ليس الإعلان الأخير لكتائب القسام -الجناح العسكري لحماس- عن مقتل محمد السنوار ونعي أبو عبيدة حدثًا عسكريًا متأخرًا، ولا مجرد تحديث في سجل الخسائر، ما جرى هو اعتراف سياسي وأمني ثقيل الدلالة، يُعلن عمليًا انتهاء مرحلة قيادية كاملة داخل حماس، والدخول القسري في مرحلة تُدار فيها الحركة بهدف منع الانهيار، لا لقيادة مشروع ولا لإعادة إنتاج سلطة.

في التنظيمات العقائدية، لا يُعلن عن سقوط الرموز إلا عندما تسقط القدرة على الإخفاء، وحماس، التي أتقنت لعقود إدارة الغموض وتدوير الرواية، لم تلجأ إلى هذا الاعتراف لأنها قررت المكاشفة، بل لأنها لم تعد قادرة على مواصلة الإنكار، الصمت لم يعد يحميها، والاعتراف بات أقل كلفة من استمرار الوهم.

الحقيقة، أن الدلالة الأعمق لا تكمن في واقعة مقتل محمد السنوار بحد ذاتها، فهي معروفة منذ وقت، ولا في رمزية أبو عبيدة وحدها، بل في توقيت الاعتراف وطريقته، إذ أن يصدر الإعلان عبر ناطق عسكري جديد، وأن يُجمع فيه نعي القادة في خطاب واحد، فهذا لا يشير إلى استمرارية تنظيمية، بل إلى إعادة هندسة اضطرارية للرواية القيادية تحت الضغط.

وهنا تتشكل ملامح حماس الجديدة، التي لم تعد الحركة تُدار عبر توازن بين القيادة السياسية والذراع العسكرية، ولا عبر رموز تؤدي وظيفة التعبئة والضبط معًا، بل بات القرار محصورًا في دوائر عسكرية وأمنية ضيقة، والأولوية لم تعد المبادرة أو التوسع، بل ضبط الصف ومنع التفكك.

بلاشك، لقد استهدفت الحرب الأخيرة بنية حماس بشكل منهجي، من حيث الإطار التنظيمي، مصادر القوة، وسلسلة القيادة، ومع تراجع رعاية الدول الإقليمية وتغيّر البيئة الدولية، وجدت الحركة نفسها أمام واقع لم تعهده من قبل، تنظيم مُنهك بلا عمق سياسي وبلا غطاء استراتيجي، في مثل هذه الظروف، لا يُعاد بناء القيادة، بل تُدار الأزمة.

ولا يمكن فهم هذا التحول داخل حماس بمعزل عن حقيقة أن دولة إسرائيل نجحت في كسر وهم الردع الذي لطالما استندت إليه الحركة في خطابها وسلوكها، فقد أثبتت دولة إسرائيل قدرتها على خوض حرب ممتدة على عدة جبهات، وفي بيئة تجمع بين القتال النظامي وحرب العصابات، من دون أن تفقد تفوقها العملياتي. والأهم أن هذا التفوق لم يكن ناريًا فقط، بل استخباريًا بامتياز، حيث جرى اختراق البنية القيادية لحماس، وتتبع سلاسل القرار، وتحييد القيادات الميدانية والرمزية بصورة منهجية. هذا النمط من الاستهداف لم يضرب القدرات القتالية فحسب، بل أسقط منطق الردع نفسه، وحوّل الحركة من تنظيم يراكم التهديد إلى كيان يُدار تحت الضغط، ويُجبر على الاعتراف بخسائره بعد أن فقد القدرة على إخفائها أو توظيفها سياسيًا.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يتوقف التحليل عن توصيف الخسائر ليصل إلى جوهر المأزق، ماذا يبقى من حركة فقدت قيادتها، وروايتها، وقدرتها على المبادرة، ولم يتبقَّ لها سوى إدارة الضرر؟. وهنا يفرض السؤال نفسه عند لحظات الانكشاف الكبرى: هل نحن أمام حركة تُعيد إنتاج نفسها، أم أمام تنظيم يُدير ما تبقّى منه؟

التجربة التاريخية لحماس تُرجّح الاحتمال الثاني، ففي عام 2006، دخلت الحركة العملية السياسية بوصفها أداة صعود، ثم انقلبت على العملية السياسية برمتها، فور أن أصبحت عائقًا أمام احتكار السلطة. السياسة لم تكن يومًا خيارًا مبدئيًا، بل وسيلة ظرفية، وما يُطرح اليوم من حديث عن تحول سياسي في حركة حماس؛ لا يخرج عن هذا السياق الوظيفي، بل يأتي في لحظة أضعف بكثير.

والحقيقة أيضا، في الفارق الجوهري أن حماس اليوم لا تفاوض من موقع توسّع، بل من موقع انكشاف، فغزة لم تعد ساحة حكم مفتوح، بل مساحة مُعاد هندستها أمنيًا وجغرافيًا، والقدرة على حمل السلاح لم تعد مرادفة للقدرة على الحكم، ولا حتى للبقاء طويل الأمد، وهكذا فإن ما يُسمّى التحول السياسي ليس مشروعًا، بل محاولة لتقليل الكلفة في مرحلة حصار شامل.