قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يدير ملحدون صوماليون يقيمون في المهجر صفحة في فيسبوك مخصصة لتحدي المعتقدات الإسلامية التي يؤمن بها مواطنوهم، ولكنهم يتسلمون نتيجة لذلك تهديدات بالقتل.

وجاء في واحدة من رسائل التهديد التي تسلمها آيانلي، وهو صومالي ملحد يقيم في كندا، "سأقتلك. سأجدك وأقطع رأسك".

ويقول آيانلي، وهو مؤسس صفحة "الحرية الصومالية الحقيقية (True Somali Freedom Page - TSFP)" في فيسبوك، بشئ من السخرية وهو يصف التهديدات التي تملأ صندوق بريده الإلكتروني "ولكن هذه التهديدات أصبحت شيئا عاديا".

وتتمتع الصفحة المذكورة بشعبية واسعة، إذ يشترك فيها أكثر من 80 ألف عضو، ويديرها ملحدون – أو "مسلمون سابقون" كما يسمون أنفسهم.

وكان الدافع الرئيسي لتأسيسها إيجاد فضاء آمن للنقاش في الشؤون الدينية، ولكنها أصبحت الآن تروّج لمختلف الحريات للصوماليين الذين يشعرون بالتهميش في الثقافة الصومالية العمومية.

لم يشأ آيانلي البوح باسمه الكامل، عندما تحدث للصحفية في بي بي سي ليلى محمود، عن كيفية انطلاق الحركة التي يقودها.

آيانلي غير مهتم بالتهديدات
BBC
يقول آيانلي:"نخطو خطوات صغيرة، ولكننا نفوز بتأييد البعض. نؤمن بإخلاص أنه ينبغي للناس أن يؤمنوا بما يريدون وأن يصبحوا من يريدون أن يصبحوا".

طرد من مجموعة صومالية

عثر آيانلي في عام 2016 على صفحة صومالية في فيسبوك كانت تصف نفسها بأنها توفر مجالا للتعبير والنقاش الحر.

وقال "انخرطت في حوار حول الدين، فانفجر جميع المشاركين غضبا. جعلوني أشعر وكأني قتلت أحدهم".

طرد آيانلي بسرعة من المجموعة، وهو إجراء اعتاد عليه أولئك الذين يعبرون عن آراء مغايرة في هذا النوع من المنابر الصومالية.

شعر آيانلي عند ذاك بأن السبيل الوحيد المتاح له هو إيجاد منبر جديد يسير بموجب شروط جديدة.

وقال "أردت أن يكون منبر الـ TSFP مكانا يتمكن فيه الجميع من قول ما يريدون".

وكان من الدوافع الرئيسية التي أدت بآيانلي إلى تأسيس الموقع اعتقاده بأن النقاشات الدائرة في ذلك الوقت في الأوساط الصومالية حول الدين أصبحت أكثر وأكثر تقييدا عقب الحرب الأهلية التي شهدتها بلادهم لعقود عديدة.

وقال واصفا تلك القيود "إن الإسلام لا يمس، فلا يمكنك انتقاد الإسلام أو قول أي شيء عنه".

ومضى للقول "لكن الجيل الجديد تغير، وأصبح أكثر تقبلا للحوار والنقد إلى حد ما".

"ولكن كثيرا من الذين نشأوا في الصومال وقدموا إلى الغرب خلال الحرب الأهلية وبعدها يتقبلون الفكرة القائلة إن الذي ينتقد الإسلام يستحق القتل. يعتقدون أن ذلك أمرا مجازا".

ولذا بدأ باستلام التهديدات بالقتل.

وقال "هذه من الأمور التي أريد طرحها للنقاش، وهو من أسباب تأسيس الصفحة أصلا. أريد أن أثبت بأن الإسلام ليس محصنا ولا يمس، بل هو قابل للنقد والنقاش بشكل صريح وعلني".

يذكر أن التجديف يعد جريمة عقوبتها السجن في الصومال ودولة أرض الصومال، ولكن مجموعة الـ TSFP قررت تحدي ذلك.

فقد قادت حملة لجمع التبرعات للأكاديمي محمود جمعة أحمد حمدي، الأستاذ الجامعي الذي أعتقل لمداخلة كتبها في فيسبوك شكك فيها في فائدة الصلاة كأسلوب لإنهاء الجفاف الذي شهدته البلاد في عام 2019.

سجن أحمد حمدي لمدة عشرة شهور قبل أن يشمل بعفو رئاسي، ولكنه ما يزال يعيش تحت في خوف من اعتداء قد ينفذه أحدهم. وقد دعا أحد الأئمة البارزين إلى قتله.

وتشير هذه القضية إلى الطبيعة المعقدة للسلطة في الصومال ودولة أرض الصومال، وإلى اضمحلال الفواصل الواضحة بين رجال الدين والحكومة.

خوف من الافتضاح

ومن المهم الذكر أن الصوماليين لا يستخدمون هذه الصفحة كمنبر للنقاش فحسب، بل كوسيلة للبقاء والنجاة في بعض الأحيان.

إذ تستخدمه الجماعات التي تشعر أنها تتعرض للمخاطر في الصومال مثل المسيحيين والملحدين والمثليين.

