قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

احمد صالح الفقيه

بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري، واستعار الحملة على سورية وحلفائها في لبنان كتب د. رياض نعسان أغا في الاتحاد مقالة كان مما جاء فيها: 'إذا كان قميص عثمان ما يزال من ألف وأربعمائة عام ينزف دماً وقد صار علّة تفرق وتمزق وما تزال الأمة تعاني منها، فإن قميص الحريري النازف دماً بات ذريعة لتمرير مشروع صهيوني لإضعاف لبنان وسورية، ولفرض ما تريده إسرائيل على المنطقة كلها. ومع الاحتفاظ بالفارق بين الرجلين في المكانة الدينية، لكون عثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ثمة مواضع للتشابه أهمها أن الرجلين جاءا إلى السياسة من عالم المال والأعمال، وكلاهما تحمل مسؤولية في مرحلة فتنة حرجة، وكلاهما قتله رجل واحد هو عبد الله بن سبأ الصهيوني، وكلاهما استـُخدِم قميصُه لتحقيق مآرب سياسية ضد مصلحة الأمة.
وقد تتهم هذه المقاربة بأنها قراءة دينية للحدث، ولكنني سأصد التهمة بالإشارة إلى حالة النفاق السياسي التي تعيشها المنطقة، والتي تدعونا إلى تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وإلى استبعاد الدين من الصراع مع أننا نعيش أزمتنا الراهنة مع الولايات المتحدة لكونها باتت دولة دينية بامتياز، لدرجة أن رئيسها يرى الله في نومه ويأخذ منه التعليمات. وقد قال مرات بأن الله أمره شخصياً أن يغزو أفغانستان، ثم تجلى له وأمره أن يغزو العراق، ثم أوحى له الله أن يقيم دولة للفلسطينيين'.
وفي سياق محاولة تلفيق الاتهام لحزب الله باغتيال الحريري اعتمادا على ما قيل انها مكالمات هاتفية مسجلة قبل واثناء وبعد العملية، وبعودة بسيطة الى الخلف يتضح لنا أن ما تكشّف مؤخراً على صعيد اختراق العدو لقطاع الاتصالات اللبناني، لم يكن سابقة بتاريخ عمل 'الموساد' الصهيوني، بل ان هذا العدو دأب على استخدام هذه الوسيلة بأكثر من جريمة ارتكبها، ومنها ما ظهر بقضية مقهى 'لابيل' في برلين والتي تولى التحقيق فيها وللمفارقة عام 1986 المحقق الدولي الأول في قضية اغتيال الحريري ديتليف ميليس، حيث لجأ هذا الأخير حينها الى الاعتماد على رسائل مشفّرة بين طرابلس والليبيين المشتبه بهم، وذلك بناء على معلومات من إحدى إدارات المخابرات الألمانية، لكن تبين فيما بعد كما أكد عميل 'الموساد' السابق (فكتور أوستوفسكي) أن هذه الرسائل المشفّرة هي إشارات 'تيليكس' مزوّرة كانت ترسل من قبل الموساد نفسه. ورغم ذلك اعتبر ميليس هذه الرسائل المزوّرة دليلاً قاطعاً على تورط ليبيا بالتفجير.
القضية ذاتها تتكرر اليوم في قضية اغتيال الرئيس الحريري حيث كشف مؤخراً أن اسرائيل تمارس قرصنة تامة على قطاع الاتصالات في لبنان، ليتبين لاحقاً أنها استطاعت السيطرة بشكل تام على هذا القطاع، فضلاً عن قيامها من خلال البرمجيات المتطورة بزرع خطوط سرية كان يشتريها لها عملاؤها داخل خطوط لبعض المقاومين. ما يطرح تساؤلاً حول ما اذا كان بلمار سيكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه ميليس في قضية 'لابيل' ويعتمد على الاتصالات في قراره الظني كدليل إثبات مع كل ما يحيط بهذا الدليل من شكوك.
دون أن ننسى في هذا السياق أيضا أن ميليس نفسه اعتمد على وسيلة الإثبات هذه (الاتصالات) في قضية اغتيال الحريري وذلك في أساس اتهامه للأخوين أحمد ومحمود عبد العال عام 2005 بعد ربطه عدة اتصالات أجراها الأخوان بقائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان آنذاك من محيط مسرح الجريمة في الفترة التي سبقت ولحقت تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ليتبين لاحقاً براءة الأخوين عبد العال ويجري الإفراج عنهما.
اتهام السيد حسن نصر الله لاسرائيل بالقيام بعملية الاغتيال وعرضه قرائن تقنية عالية المستوى قوبل بالتجاهل من قبل المحكمة ومن قبل فريق قميص عثمان 14 آذار، والعجيب أن هذا الفريق لم يلتفت إلى ملابسات اغتيال الرائد وسام عيد مهندس الاتصالات في الأمن الداخلي والذي يبدو أن تحقيقاته كانت تهدد آنذاك بكشف الإختراق الاسرائيلي لشبكة الاتصالات اللبنانية وما يمكن ان يؤدي اليه ذلك من سقوط شبكة عملاء الموساد اللبنانيين والذين سقطوا في قبضة الامن اللبناني فيما بعد على اي حال، وذلك باكتشاف وسام عيد لطريقة خاصة في متابعة الأرقام الهاتفية التي كانت موجودة في مكان تفجير 'السان جورج' والتي استعملت في عملية اغتيال الحريري وذلك من خلال خبرته كمهندس اتصالات ومعلوماتية، وهو ما اعتبر عملاً كبيراً في قضايا التجسّس ومكافحة عمليات الاغتيال.
كان للرائد عيد دور في تحديث فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وهو كمهندس اتصالات استطاع إدخال تقنيات حديثة على عمل القسم الذي يديره، الأمر الذي أسهم فعلياً في تعديل الكثير من توجّهات هذا القسم الفنية والتقنية. وبسبب دوره هذا المرتبط بكثير من المخاطر، تعرض لأول محاولة اغتيال في منزله، حيث كانت وضعت قنبلة انفجرت قبيل وصوله اليه، ما سرّع في تغيير مكان إقامته والانتقال إلى منطقة 'السبتية' للابتعاد قدر الإمكان عن محاولات القتل.
ومع ذلك كله وعلى الرغم من الاكتشاف اللاحق للاختراق وعملائه، فان العمى المغرض لفريق قميص عثمان جعله يواصل تخبطه واندفاعه في المخطط الصهيوامريكي للفتنة التي تستهدف المقاومة في لبنان.