قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لا شك في أن لوزير الإعلام السعودي الراحل علي بن حسن الشاعر محطة مهمة من محطات الذاكرة السعودية إن في عمله وزيراً للإعلام في عهد خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، أو سفيرًا في لبنان أيام الحرب الأهلية. وتوفي الشاعر يوم 15 مايو 2019. هنا حوار قديم مستعاد يسرد فيه الشاعر ذكرياته.

إيلاف من دبي: استعادت "عكاظ" السعودية ذكريات المستشار بالديوان الملكي والوزير والسفير علي الشاعر بإعادة نشرها حوارًا أجرته معه قبل 18 عامًا، رصد طفولة الشاعر واستعاد ملامح الحرب وتفاصيل العمل في الوزارة والسفارة. إنه شريط من الذكريات العذبة يصفها الشاعر في اللقاء بقوله: "يا لها من سويعات حلوة وأيام جميلة"! معبرًا عن حنينه إلى طيبة الطيبة، "ففيها عشت مراحل طفولتي ونشأتي وصباي، وفيها قضيت أحلى سنين عمري بين ربوعها وروابيها وسهولها وجبالها ووديانها وسيولها (...).

يضيف "هناك أرى في مستهل هذا الشريط عمارة باب المجيدي وفيها بيت أبي حيث ولدت ونشأت، وها هو الطريق الذي كنت أقطعه من البيت إلى المسجد عند صلاة الفجر وصلاة المغرب بصحبة والدي وكأني أراه الآن في مجلسه وسط الحرم تماماً يمين المكبرية عند أحد الأعمدة تحت نجفة كبيرة بيضاء يلقي دروسه في علوم القرآن من تجويد وتفسير وقراءات ويستمع إلى طلبته المجتهدين في حفظ القرآن الكريم من مختلف اللغات والأجناس".

عن الوالد

يقول الشاعر: "أنعم الله عليَّ بختم حفظ القرآن الكريم على يد والدي، وكنت آنذاك في الثانية عشرة من العمر ولازمته كما كان يريد ويحرص في جميع دروسه وقراءاته تلاوةً وترتيلاً وتجويداً، وكنت أرافقه لحضور الدورية التي كانت تجمع نخبة طيبة من علماء المدينة المنورة يتدارسون فيها الكثير من العلوم النافعة، ويختتمونها بآيات من الذكر الحكيم يتلوها الوالد والشيخ أمين مرشد والشيخ مدني الجمار (...)".

حياة شاقة

بحسب الشاعر، كان واقع التعليم في مدرسة تحضير البعثات على مستوى عالٍ من حيث البرامج والمواد، "ولعلها كانت على مستوى الجامعات في وقتنا الحاضر، تتلمذت خلالها على يد نخبة من الأساتذة والمشايخ بعضهم جاء من مصر، وكان يدير تحضير البعثات أستاذنا الجليل والمربي الكبير أحمد العربي، ومعه أساتذة كبار مثل الأديب عبدالله عبدالجبار، والأستاذ الفطاني، والشيخ الجماوي، والأستاذ عمر رفيع، والأستاذ عمر عبدالجبار، والشيخ محمود قاري، إضافة إلى الأساتذة المصريين، وكان يشرف على شؤون القسم الداخلي ذلك الرجل الفاضل العم أسعد مامو الذي كان يحرص على أن يهيئ لنا أفضل المستويات المعيشية رغم قسوة الظروف وشح المال. كان رحمه الله يستدين لإطعامنا إذا تأخر عليه المخصص الشهري، وكان لنا بمثابة الوالد والمرجع عند العثرات".

يقول: "كانت الحياة بمجملها شاقة في تحضير البعثات من حيث الغربة والحنين إلى مساقط الرؤوس، وكنت كلما اشتدت بي الأزمات ألجأ إلى الطواف بالبيت العتيق، فأجد عنده الراحة السكنية والاطمئنان حتى أتم الله لي النجاح وشرفت باختياري مع عدد من زملائي للدراسة العسكرية موفداً إلى الكلية الحربية في مصر".

العسكرية ولبنان

يقول الشاعر: "منذ نشأتي في بدء حياتي الدراسية كنت شغوفاً بالتاريخ والبحث والأصول، وقد يكون لقصص القرآن والأنبياء تأثير في حبي التاريخ ومعرفة جذور الشعوب والقبائل والبلدان، ولي بحث عن قبيلة جرهم ونشأة سيدنا إسماعيل بينهم في بطاح مكة. أما بالنسبة للعسكرية فقد عشقتها بعد ممارستي لنظمها وسلوكها ولم أجد صعوبة في الجمع بين العلوم الدينية والعسكرية والأدبية والتاريخية"
لا شك أن العسكرية تركت في شخصيته آثارها وبصماتها، "وفيها تعلمت الكثير من العادات والصفات، ومنها الصبر والتحمل والنظام والترتيب والدقة في المواعيد والصلابة عند النوائب والتأني في اتخاذ القرار".

