اسطنبول : على مدى سنوات، كان مراد شاهدا على تحوّل حيّه في اسطنبول إلى ملاذ لمثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا أو من يعرفون اختصارا بـ"مجتمع الميم" المنبوذين في الشرق الأوسط.

واليوم، في وجه تزايد عداء حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تجاه هذه الشريحة، يقول الشاب المثلي إن لديه حلما واحدا: المغادرة.

وقال مهندس الكمبيوتر البالغ 30 عاما "في السابق، كنا نشهد موجة كراهية سرعان ما تهدأ لاحقا. لكنها اليوم مستمرة منذ أشهر حتى أنها تحوّلت إلى تسونامي".

مواقع التواصل الاجتماعي منصة للتحريض

ومن تغريدات تحريضية من قبل وزير في الحكومة وممارسة الرقابة على شخصيات مثلية تلفزيونية ومقاطعة يقودها الإعلام لعلامات تجارية متعاطفة مع أفراد "مجتمع الميم"، يخنق تزايد العداء المنتمين لهذه الفئة في تركيا.

ولطّخت الهجمات صورة تركيا كملاذ للتسامح في العالم الإسلامي المحافظ إجتماعيا.

ويعتقد المنتمون إلى مجتمع الميم أن إردوغان يهاجمهم لصرف أنظار أنصاره عن الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وهاجم إردوغان هذا الشهر من وصفهم بـ"الشباب مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا"، في تصريحات جاءت بينما بدأت احتجاجات طالبية مفاجئة تهزّ حكمه المستمر منذ 18 عاما.

تشوية لسمعة الاحتجاجات الطالبية

وكان السبب الرئيسي وراء غضب إردوغان عمل فني قام به طلبة أظهر علم المثليين الملوّن في مكّة.

وأفاد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو عن توقيف "أربعة من مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا غريبي الأطوار" على خلفية عرض العمل الفني، مدينا من وصفهم بـ"المنحطّين" في منشورات على تويتر وضع الموقع إشارة عليها تحذّر من أنها تحتوي على "كراهية".

ودعا إردوغان في وقت لاحق أنصاره إلى عدم الإصغاء إلى "هؤلاء المثليات"، مضيفا أنه "لا يوجد شيء اسمه" حركة مجتمع الميم في تركيا.

وقال مخرج الأفلام الوثائقية والاستاذ في جامعة بوغازيتشي جان جاندان "إنها حملة كراهية" تهدف الى تشوية سمعة الاحتجاجات الطالبية.

وقادت هذه الجامعة التركية المرموقة الحركة الاحتجاجية بعدما عيّن إردوغان أحد الموالين له عميدا لها مطلع العام.

ودفع العمل الفني المثير للجدل مسؤولين لإغلاق نادي مجتمع الميم في الجامعة، حيث كان جاندان مستشار هيئة التدريس.

مخاوف من جرائم الكراهية

وقال جاندان "إنها لعبة خطيرة للغاية، لأن خطاب الكراهية يؤدي إلى جرائم كراهية".

وبحسب ألاز أدا ينير، وهو شخص رفض تحديد هويته الجنسية وينشط في هيئة "لامبدا اسطنبول" لحقوق مجتمع الميم، فإن السير في الشوارع لم يعد آمنا.

ووفق ينير"لم يعد الناس ينظرون إلينا كأشخاص مختلفين أو غير تقلديين فحسب، بل كخونة... سيقول أولئك الذين يرتكبون جريمة ضد أفراد مجمع الميم لأنفسهم بأن السلطات تقف إلى جانبهم".

وعلى الرغم من أن القانون التركي لا يجرّم المثلية، إلا أن كراهية المثليين تنتشر على نطاق واسع.

وبينما لا توجد أرقام رسمية، إلا أن مرتبة تركيا تراجعت على مؤشر حقوق مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا الذي تنشره "الرابطة الدولية للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الجنس وحاملي صفات الجنسين".

وحلّت العام الماضي في المرتبة 48 من 49 على قائمة الدول المدرجة على لائحة الرابطة لدول منطقة أوراسيا.

وأحصت "كاوس غل"، التي تعد بين أقدم المجموعات الحقوقية المعنية بمجتمع الميم في تركيا، أكثر من ألفي مقال صحافي العام الماضي صنّفته على أنه تمييزي، في زيادة بنسبة 40 في المئة عن العام 2019. وحتى قبل فضيحة العمل الفني في بوغازيتشي، شعر أفراد مجتمع الميم بأنهم محاصرون.

رقابة ومقاطعة

والعام الماضي، ألغت منصة "نتفليكس" إنتاج مسلسل تركي يصوّر شخصية مثلية بعدما فشلت في الحصول على إذن من الحكومة للتصوير.

وفي يونيو، استهدفت حملة مقاطعة لوسائل الإعلام التركية شركة "ديكاثلون" الفرنسية لبيع المنتجات الرياضية، بعدما أعربت عن تضامنها مع مجتمع الميم.

وفي أبريل، دافع إردوغان عن مسؤول ديني بارز ربط بين المثلية وانتشار الأمراض في ظل تفشي كوفيد. وقال إردوغان آنذاك إن "ما قاله كان صحيح تماما".

ويعتقد البعض أن الهجمات تأتي نتيجة التقدّم الذي حققته حركة مجتمع الميم في تركيا، حيث باتت الأعلام الملونة مشهدا مألوفا في التظاهرات.

وبالنسبة للباحثة الاجتماعية المتخصصة في شؤون مجتمع الميم في تركيا إيلام جاغدا، فإن الحكومة "تحاول وضع حد للتقبّل الاجتماعي المتزايد للمنتمين إلى مجتمع الميم عبر تشويه سمعتهم".

وبعدما شارك نحو مئة ألف شخص في مسيرة للمثليين في اسطنبول عام 2014، ردّت الحكومة بمنع تنظيم فعاليات مشابهة في المدينة، مرجعة الأمر إلى دواعٍ أمنية.

وبحسب ينير من "لامبدا اسطنبول"، فإن الحكومة تحاول دفعنا للاختفاء من المجال العام... يحاولون القضاء على وجودنا الاجتماعي".

وأعرب مراد بدوره عن قلقه من احتمال بدء الحكومة الآن إقرار تشريعات مناهضة لمجتمع الميم. وقال "حققنا الكثير من التقدم"، لكن الآن "نعود عقودا إلى الوراء".