فهؤلاء يعانون من الخوف الدائم من إمكانية افتضاح أمرهم، وهم معرضون دائما للاعتداءات والسجن.

من الطرق التي تساعد صفحة TSFP بها هؤلاء إطلاقها لحملات جمع التبرعات من أجل شراء تذاكر السفر لإجلائهم من الصومال وتحمل تكاليف معيشتهم في المهجر.

حصل هذا على سبيل المثال مع مسيحية صومالية كانت تقيم في كينيا، استخدمت اسمها وهويتها الحقيقية المتاحة للجميع لكتابة مداخلة في الصفحة.

أكتشفت هويتها بسرعة وانتشر على نطاق واسع في قنوات الإنترنت الصومالية شريط مصور يظهرها وهي تُخرج عنوة من سيارة أجرة في كينيا. وهدد مهاجموها بفضحها لأنها انتقدت النبي محمد في صفحة TSFP.

وأجرت الصفحة الترتيبات اللازمة لنقلها إلى بلد آخر، وهي تنعم الآن بالأمان وسط الجالية المسيحية هناك.

تحقيق متروّي

تشعر كاها بالسعادة
BBC
تقول كاها ذين، وهي ناشطة نسوية صومالية تقيم في النرويج أصبحت من كبريات الشخصيات في الصفحة، "نجري بحوثا وتحقيقات وافية".

ولكن الذين يطلبون العون من الصفحة لا يقتصرون على غير المسلمين والمسلمين السابقين والمثليين.

فعلى سبيل المثال، اتصل بالصفحة رجل صومالي يقيم في السودان بعد أن تعرّض لاعتداء في الشارع العام من قبل ثلة من الرجال يعتقد أنهم من أتباع المذهب الوهابي المتشدد.

وأكتشف هؤلاء هويته بعد أن انتقد في فيسبوك بعض أحاديث النبي محمد. وأجرت صفحة TSFP الترتيبات اللازمة لنقله من السودان إلى بلد أكثر أمانا.

ونظرا للعدد الكبير من الطلبات المماثلة التي تتسلمها الصفحة، يلجأ القائمون عليها إلى إجراء تحقيقات وتمحيصات متأنية في صحة ما يقوله طالبو المساعدة.

تقول كاها ذين، وهي ناشطة نسوية صومالية تقيم في النرويج أصبحت من كبريات الشخصيات في الصفحة، "نجري بحوثا وتحقيقات وافية".

"نتحرى عن اسماء قبائلهم وأسرهم، ثم ننظر إلى صفحاتهم في فيسبوك ونسأل المشاركين في صفحتنا عنهم. وإذا رفضوا البوح باسماء القبائل التي ينتمون إليها، نعرف أنهم يكذبون".

ورغم أن كاها تتعاون مع صفحة TSFP، إلا أن لديها صفحة خاصة في فيسبوك وموقع في يوتيوب. وتستخدم هاتين المنصتين لمناقشة شتى القضايا التي تهم المجتمع الصومالي.

تركز كاها جل جهدها على تمكين النسوة الصوماليات، ولكن، وأسوة بآيانلي، هي من الملحدين وتجاهر بذلك، مما جعلها هدفا.

وقالت "هددوا بذبحي بالسكاكين، وقالوا لي "سيقتلك المسلمون وستموتين بأيديهم".

ولكن يبدو أن هذه التهديدات لم تثبط عزيمتها، إذ تقول "لا أخشاهم، فهم يريدون إسكاتي عن طريق الخوف".

اعتقال في النرويج

تتعزز شجاعة كاها بمعرفها أنها تعيش في بلد يؤدي فيه إطلاق التهديدات إلى عواقب وخيمة.

ففي الصومال، قلما يتم التحقيق في جرائم القتل والاعتداءات، ولكن الأمر مختلف في النرويج تماما. وبالفعل اتصلت كاها بالشرطة.

وتقول "كان إثنان من الذين هددوني يستخدمان هويتيهما الحقيقيتين ولذلك تمكنت الشرطة من إلقاء القبض عليهما".

يتفق آيانلي مع ذلك، ولكنه يعرف أن الجميع ليسوا محظوظين إلى هذه الدرجة.

ويقول "الكثير من الصوماليين الذين يشاركون في صفحتنا لا يجرأون على الكشف عن وجوههم وخصوصا الملحدين منهم لأنهم يخافون على أرواحهم".

ولا يعني إبتعاد كاها وآيانلي عن الإسلام أنهما ابتعدا عن أصلهما الصومالي رغم العلاقة الوثيقة القائمة بين الحالتين.

تقول كاها "في الحقيقة، أشعر بأني صومالية أكثر من ذي قبل، وكأني استرجعت هويتي".

ولكن آيانلي يؤكد بأن هدف صفحته ومجموعته الحقيقي هو ليس تحويل المسلمين الصوماليين إلى ملحدين أو أي هوية أخرى، ولكنه يتلخص في خلق فضاء يروّج لحرية الرأي والتعبير – وهو أمر يقول إن الصوماليين بحاجة إليه الآن أكثر من أي وقت مضى.

ويقول "نخطو خطوات صغيرة، ولكننا نفوز بتأييد البعض. نؤمن بإخلاص أنه ينبغي للناس أن يؤمنوا بما يريدون وأن يصبحوا من يريدون أن يصبحوا".