قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد حسن علوان

أحد التوظيفات الإسلاموية نسب كل الدوافع التي أدت إلى أحداث تونس إلى بواعث دينية، مؤكداً أن آلاف الثائرين الذين ملؤوا شوارع المدن التونسيّة لم يفعلوا ذلك إلا توقاً لسماع الأذان مرة أخرى. وبغض النظر عن نبل هذا المقصد الثوريّ أو أهميته، فإنه بطبيعة الحال بعيدٌ عن الواقع

في الصفحة المخصصة لمتابعة أحداث تونس الأخيرة في تويتر (Tunisia#)، علّق أحدهم بقوله: ((ما حدث في تونس ليس ثورة إسلامية. فلا تسعوا لتحقيق أحلامكم القديمة بدماء غيركم رجاءً!)). جاء التعليق في سياق الجدل الذي يحتدم على تلك الصفحة الملتهبة (وما زالت ملتهبة) منذ بدأت أحداث تونس قبل شهر حتى انتهت إلى ما انتهت إليه مؤخراً من تطورات. ذلك التصعيد الجدليّ الذي تؤججه سخونة الأحداث يفسّر حدّة طرح المعلّق ولكنه يعكس أيضاً ما يدور على هامش الثورة من جدل، ويرينا كيف اتفقت الآيديولوجيات المتصارعة في العالم العربي على (تمجيد) الثورة، واختلفت في (توظيفها).
حدثٌ كهذا لا يمكن أن يمرّ دون أن يثر شهيّة كل ذي آيديولوجيا، لاسيما وهو يعرف أن تأويله بطريقة أو بأخرى وتحويله إلى مصداقٍ لأفكاره وإثبات لأطروحاته هو مكسبٌ عظيم، من شأنه أن يعيد ترتيب التيارات الاجتماعية، فيرفع أفكاراً ويذلّ أخرى. والأحداث السياسية الكبرى تفعل ذلك دائماً، لأنها ملفتة للانتباه بتأثيرها المباشر على جميع الفئات، ولأنها ملغزة التفسير بأجنداتها المخفيّة وتراكمها المتجذر. تماماً مثلما خلخلت أحداث سبتمبر 2001 موازين القوى التيارية المؤدلجة وأعادت صياغة المشهد الآيديولوجي بأكمله، وأدت إلى هجرات فكرية للكثيرين من تيار إلى آخر. استخدم كثيرون ذلك الحدث لتدعيم حجج ودحض أخرى، لاسيما وأن طبيعة الحدث السياسي فيها من الانتشار الذاتيّ والسعة التأويلية ما يجعل الحدث نفسه قابلاً لأن يثبت الفكرة ونقيضها معاً، ويبرئ التيار ويدينه في آن. والثمرة، في نهاية المطاف، لمن أحسن (قولاً).
من أجل هذا تستغلُّ الأحداث السياسية الكبرى ـ بوصفها أداة تأثير ـ من قبل قادة الرأي العام ومنظّري التيّارات وأصحاب التوجهات الحركية بقدر ما تستغلّ من الحكومات أنفسها. فما يجمع بين هؤلاء أخيراً هو شغفهم بالتأثير، والأحداث السياسية الكبرى تجذب إليهم انتباه الجماهير التي تراقب الحدث بعين، وتبحث عن تفسيرات مقبولة وتأويلات مريحة بعين أخرى. والأنجح في استخدام هذه الأداة هو الأقدر على غزل حكاية ملهمة، يربط بها بين حدثين مهمين، ويوثقها بأدلة ذكية، وتسلسل منطقيّ، وزخم عاطفيّ، فينتهي بمكاسب جماهيرية وفكريّة يحققها في تلك السوق الفكرية المؤقتة التي تُقام على هامش الأحداث السياسية. ومن يحلل جملة الخطب السياسية، ومقالات الرأي، وافتتاحيات الصحف، وخطب الجمعة، ومحاورات التلفزيون، يجد أن الجميع تمكّن من تحويل الحدث التونسيّ إما إلى عبرة، أو دليل، أو محصلة، أو موقف، أو عظة، أو مؤشر، أو بشير، أو نذير.. أو أي شيء آخر تقتضيه دوافعه الفكرية والتيارية والحركية. المهم أن أحداً ما لن يترك حدثاً بهذه الأهمية يمرّ دون أن يمتطيه نحو ميدان ما.
