برلين: دعت ارمينيا النواب الى عدم "الخضوع للضغوط" قبل التصويت على النص، الذي يحمل عنوان "احياء ذكرى ابادة الارمن واقليات مسيحية أخرى قبل 101 عام".

علاقات مهددة
وفرص تبني النص كبيرة جدًا، اذ تقف وراءه كتل الاكثرية البرلمانية، أي محافظو تكتل الاتحاد المسيحي الديموقراطي والاتحاد الاجتماعي الديموقراطي والحزب الاشتراكي الديموقراطي، اضافة الى حزب الخضر المعارض.

في هذا النص، الذي اطلعت وكالة فرانس برس عليه، تندد الغرفة السفلى في البرلمان الالماني (بوندستاغ) بـ"ما قامت به آنذاك حكومة تركيا الفتاة والى ابادة شبه تامة للارمن". كما يندد النص بـ"الدور المؤسف للرايخ الالماني الذي لم يفعل شيئًا لوقف هذه الجريمة ضد الانسانية (...) بصفته الحليف الرئيس للدولة العثمانية".

هناك مخاوف من أن يؤدي الاعتراف بالابادة الى تصعيد التوتر في العلاقات مع انقرة، خصوصًا في ما يتعلق بتطبيق الاتفاق المثير للجدل بين الاتحاد الاوروبي وتركيا لخفض أعداد المهاجرين القادمين الى اوروبا، والذي هدد الرئيس التركي احمد رجب اردوغان بعرقلته، ما لم يتم اعفاء المواطنين الاتراك من تأشيرات دخول الى منطقة شينغن.

اختبار صداقة
استباقًا، اعتبر رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم الخميس أن تصويت مجلس النواب الالماني على قرار يعترف بـ"ابادة" الارمن التي ترفضها انقرة بشكل قاطع سيشكل "اختبارًا فعليًا للصداقة" بين انقرة وبرلين، وذلك قبل ساعات على اجرائه.

وقال يلديريم في خطاب في انقرة، "هذا النص لا يعني شيئًا بالنسبة الينا، وسيشكل اختبارًا فعليًا للصداقة" بين البلدين. واضاف خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ترأسه "بعض الدول التي نعتبرها صديقة، وحين تكون في محنة على صعيد السياسة الداخلية تحاول تحويل الانتباه عنها، وهذا النص يشكل مثالاً على ذلك".

وامتنع رئيس الحكومة التركية عن تهديد المانيا برد سياسي أو اقتصادي، لكنه حرص على التذكير بأن "3,5 ملايين تركي يقيمون في المانيا ويساهمون بشكل كبير في الاقتصاد". وقال: "لا يحق لاصدقائنا الالمان ان يخيّبوا آمال مثل هذه المجموعة".

فخ 
الثلاثاء، اتصل اردوغان بالمستشارة الالمانية انغيلا ميركل للتعبير عن "قلقه"، والتشديد على ان هذا "الفخ" يمكن أن يؤدي الى "تدهور مجمل العلاقات مع المانيا". الاربعاء، اعتبر رئيس الحكومة التركية بن علي يلديريم أن التصويت "لا قيمة له".

من جهتها، اعلنت المتحدثة باسم الحكومة الالمانية كريستيان فيرتز أن ميركل لن تشارك في التصويت بسبب انشغالها، الا أنها ايّدت النص خلال تصويت اولي الثلاثاء لكتلة المحافظين في البرلمان.

مشروع القرار حول ابادة الارمن يتحفظ عنه حتى بعض المسؤولين الالمان، على غرار وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير، الذي قال المتحدث باسمه إنه "يأمل" ألا يؤدي الى "تأزيم العلاقات لفترة طويلة مع تركيا". وكان الرئيس الارميني سيرج سركيسيان اعرب عن الامل في ألا "يخضع النواب الالمان للضغوط" التي تمارسها تركيا عند تصويتهم الخميس لمصلحة الاعتراف بإبادة الارمن، وذلك في مقابلة مع صحيفة "بيلد" الالمانية.

