تؤكد الغارات التي شنتها إيران ضد تنظيم الدولة الإسلامية مكانة طهران كلاعب إقليمي لا يمكن الالتفاف عليه، لكنها تعتبر كذلك مؤشرًا إلى الغموض المحيط بالجهد الدولي الذي يجمع بلدانًا لديها أجندات متناقضة، بحسب عدد من الخبراء. وأعلنت واشنطن أن هناك توزيع أدوار قتالية، حيث ضربات إيران تكون في مناطق خارج مهمات القوات الأميركية.


باريس: كشف البنتاغون الثلاثاء أن مقاتلات ايرانية من طراز اف -4 فانتوم شنت خلال الايام الماضية غارات ضد مواقع "للجهاديين" في شرق العراق قرب الحدود مع ايران.
&وقال وزير الخارجية الاميركي جون كيري في بروكسل إن أي ضربة ايرانية ضد تنظيم الدولة الاسلامية "ايجابية".
&
ورغم تأكيد طهران وواشنطن أن التعاون بين القوات المسلحة في البلدين ليس على جدول الاعمال، يظهر ازدياد الانهماك الايراني في مسرح العمليات في العراق أن التحالف ضد الدولة الاسلامية يمكن ويجب أن يأخذ في الحسبان مبادرات طهران.
&
والتدخل الايراني في الازمة العراقية ليس جديدًا، فهو سابق لضربات واشنطن في العراق، كما يقول خبراء، مؤكدين أنه لولا الضغوط التي مارستها طهران لما كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تخلى عن السلطة. وقالت روزماري هوليس من سيتي يونيفرسيتي في لندن إن الايرانيين "كانوا اسرع من الاميركيين في الاستجابة لحاجات الدفاع العراقية، كما قاموا بنشر قواتهم ميدانيًا قبل بدء الضربات الاميركية في الثامن من اب/اغسطس".
&
خطر يجمع
من جهته، قال دوني بوشار من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية لفرانس برس: "للمفارقة، اصبحت ايران والولايات المتحدة حليفتين موضوعيتين ضد داعش. وهذا يؤكد ما كنا نعرفه: ايران لاعب لا يمكن تجاهله في كل الملفات الاقليمية".
&
اما ديدييه بيليون، المدير المساعد في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، "لم تصل الامور الى حد التحالف، لكن لدى واشنطن وطهران مصالح مشتركة، أي محاربة داعش. من جهة اخرى يمكننا أن نتخيل اتصالات مسبقة بين البلدين اذا كانت الضربات وقعت". واضاف أن "التطورات الاخيرة تؤكد في كل الاحوال امرًا واحدًا، وهو انه لا يمكن تجاهل ايران في السراء والضراء".
&
ويبقى وجود "اتصالات مسبقة" مباشرة بعيد الاحتمال، لكن المتحدث باسم البنتاغون الاميرال جون كيربي شدد خلال مؤتمر صحافي في واشنطن على دور الحكومة العراقية في تنسيق الضربات الجوية التي تشنها بلدان عدة في الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. والعلاقات الواسعة بين الحكومة الشيعية العراقية والسلطات الشيعية الايرانية تدعو الى الافتراض بأن تنسيق العمليات العسكرية بين الجيشين الايراني والاميركي يمكن أن يمر عبر بغداد، كما ان مركز القيادة الجوية الاميركية في قطر بامكانه رصد تحركات الفانتوم الايرانية لحظة اقلاعها.
&
شريك صامت
وكتب الاميركي مايكل دوران نائب مساعد وزير الدفاع الاميركي سابقًا ابان ولاية الرئيس جورج بوش في تقرير لمعهد بروكينغز أخيراً "لقد سمحت طهران فعليًا بتعاون عملاني مع الولايات المتحدة ". واضاف "في الواقع، لقد جعل المرشد علي خامنئي من ايران شريكاً صامتاً للولايات المتحدة في الشرق الاوسط"، مذكرًا خصوصاً بالاتصالات السرية بين البلدين بخصوص الملف النووي الايراني.
&
ولكن رغم انهما اصبحتا حليفتين موضوعيتين في محاربة داعش في العراق، فإن لدى واشنطن وطهران اجندات مختلفة حول العديد من القضايا بدءًا بمحاربة داعش في سوريا، حيث ايران تدعم بكل قواها الرئيس بشار الاسد الذي يقاطعه الغرب رسميًا. الى ذلك، ينظر حلفاء واشنطن من السنة في المنطقة وخصوصًا السعودية بريبة الى اعادة دمج ايران في الساحة العالمية كأمر واقع.
&
وكان رياض قهوجي من مركز انيغما للابحاث في دبي عبر عن اعتقاده في ايلول/سبتمبر أنه "سيكون من المستحيل الحصول على دعم حقيقي من الدول العربية السنية اذا غض التحالف والولايات المتحدة النظر عن الميليشيات الشيعية التي تؤجج التوتر الطائفي في العراق وسوريا".

يحتاج سنوات
كان وزير الخارجية الاميركي جون كيري رحب الاربعاء بأي عمل عسكري ايراني ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق، ووصفه بأنه "ايجابي"، بعدما قال البنتاغون إن طهران شنت ضربات جوية ضد التنظيم. وقال كيري اثناء استضافته اجتماعًا للتحالف ضد "الدولة الاسلامية" في بروكسل، إن الضربات الجوية الدولية نجحت أخيرًا في وقف تقدم "الجهاديين" في العراق وسوريا، محذرًا من أن القضاء عليهم سيستغرق سنوات.

