قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف من بيروت: في 12 أكتوبر 2012، نشر أمير طاهري، وهو كاتب ومحلل سياسي إيراني خبير في شؤون الشرق الأوسط، مقالة في "نيويورك بوست"، تناول فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متنبئًا مغامرته في غزو أوكرانيا، في الأسبوع نفسه الذي شهد توقيع روسيا عقداً بقيمة 4.2 مليارات دولار لتصدير الأسلحة إلى العراق.

حينها، اعتبر طاهري ذلك الأمر ذات أهمية خاصة لسببين: "أولًا، إنها أكبر صفقة لتصدير الأسلحة منذ أن أصبح بوتين الحاكم الفعلي لروسيا في عام 1999؛ وثانيًا، إنها صفقة تشير إلى عودة روسيا موردًا رئيسيًا للأسلحة إلى العراق، وهو موقع خسره في عام 2003 مع إطاحة صدام حسين، خصوصًا أن بوتين عارض تحرير العراق وحاول مساعدة صدام على البقاء في السلطة".

أضاف طاهري: "عودة روسيا الدراماتيكية إلى العراق لا تقتصر على سوق الأسلحة. فشركات الطاقة الروسية تسعى للحصول على حصة من احتياطيات النفط الهائلة في العراق، فيما تتردد الشركات الأميركية".

بحسبه، يلعب النفط والغاز دورًا رئيسيًا في استراتيجية بوتين لاستعادة مكانة روسيا قوة كبرى، إن لم تكن قوة عظمى كما كانت في أيام الاتحاد السوفياتي. يعتمد الاتحاد الأوروبي والصين واليابان بشكل كبير على واردات الطاقة من حوض بحر قزوين والخليج الفارسي، ناهيك عن روسيا نفسها. وبترسيخ مكانتها لاعبًا رئيسيًا في تلك المنطقة الحيوية، سيكون لروسيا ورقة مهمة تلعبها في أي منافسة مستقبلية بين القوى العظمى. ولهذه الغاية، تعمل روسيا على تعزيز العلاقات مع إيران ومساعدة نظام الأسد في سوريا.

خسر أوروبا

اليوم، يقول طاهري لـ "إيلاف" إن بوتين لن يستطيع أن يصلح ما أفسده في روسيا بيده وبسياساته، "خصوصًا صورتها العالمية، ناهيك بالناحية الاقتصادية. فروسيا ستخسر أوروبا، أكبر أسواقها للنفط والغاز". وهذا واضحٌ جدًا.

كتب طاهري حينها: "غربًا، استعادت روسيا الكثير من نفوذها المفقود في أوكرانيا، وهي حلقة وصل حيوية في نقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية. على مدى السنوات الأربع الماضية، سيطرت الأحزاب الموالية لروسيا في أوكرانيا على السلطة. وانتهى المطاف بزعيمة المعارضة الموالية للغرب رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو في السجن. وعمل بوتين بجد خلال السنوات الأربع الماضية لاستعادة المواقف التي فقدتها روسيا عندما تفككت الإمبراطورية السوفياتية. على الرغم من بعض العقبات، فإن نظام ألكسندر لوكاتشينكو الاستبدادي في بيلاروسيا دخل فعليًا المدار الروسي، حتى بلغ الأمر ببوتين أن يقترح إنشاء اتحاد سلافي شامل يضم روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا".

جنوبا، غزا بوتين جورجيا وضم 20 في المئة من أراضيها في جيبي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وفاز تحالف مؤيد لموسكو بقيادة بيدزينا إيفانيشفيلي، الملياردير المرتبط بـنخبة رجال الأعمال الروس، بالرئاسة ليحل محل ميخائيل ساكاشفيلي الموالي لأميركا. في جنوب جورجيا، تمكن بوتين (بمساعدة إيرانية) من التنمر على أرمينيا الصغيرة لإجبارها على العودة إلى الحظيرة. ويضغط على أذربيجان التي توالي الغرب، بفضل روابطها مع تركيا.

جنون العظمة

رأى طاهري حينها أن موسكو تعود إلى آسيا الوسطى. وفي كل مكان، تم تسهيل التقدم الروسي من خلال ما يُنظر إليه في المنطقة على أنه تراجع استراتيجي من قبل الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما.

