قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تعز: دمّرت الحرب في اليمن مجموعة من حافلات الطلاب في جامعة تعز فتحوّلت لمجرد كومة من الهياكل الحديدية في موقف السيارات الخارجي، لكنها باتت اليوم تؤمّن نقل المياه في بلد دمر النزاع قطاعه الصحي متسببًا بتفشي مرض الكوليرا.

قرر نشوان الرباصي، الموظف المسؤول عن شؤون الطلاب في الجامعة، مع زملاء له ألا يتركوا الباصات للإهمال والصدأ، فحوّلوا أربعة منها إلى صهاريج مياه لمواجهة الشح.

على مدى 60 يوما، انكب الرباصي (35 عاما) مع فريقه على إعادة الحافلات للعمل، فقاموا بتحديث هياكلها، وإعادة تشغيل محركاتها، ثم تثبيت خزان للمياه في الجهة الخلفية لكل من الباصات الأربع.

قال الرباصي لوكالة فرانس برس وهو يقود إحدى الحافلات التي طليت باللون الأبيض الفاقع "الفكرة جاءت في البداية نظرا الى شح المياه في محافظة تعز وعدم وجود صهاريج في الجامعة نهائيا". أضاف الشاب اليمني (35 عاما) "نعاني في الجامعة بشكل عام، وخصوصا في مقر سكن الطالبات، من عدم توفير المياه".

تعز الواقعة في جنوب غرب اليمن، أحد أكثر المدن تأثرا بالحرب في البلد الفقير منذ بداية النزاع في 2014 بين الحوثيين المدعومين من إيران والقوات الحكومية التي يساندها تحالف عسكري تقوده السعودية.

تخضع المدينة التي تحيط بها الجبال، ويسكنها نحو 600 ألف شخص، لسيطرة القوات الحكومية، لكن الحوثيين يحاصرونها منذ سنوات، بينما تشهد شوارعها صراعا على النفوذ بين الجماعات المسلحة التي يفترض أنّها متحالفة في الحرب ضد الحوثيين.

من الثامنة إلى الثامنة
تسببت المعارك الداخلية والمواجهات مع الحوثيين بتدمير نحو 80 بالمئة من حافلات الجامعة، بحسب الرباصي، مشيرا إلى أنّ الفريق عمل على تحويل الحافلات لصهاريج مياه طوال شهرين، يوميا من الصباح وحتى المساء.

وأوضح "كنا نعمل من الثامنة صباحا وحتى الثامنة مساء". في موقع إصلاح الحافلات في الهواء الطلق، قام الفريق بقص الأجزاء العلوية من الهياكل الواحد تلو الآخر، ثم أعادوا تجهيز غرفة القيادة وتشغيل المحرك، قبل أن يثبّتوا خزانات المياه في الجزء الخلفي.

وتقوم الخزانات المتنقلة هذه منذ بدء تشغيلها، بنقل المياه من الآبار القليلة الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة خارج الجامعة، ليستفيد منها نحو 200 طالب وطالبة يقيمون في مقرات السكن داخل الجامعة التي يدرس فيها نحو 40 ألف طالب.

لكن عملية التحويل لم تكن سهلة، حسبما يشرح المهندس الميكانيكي محمد أمين. فقد واجهوا "صعوبات كثيرة في التركيب وفي العثور على قطع الغيار من السوق، (...) والتي لا نستطيع طلبها" من صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو حتى عدن، المقر الموقت للحكومة المعترف بها بسبب صعوبة الخروج من تعز والدخول إليها. وتبلغ تكلفة عملية نقل المياه من الآبار إلى الجامعة نحو 700 ألف ريال يمني شهريا (حوالى 2700 دولار).

لا مستحيل
إلى جانب الاقتتال بين الجماعات المسلحة في المدينة، تتعرّض تعز لقصف من قبل المتمردين، ما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص في بلد تسبب النزاع فيه بمقتل وإصابة عشرت الآلاف، وبأزمة إنسانية هي الاكبر في العالم، بحسب الأمم المتحدة.

وتتّهم منظمات حقوقية أطراف النزاع بارتكاب جرائم حرب في اليمن، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر للصراع على السلطة.
وأدى تفاقم النزاع إلى انتشار الكوليرا، إذ تقدّر منظمة الصحة العالمية وجود نحو مليوني حالة يشتبه في إصابتها بالمرض الذي تسبّب بوفاة 3500 شخصًا منذ بدء تفشيه في 2016، ثلثهم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمسة أعوام.

ساهم في تفشي الكوليرا شح المياه النظيفة والتدهور الكبير الذي أصاب القطاع الصحي. والكوليرا التهاب معوي تسببه جراثيم تتنقّل في المياه غير النظيفة. وللمرض علاج، لكن التأخر في الاستحصال عليه قد يؤدي الى الوفاة.

بعدما قام بركن إحدى الحافلات بالقرب من هياكل حديدية، صعد الرباصي على متن حافلة مدمرة ليتفحص المقاعد ثم المحرك، ويقرر في وقت لاحق ما إذا يمكن تحويلها إلى صهريج. وبدت عبارة "جامعة تعز" واضحة على أحد الهياكل، بينما كانت آثار الرصاص تؤشّر إلى إصابة الحافلة بشكل مباشر خلال معركة.

قال الرباصي "فقدنا أصدقاء وأقرباء. الحروب دمّرت كل شيء. (...) وإذا لم يكن هناك موت، يوجد نزوح". ويأمل الشاب أن يكون مشروعه مثالا على أن إنهاء النزاع لا يزال ممكنا. وأوضح مبتسما "لا شيء مستحيل، وكل شيء يمكن إصلاحه. المهم نوايا الاشخاص والتفكير في إصلاح ما دمرته الحروب".