrlm;، وتبين بعد ذلك أن ملاك الشركات والبنوك ومديريها صرفوا لأنفسهم من هذا الدعم، مكافآت بلغت أحد عشر مليارا من الدولاراتrlm;!rlm; مما اضطر الرئيس quot; أوباما quot; إلي التعليق بأن quot; هذا عمل لا أخلاقيrlm; quot;.
ورغم اعتراف يسين بأن الوقت جد مبكر للتنبؤ بالتحولات التي ستلحق بالنموذج الرأسمالي الذي سقط (وأنتهي بالمعني التاريخي علي حد قوله)، فنحن في مرحلة laquo;أزمة النموذجraquo;، إذا ما استخدمنا مصطلحات فيلسوف العلم الأميركي quot; توماس كون quot; في كتابه المعروف laquo;بنية الثورات العلميةraquo;.
ولكن لن يكون تنبؤنا الحذر بعيداً عن الدقة لو قلنا إن لدينا موقفين للدولة، الأول منهما: الدولة الشمولية التي تلغي القطاع الخاص تماماً، ودولة الحد الأدنى التي تلغي تدخل الدولة تماماً.النموذج المقبل ndash; برأيه - سيكون نموذجاً وسطياً معتدلاً، أو طريقا ثالثا، يقوم على أساس التأليف الخلاق بين دور إشرافي للدولة على اتجاهات الائتمان من ناحية، وإطلاق حرية القطاع الخاص تحت الرقابة من ناحية أخرى. وسيفتح هذا باباً جديداً من أبواب التاريخ قد يطلق عليه من بعد laquo;الرأسمالية المراقبةraquo;.