تسبب انحسار مياه أهوار جنوب العراق بهجرة السكان للمدن وموت عدد كبير من حيواناتهم حيث يقطنون المنطقة منذ مئات السنين.

وسيم باسم من بغداد: المعدان في العراق.. مجموعة سكانية تسكن مناطق الأهوار في جنوب العراق، وعلى ضفاف الأنهر في مدن العراق المختلفة، تعيش على تربية الجاموس ومنتجاتها من اللحوم والحليب الغني بالدهن مما يساعد في أنتاج القيمر (القشطة)، الذي يعد وجبة أساسية في الفطور في العراق.

ارتبط المعدان (سكان الاهوار) بالجاموس والمياه كمصدري رزق ورفيقي عيش معهم

لكن الخطر الأكبر الذي يتهدد رزق هذه المجموعات هو انحسار الماء من الأهوار وضفاف الأنهر وتناقص أعداد الجاموس، الذي تتطلب تربيته أراض كثيفة الخضرة كثيرة المياه.
وليس هناك حديث في العراق عن المعيدي اذا لم يرتبط بالجاموس الذي يواجه تحدي الانقراض بسبب تزايد عمليات الذبح العشوائي، وتضائل اهتمام المعدان بتلك الحيوانات التي تعد كنزا لهذه الفئة من المجتمع.

والجاموس العراقي ضعيف البصر والسمع ويعيش لفترة طويلة تصل إلى عقدين ونصف. وتعيش أعدادا كبيرة منه في هور الشلامجة قرب الحدود العراقية الإيرانية في محافظة البصرة (545 كم جنوب بغداد).

ودفعت كلفة تربيتها الكبيرة، وصعوبات الحياة المائية عائلة ابو فهد الى الهجرة من هور الدملج في الديوانية ( 180 كم جنوب بغداد ) الى ضفاف شط الهاشمية الذي هو امتداد لشط الحلة. وعلى رغم انه يمتلك قطيعا من الجاموس الان يقدر بعشرة رؤوس الا ان هذا العدد لا يقارن بالعدد الكبير الذي كان يمتلكه وإخوته في الهور حيث كان يقدر عددها بأربعين رأسا في العام 2005.

لكن أبو فهد عانى كثيرا في رحلته من الاهوار إلى الأنهر، ذلك ان جاموس الاهوار يختلف في طبيعته ومقومات عيشه عن جاموس الأنهر مما تطلب منه جهدا كبيرا لكي تثمر رحلته عن نتيجة ايجابية.

وبحسب ابو فهد فان جاموس الاهوار ميال للسباحة في المستنقعات الراكدة ويتميز بإنتاجه القليل من الحليب أما جاموس الانهار فيفضل السباحة في المياه العميقة وينتج الحليب العالي الدسم.

الهجرة الى المدينة
وحال ابو فهد حال كثيرين من المعدان الذين هاجروا الى المدن ولبسوا لبوس اهل الحضر على رغم صعوبة اندماجهم في المدن لكنهم اضطروا الى فعل ذلك كما يقول الشيخ ابو وائل وهو من اوائل المعدان الذين هجروا الاهوار في الثمانينيات حيث سكن مدينة الديوانية على ضفاف الشاطي واضطر الى هجر حياة المعدنة مضطرا، بعدما تعذر عليه العيش كما عاش إباءه وأجداده في مستنقعات المياه.

وبينما كان يمتلك ابو وائل وعائلته اكثر من ثلاثين راس جاموس، انخفض العدد حين هاجر الى شاطيء نهر الحلة الى خمس عشرة راسا، ثم ما لبث ان انخفض العدد الى النصف ليضطر بعدها بيع كل ما لديه وينزح الى المدينة.