وصرح سركيسيان "لن يكون من العدل عدم تسمية ابادة الارمن بأنها ابادة لمجرد تجنب اثارة غضب رئيس دولة اخرى"، في اشارة الى اردوغان. وتابع أن الاتفاق حول الهجرة ضعيف و"سيكون من الصعب تطبيقه على المدى البعيد مع شريك مثل تركيا".

جدل تاريخي
ويؤكد الارمن أن 1,5 مليون ارمني قتلوا بطريقة منظمة قبيل انهيار السلطنة العثمانية، فيما اقر عدد من المؤرخين في اكثر من عشرين دولة، بينها فرنسا وايطاليا وروسيا، بوقوع ابادة.

وتقول تركيا إن هؤلاء القتلى سقطوا خلال حرب اهلية، ترافقت مع مجاعة، وادت الى مقتل ما بين 300 الف و500 الف ارمني، فضلاً عن عدد مماثل من الاتراك حين كانت القوات العثمانية وروسيا تتنازعان السيطرة على الاناضول.

اعترفت بها دول ورفضتها تركيا
ادت المجازر وعمليات تهجير الارمن في السلطنة العثمانية بين 1915 و1917 الى سقوط اكثر من 1,5 مليون قتيل حسب الارمن وبين 300 الف و500 الف حسب تركيا، التي لا تزال ترفض الاعتراف بوقوع "ابادة".

وكانت مواجهات دامية بين الاتراك والارمن بدأت في نهاية القرن التاسع عشر. وتقول مصادر ارمنية إن ما بين مئة الف و300 الف ارمني قتلوا في 1895-1896.

في اكتوبر 1914، دخلت السلطنة العثمانية الحرب العالمية الاولى الى جانب المانيا والنمسا-المجر. 

وفي 24 ابريل 1915، اعتقل آلاف الارمن الذين اشتبهت السلطات بأنهم يكنون مشاعر قومية معادية للحكومة المركزية. في 26 مايو، صدر قانون خاص أجاز عمليات الترحيل لكافة المجموعات المشبوهة "لاسباب تتعلق بالامن الداخلي" وتبعه في 13 سبتمبر قانون يأمر بمصادرة املاكهم.

واجبر السكان الارمن في الاناضول وكيليكيا (المنطقة التي ضمتها تركيا في 1921)، الذين اطلق عليهم اسم "العدو الداخلي"، على الرحيل بالقوة الى صحارى ما بين النهرين. وقد سقط منهم قتلى في الطريق أو في مخيمات.

كما احرق العديد من الأرمن احياء أو لقوا مصرعهم غرقًا، أو تسممًا أو راحوا ضحية مرض التيفوئيد، وفقًا لتقارير دبلوماسيين أجانب والاستخبارات في ذلك الوقت.

في 30 اكتوبر 1918، استسلمت السلطنة العثمانية لقوات الحلف الثلاثي (بريطانيا وروسيا وفرنسا)، وسمح اتفاق على هدنة بعودة الارمن المنفيين الى ديارهم. وفي 1920 تم تقسيم السلطنة العثمانية وبعد سنتين من ذلك قامت دولة ارمنية مستقلة تحديدًا في مايو 1918. 

وتعترف تركيا فقط بسقوط حوالى 500 الف قتيل خلال معارك في الحرب العالمية الاولى، وخلال انتقالهم قسرًا الى العراق وسوريا ولبنان، وهي بلدان كانت واقعة حينها تحت حكم السلطنة العثمانية، وليس في "ابادة".

وتؤكد أن الامر كان يتعلق بقمع سكان تعاونوا مع العدو الروسي ابان الحرب العالمية الاولى، كما تؤكد أن عشرات آلاف الاتراك قتلوا بأيدي الارمن. 
في 1985 تم الاعتراف بابادة الارمن من قبل لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة ثم من قبل البرلمان الاوروبي في 1987. وحتى الان تعترف 20 دولة بـ"ابادة" الارمن بينها فرنسا وروسيا.