وفقًا لما قاله لـ"عكاظ"، الحديث عن لبنان شائك وطويل، "والملف اللبناني الذي بين يدي زاخر بالأحداث، ولأني حظيت بالخدمة في لبنان زهاء سبعة عشر عاماً بين الملحقية العسكرية والسفارة، ما أتاح لي الفرصة للتعرف على بعض مؤثرات القضية اللبنانية ومن وراء الكواليس من المخرجين والملقنين لأبطال المسرح. كنت خلال الأحداث اللبنانية الدامية في عضوية اللجنة الرباعية ولجنة المتابعة العربية، وقمت بأدوار كثيرة في مهمات التوفيق بين الطوائف، حتى إذا ما اقتربت يوماً أو كدت من شاطئ النجاة تنفيذاً لتوجيهات بلادي أسقطتني طلقات نارية من سماء جونيه على أرضها مضرجاً بالدماء وتوقفت المساعي وتواصل القتال"

رصاصة في القدم

يضيف: "عشت مرحلة الأحداث اللبنانية الأليمة منذ اشتعال شرارتها الأولى في صيدا عندما أطلقت الرصاصة الأولى على معروف سعد في مارس 1975 حتى عدت إلى المملكة مع غرة عام 1981، ومارست مهماتي على الساحة اللبنانية بصبر وثبات، وفق ما أُمرت به من قيادتي، ولعلي أذكر أن العلم السعودي خلال قمة الأحداث كان الوحيد الذي يرفرف على عربة السفير في تنقلاته بين الغربية والشرقية والشمال والجنوب للاجتماع بالقيادات اللبنانية والفلسطينية، لأن السعودية كانت ولا تزال محل تقدير واحترام ومودة الشعب اللبناني بجميع طوائفه وفئاته. (...) أما عن الذكريات البارزة التي تعيش في ذاكرتي إبان الأحداث فهي ساعة الموت التي مررت بها عندما أطلق مجهول النار على طائرة هيلوكبتر كانت تقلني وزميلي سفير دولة الكويت الأستاذ عبدالحميد البعيجان في مهمة توفيقية بعد أن التقينا بالرئيس الراحل سليمان فرنجية متوجهين إلى الرئيس الراحل كميل شمعون. كانت الطائرة تتأرجح في هبوطها المفاجئ إلى مدينة جونيه، وكنت مضرجاً بالدماء المتدفقة من قدمي نتيجة طلقة نارية من سلاح مؤثر حيث كانت الطائرة على ارتفاع منخفض وفي مدى الطلقة، ونقلت فوراً إلى مستشفى سيدة لبنان في جونيه بعد معاناة شديدة مع الحواجز، وعند الفجر انتقلت إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت".

عسكرة الإعلام

في هذا الإطار، يقول الشاعر: "لم أكن أول ضابط يتولى شؤون الإعلام في العالم العربي، وأذكر أني قلت إذا كان المقصود بعسكرة الإعلام هو اتباع النظام في جميع الأمور والتزام الدقة في إدارة الدفة والحرص على انتقاء الكلمة بجميع وسائلها المكتوبة والمسموعة والمرئية مع توخي الموضوعية والمصداقية في المعلومة والخبر عموماً فذلك ما كنت أحاول انتهاجه. ولعلك توافقني أن النظام والدقة في أي عمل من أهم الأسس لنجاحه، أما إذا كان ما يريده البعض بمفهوم آخر فلم يحدث ولا أعتقد أني مارست العسكرية في وزارة الإعلام من أية زاوية أخرى غير ما ذكرت، فالعسكرية لها ميادينها وأسسها ونظامها من ضبط وربط وطاعة وامتثال الأمر دون مناقشة، ولا يمكن ممارستها في الحقول المدنية، أرجو أن أكون قد بينت وأوضحت ما التبس على البعض بقصد أو دون قصد".

عن إنجازاته طيلة سنوات خدمته في وزارة الإعلام، قال: "من الصعوبة بمكان أن يتحدث المرء عن نفسه في مثل هذا المقام، ولك أن تتصور نتاج جهود أي وزير خدم الواجب في وزارته نحو أربعة عشر عاماً تحت قيادة يقظة واعية من خلال متابعة حثيثة ودقيقة في مختلف الوسائل الإعلامية كالتلفاز والإذاعة ووكالة الأنباء والإعلام الداخلي والخارجي، إضافة إلى المعاناة الصعبة في مجال الصحافة والتعاون مع الزملاء رؤساء التحرير الذين أكن لهم كل مودة وتقدير".

الكلمة الطلقة

يوجز الشاعر ما تلقّنه في مدرسة الملك فهد في المجال الإعلامي الذي يمثل أحد اهتماماته ومتابعته وتوجيهاته.