حاولت التيارات الآيديولوجية توظيف أحداث تونس على جماهيرها بطرق مختلفة، بعضها حالمٌ، كطبيعة بعض الخطابات الإسلاموية الموغلة في طوباويتها، وبعضها واقعيّ كبعض الحركات الثورية ذات الأجندات النشطة والطموحات الواسعة. ولكنها جميعاً (توظيفات) تهدف إلى تحويل الحدث التونسي إلى وقود فكريّ لمعركة قد لا تكون لها علاقة بتونس وشعبها إطلاقاً. ولكن النظر في طبيعة هذه التوظيفات، والتي جعلت من تونس مجرد خلفية رمزية للجدل الآيديولوجي، حقيقٌ بأن يمنحنا رؤية نقديّة واضحة لأحوال هذه التيارات الحالية ومآلاتها المستقبلية. ومن أكثرها حضوراً وصخباً هو التوظيفات الإسلاموية للأحداث.
أحد التوظيفات الإسلاموية نسب كل الدوافع التي أدت إلى أحداث تونس إلى بواعث دينية، مؤكداً أن آلاف الثائرين الذين ملؤوا شوارع المدن التونسيّة لم يفعلوا ذلك إلا توقاً لسماع الأذان مرة أخرى. وبغض النظر عن نبل هذا المقصد الثوريّ أو أهميته، فإنه بطبيعة الحال بعيدٌ عن الواقع. صحيحٌ أن النظام التونسيّ السابق كان متوجّساً من المظاهر الإسلامية، شأنه شأن تركيا مثلاً، وله ملفٌ سيء في التضييق على بعض الحريّات التعبّدية الإسلامية، ولكنه لم يكن نظاماً معادياً للإسلام تحديداً، بل معادٍ لكل حراكٍ من شأنه أن يهدد مصلحة النظام في مرحلة ما، بما في ذلك الحراك الإسلامي. بل إن النظام التونسي السابق في سنواته الأخيرة أبدى ميولاً إسلامية (كجزء من مناورة سياسية بطبيعة حال)، ترجمتها أنشطة صخر الماطريّ، صهر الرئيس التونسي السابق الذي راجت التوقعات أنه يعدّه لخلافته، ومن هذه الأنشطة افتتاح إذاعة الزيتونة الإسلامية عام 2007، وتأسيس أول بنك إسلامي في تونس.
توظيف ثان يكمن في محاولة استثمار الثورة للدفع باتجاه نظام حاكميّة إسلاموي بديل في تونس رغم أن جارتها الجزائر لم تضمد جراحاتها البليغة بعد من آثار محاولة شبيهة قام بها تيارها الإسلاموي لتطبيق هذه الحاكميّة بقوة الإرهاب على ذلك البلد الشاسع. ورغم أن السودان على وشك أن تفقد ثلث مساحتها الآن من آثار التطبيق التعسفّي لهذه الحاكميّة الذي بدأ قبل ثلاثة عقود ولم يزد السودانيين إلا خسارا. ورغم خرائب أفغانستان بسبب الجنون الطالبانيّ الأعمى، ورغم سير إيران الحثيث عكس اتجاه الحضارة، تظلّ فكرة الحاكميّة الإسلامية مقنعة وملهمة للكثيرين، وتغذّي أحلاماً تغفل عن كل متغيّرات الحضارة، ولا تفكر سوى في ثلاثية الإسلام والحرب والجزية.
توظيف آخر أخذ جانباً وعظيّاً يحاول أن يربط بين الحجاب وبين ما حدث له رغم سطحية الربط بين (الفعل) و(العاقبة)، وكأن المشكلة كلها مختزلة في (الحجاب) بينما الشعب التونسيّ برمته ليس طرفاً في القضية. هذه التوظيفات الوعظيّة تشيع بسهولة بسبب العدسات العاطفية التي تنظر خلالها الجماهير لكل ما هو دينيّ وغيبيّ.
وقد حدث من قبل أن غفر الناس جرائم صدام حسين التي يصعب حصرها لأسباب رمزية تخصّه هو وحده، مثل إعفائه للحيته وحمله لمصحف ونطقه بالشهادة، وهم على هذا المنوال اليوم يضعون ثلاثا وعشرين سنة في كفة، ومنع الحجاب في كفة أخرى، فترجح الثانية بسهولة. رغم أن السبب نفسه، منع الحجاب، ما زال قائماً حتى اليوم في تركيا، ولكن هذا لم يمنع الجماهير من إلباس رجب طيب أردوغان خوذةً (أيوبيّة) وسيفاً (عمرياً) بسبب خطابيّته الملهمة ومواقفه المنبريّة.