لكن، وفي مؤشر الى تزايد تعقيد الوضع في المنطقة، انتقد الرئيس السوري بشار الاسد ضربات التحالف الجوية، ووصفها بأنها "ليست جدية وفاعلة". وصرح كيري في اجتماع في بروكسل لمسؤولين من 60 دولة غربية وعربية من دول التحالف أن الحملة التي اشتملت على نحو 1000 غارة أثرت على تنظيم الدولة الاسلامية "بشكل كبير". وقال خلال الاجتماع في مقر الحلف الاطلسي "على الارجح، فإن التزامنا سيستمر سنوات"، مضيفًا "سنواصل شن هذه الحملة طالما لزم الامر من اجل الانتصار".

ونفى اي تنسيق عسكري مع ايران بعدما كشف البنتاغون في وقت سابق أن مقاتلات ايرانية شنت ضربات على جهاديي الدولة الاسلامية في شرق العراق في الايام الاخيرة من دون التنسيق مع واشنطن. وافاد البنتاغون أن طائرات ايرانية من طراز فانتوم اف-4 القديمة - التي حصلت عليها ايران من الولايات المتحدة قبل الثورة الاسلامية في 1979 - شنت ضربات ضد الجهاديين في ديالى، بعدما عرضت قناة الجزيرة القطرية مشاهد لطائرات شبيهة بتلك التي يستخدمها سلاح الجو الايراني اثناء مهاجمتها اهدافًا في ديالى.

تفاهم سري
لكن كيري، الذي وصل الى مدينة بازل السويسرية مساء الاربعاء، للقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف الخميس، ألمح الى وجود تفاهم سري بين ايران والولايات المتحدة في معالجة هذا التهديد المشترك.& وقال "اذا كانت ايران تهاجم (الدولة الاسلامية) في مكان ما، واذا كان هذا الهجوم محصورًا بالدولة الاسلامية، وكان له تأثير، سيكون اذن تاثيراً واضحاً ايجابيًا".

واصدر التحالف الاربعاء بيانًا ختاميًا يؤكد أن الحملة ضد التنظيم "بدأت تعطي نتائج"، وانه "في صدد وقف" تقدمه. واكد التحالف في البيان: "نحن في صدد وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية/داعش عبر سوريا وداخل العراق"، مستخدمًا التسمية المختصرة المتداولة للتنظيم. وتابع أن الوزراء وافقوا على استراتيجية من خمسة محاور في مكافحة التنظيم الجهادي، وهي "زيادة المجهود العسكري ووقف تدفق المقاتلين الاجانب وقطع طرق الوصول الى التمويلات ومعالجة مشكلة المساعدة الانسانية ونزع الشرعية" عن تنظيم الدولة الاسلامية الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية.

وانتقد الاسد القوى الغربية التي كانت تركز حتى الاشهر القليلة الماضية على الاطاحة به من السلطة. وقال في مقابلة مع مجلة "باري ماتش" الفرنسية "لا يمكن القضاء على الارهاب من الجو، ولا يمكن تحقيق نتائج على الارض إن لم تكن هناك قوّات بريّة ملمّة بتفاصيل جغرافية المناطق وتتحرّك معها في الوقت نفسه". اضاف "لذلك، بعد أكثر من شهرين من حملات التحالف، لا توجد نتائج حقيقية على الأرض بهذا الاتجاه. فالقول إن ضربات التحالف تساعدنا غير صحيح، لو كانت هذه الضربات جديّة وفاعلة سأقول... بأننا سنستفيد بكلّ تأكيد".

إيران: لا تعليق
وتابع "لكنّنا نحن من نخوض المعارك على الأرض ضد داعش، ولم نشعر بأي تغيير، خصوصًا أن تركيا ما زالت تدعم داعش مباشرة". وتنشط القوات الايرانية على الارض في العراق، حيث تساعد الميليشيات الشيعية ووحدات الحكومة العراقية، ولكن هذه&المرة الاولى التي&تؤكد فيها الولايات المتحدة أن القوات الجوية الايرانية تشارك في الضربات الجوية.
من جهتها رفضت ايران الاربعاء تأكيد أو نفي شن غارات جوية.

وقالت الناطقة باسم الخارجية الايرانية مرضية افخم في تصريح صحافي "لم يحصل تغيير في سياسة ايران لتقديم دعم واستشارات للمسؤولين العراقيين في المعركة ضد داعش"، في اشارة الى تنظيم الدولة الاسلامية. ويأتي القتال ضد تنظيم الدولة الاسلامية وسط جهود دبلوماسية اميركية للتوصل الى اتفاق حول برنامج ايران النووي، واقر مسؤولون أن الجانبين ناقشا الحرب في العراق على هامش المحادثات النووية.

والعلاقات بين ايران والولايات المتحدة مقطوعة منذ احتجاز عشرات الطلاب الايرانيين رهائن اميركيين عقب الثورة التي اطاحت بالشاه الذي كانت تدعمه الولايات المتحدة. وامتد النزاع في سوريا ليصل الى لبنان التي اعلنت الثلاثاء أنها اعتقلت زوجة وابن ابو بكر البغدادي الذي اعلن نفسه خليفة للمسلمين.

من ناحية اخرى، دان شيخ الازهر احمد الطيب الاربعاء "الجرائم البربرية" التي يرتكبها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، وذلك في مؤتمر دولي ينظمه الأزهر لمواجهة التطرف والارهاب.
&