يقول: "كان الملك فهد بن عبدالعزيز يعتبر الإعلام سلاحاً حساساً في يد صنَّاعه، ويعتبر الكلمة بمثابة طلقة إذا غادرت سبطانتها لا يمكن استيعابها فتصيب من تصيب نطاق مؤثراتها سلباً أو إيجاباً، والطلقة تصيب هدفاً معيناً، أما الكلمة فمدى تأثيرها واسع وعميق، وانطلاقاً من هذا المفهوم لمؤثرات الإعلام من زاوية رؤيته له كان يوجهني إلى اتباع الدقة في اختيار الكلمات وصياغة البيانات مع التركيز على صلب الموضوع في إيجاز يؤدي الغاية وفي إطار المصداقية التي ينشدها المتلقي ويقنع بها بعيداً عن المغالاة والإثارة. كان يتابع باهتمام ما تنشره الصحافة المحلية والأجنبية من تعلقيات أو أخبار ويبدي ملاحظاته عليها، ويأمر بالتصحيح. أذكر سألني ذات مرة عما إذا كنت اطلعت على مقال نشرته إحدى الصحف المحلية وماذا فهمت منه، فأجبت مولاي بعد قراءتي للمقال بما قصده الكاتب في مضمون المقال. فقال «لم تقرأ ما بين سطوره»، وبين لي ما كان يقصده الكاتب في مقاله من وجهة نظره، وقال «أترك لك حسن التصرف في مثل هذه الأمور»، وعندما عدت للمقال بقراءة متأنية، أدركت فعلاً ما بين سطوره، وهكذا كانت دقة الملك فهد في متابعة الكلمة عبر جميع وسائلها بيقظة المسؤول الحامل للأمانة الجسيمة، والساهر على شؤون البلاد. وتلك هي بعض ملامح مدرسة الملك فهد في المجال الإعلامي وغيره، ومن صفاته التي يعرفها المقربون منه حدة الذكاء، والفراسة، وبعد النظرة، وصواب الرأي، والتأني مع الحلم والصبر على بعض التصرفات اللامقصودة".

في الإعلام السعودي

يقول الشاعر إن من يرى الإعلام السعودي قد فاته قطار التطور ومواكبة الأحداث بسبب التقوقع التقليدي، فرؤيته تُرد عليه، "لأن الواقع عكس ما يرى الناس، فقد قفز إعلامنا بجميع وسائله خلال العقدين الأخيرين قفزة واسعة نحو التقدم والتطور والتجديد والانتشار، فعلى صعيد الإعلام المقروء برزت نخبة مثقفة واعية من الكتاب والمفكرين والمؤرخين والباحثين والمعلقين، وجرت أقلامهم بكل ما هو جيد ومفيد للقارئ، كما تفوقت كوكبة من الكاتبات والباحثات والأديبات في مختلف المجالات العلمية والثقافية والأدبية، وعالجت الصحافة ولا تزال الكثير من القضايا الاجتماعية والطبية والنفسية في محيط الأسرة والمجتمع. وتسابقت الصحف إلى نشر الجديد من الأحداث العالمية والأنباء الدولية بعضها عن الوكالات والبعض الآخر من مراسليها في مواطن مصادر الخبر. أما بالنسبة للإذاعة فقد تطورت وتنوعت برامجها بشكل ملحوظ، وانطلق صوتها عبر الأثير إلى مسافات بعيدة، وتضاعف أعداد مرسلاتها وأجهزتها كما تضاعفت كوادرها البشرية".

يضيف: "مهما تسابقت القنوات الفضائية في استراق المستمع تظل الإذاعة محافظة على جمهورها في كل مكان. أنتقل بعد ذلك إلى التلفاز وهو بيت القصيد، فمن خلال تجربتي في وزارة الإعلام كنت أتلقى سيلاً من المكالمات والرسائل التي تمثل آراء المواطنين من مختلف الشرائح بعضها يناقض البعض الآخر في الرغبات، وكنت أصغي إلى كل نقد موضوعي وأناقشه مع الزملاء، وأحرص على تحقيق ما يمكن تحقيقه ضمن إطار المرتكزات الأساسية لسياستنا الإعلامية، ومن أهمها التمسك بتعاليم العقيدة الإسلامية وآدابنا الموروثة وتقاليدنا الاجتماعية، إذ لا يمكن للتلفاز السعودي الذي ينطلق من رحاب الحرمين الشريفين أن يحاكي في برامجه الترفيهية بعض المحطات الأخرى المعروفة – ولست هنا بصدد انتقاد الآخرين – وعلينا أنفسنا، فإذا كان البعض يرى في برامجنا تخلفاً عن ركب التطور، وأن القطار قد فاتنا بسبب القوقعة التقليدية التي وردت في السؤال، فذلك شأن لا يلتفت إليه، إذ لا يصح إلا الصحيح".