وعلى رغم ان ابو وائل مضى على هجرته الى المدينة سنينا لكن الناس مازالوا يطلقون عليه لقب quot; معيدي quot;.
يقول ابو وائل ان أعداد الجاموس تناقصت بشكل ملحوظ منذ ان جفف النظام العراقي السابق الأهوار بعد عام 1991، حيث هاجر الكثير من أبناء الاهوار ومنهم المعدان مناطقهم الأصلية إلى القرى والمدن البعيدة والقريبة.

ويبيع ابو وائل في الشهر (رأسين) بين فترة واخرى للقصابين، سدا للنفقات التي لم يعد يقوى عليها، وهذه - يقول ابو وائل - جزءا من عمليات الذبح العشوائي التي تسبب خسارة فادحة لمربي الجاموس.

وجرب ابو وائل تربية الأبقار كبديل للجاموس لكنه يرى ان تكاليف تربية الجاموس اقل، لانه يستطيع العيش حتى على الأعلاف الرديئة كما انه أكثر مقاومة لظروف البيئة القاسية.
ويرى المهندس الزراعي فوزي كامل ان تلوث الأنهار التي يتجمع حولها المعدان وسوء الأعلاف أكثرت الأمراض بين الحيوانات.

شروط البيئة النظيفة
وبين القطيع الذي يبلغ عدده نحو سبعين رأسا تمتلكه عوائل المعدان في جزء نهر الحلة عند بدء طريق النخيل السياحي، تلمح إعدادا قليلة جدا من العجول الصغيرة الأعمار مما يدل على نقص المواليد. ويفضل اكثر المعدان ذبح الذكور دون الاناث حفاظا على النسل.

وهذه العوائل تنتمي بصلة القرابة الى أبو فهد الذي اصطحبنا الى مأوى الجاموس الخالي من شروط البيئة النظيفة.
ويقول الفتى كامل الذي يحمل عصاه الغليظة حين يقود القطيع الى النهر، ان المكان ليس مثاليا لتربية الجاموس فالقطيع يقطع الشارع العام في انتقاله الى النهر مما تسبب في عدة حوادث اصطدام مع السيارات.

لكن أهم ما تجابهه تربية الجاموس في هذا المكان تلوث مياه نهر الحلة حيث يمكن ان تلمح اكياس النايلون والحيوانات الميتة والعلب
الفارغة بين اجساد الجاموس الذي يغطس بكامل جسمه بماء النهر عدا الرأس، متمرغا بالطين. ولان حاسة الشم لدي الجاموس قوية جدا فانه يتحسس من أي ملوثات كيمياوية ومنها السموم المستخدمة لصيد الأسماك و زيادة تركيزها في المياه مما يؤثر سلبا على حياة الجاموس المائية.

وأدى ارتفاع الملوحة في النهر الى أمراض كثيرة للجاموس اضافة الى نفوره من البقاء في الماء الذي لا يستطيع من دونه، كما أدى التلوث البيئي وانعدام شروط الصحة الى زيادة الهلاك بين العجول في الأيام الأولى لولادتها.

ويتغذى الجاموس على الأعشاب والنباتات و البرسيم الذي يساعد على كثرة ادرار الحليب.
ومما يثير الاستغراب ان قطيعا بهذا الحجم لم يتعرض لفحوصات الأطباء البيطريين منذ سنتين، إضافة الى عدم توفر أي دعم حكومي من ناحية الأعلاف وتوفير الأدوية البيطرية.
ويشير كامل الى ثلاثة من إناث الجاموس أصبن بالتهاب الضرع وهناك قلق ينتابه من انتشار المرض بين افراد القطيع مما سيؤدي الى انخفاض المنتج من الحليب.
ويقترح المهندس الزراعي تشجيع المعدان على تربية الجاموس عبر دعمهم ماليا وصحيا، وتوفير بيئة ملائمة لتربية الجاموس مثل تحويل الماء إلى الاهوار وإنشاء ترع كبيرة للجاموس بجانب الانهر تتوفر فيها شروط البيئة النظيفة.