إلا أن الأمر تغير الآن، بحسب طاهري نفسه، فهذه القوة التي كان عليها بوتين في عام 2012 وما يليه تسببت _ بمعنى ما – بالبلاء الذي أصابه اليوم. يقول طاهري لـ "إيلاف": "أعتقد أن بوتين بالغ في تقدير قدراته، وقلل من شأن قدرات خصومه. ونتيجة لذلك، خطا خطوة كبيرة غير محسوبة. وهذا يحدث لرجال أقوياء يصبحون مع الزمن أسرى عالمهم الخيالي، فينظرون إلى نزواتهم ويظنونها حقيقة وواقعًا، ويبنون عليها سياسات كبرى"... كيف لا وقد حصل بوتين في تلك الأعوام على كل ما يريده بيسر وسهولة: تخلت أوكرانيا وجورجيا تقريبًا عن جهودهما للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي و/أو الناتو؛ وجمدت جمهوريات آسيا الوسطى مشاريع مشتركة مع الناتو تعود إلى تسعينيات القرن الماضي؛ أنهت قيرغيزستان وأوزبكستان الاتفاقات التي تسمح للولايات المتحدة باستخدام منشآت هناك لتزويد قوات الناتو في أفغانستان - ما زاد الاعتماد الأميركي على الطرق الإشكالية عبر روسيا وباكستان.

كتب طاهري: "بدأ التراجع الأميركي بعرض إدارة أوباما ’إعادة الضبط‘ الهزلي إلى حد ما في عام 2009. وانتقادًا لدبلوماسية رعاة البقر للرئيس جورج دبليو بوش، تخلت إدارة أوباما عن مشروع الدفاع الصاروخي المقرر إقامته في بولندا وجمهورية التشيك. وأعرب بوتين عن تقديره هذه الخطوة، لكنه لم يقدم أي تنازلات في المقابل. بدلًا من ذلك، رأى أنها إشارة لتكثيف الجهود الروسية لإجبار الولايات المتحدة على الخروج من المواقع التي اكتسبتها في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى منذ نهاية الحرب الباردة".

في السنوات التالية، تضاعفت مؤشرات التراجع الأميركي: "في العراق، أعطى أوباما الانطباع بأن رغبته الوحيدة هي الابتعاد وإغلاق الباب من ورائه. تبخر الكثير من النفوذ الذي اكتسبته الولايات المتحدة من خلال تحرير العراق والقتال لمساعدته على إنشاء نظام سياسي جديد".

نهاية غير عاجلة

ختم طاهري مقالته التي كتبها في عام 2012 بالقول: "عازمًا على تصوير العراق على أنه كابوس يمكن نسيانه، استبعد أوباما العراق من الجهود العربية الأميركية لإعادة تشكيل المنطقة في أعقاب انتفاضات الربيع العربي. ولا شك أن بوتين يراقب الحملة الرئاسية الأميركية باهتمام شديد. إن فترة ولاية ثانية لأوباما ستمنح الرجل الروسي القوي أربع سنوات أخرى لإكمال مخططه الإمبراطوري الكبير لإجبار جيران روسيا القريبين والبعيدين عن طريق الرشوة، والتنمر، وغزوهم عند الضرورة".

وهذا قد حصل ما تنبأ به طاهري قبل عقد من الزمان. ربما ما كان ليفشل بوتين فشله الحاصل اليوم لو أرسل إلى أوكرانيا قوات مستعدة لحرب طويلة، "فقد كان يعتقد أن كييف ستسقط في أيام، حتى أنه أرسل في الحملة الأوكرانية أسلحة من مخزونات قديمة، تعود إلى الحقبة السوفياتية". وهذه استهانة ثمنها سيكون باهظًا. فهل ترسم أوكرانيا نهاية بوتين؟

يجيب طاهري: "عاجلًا، لن تكون هذه نهاية عهد بوتين، إذ لا أرجح حدوث أي انقلاب في الكرملين. أما آجلًا، في المدى المتوسط، لن يستطيع بوتين البقاء. لكن، لمن يقول إن لأوروبا والولايات المتحدة يدٌ في ما هو حاصل اليوم في أوكرانيا، وإنهما جرّا بوتين إلى هذه الحرب، فهذه الادعاءات غير مبنية على أي دليل، وإذا كان الأمر كذلك، علينا أن نفترض أن بوتين دمية للأميركي والأوروبي، يفعل ما يريدون منه أن يفعل، وهذا الكلام ليس واقعيًا".

لقراءة أصل مقالة طاهري في "نيويورك بوست"، أنقر هنا