قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد السماك

إذا كان عبق ثورة الياسمين في تونس وصل إلى مصر وأطلق مشاعر التمرد الشعبي على النظام السابق، فأي عبق ينتظر مصر ليطلق أدبيات مرحلة ما بعد مبارك؟ تكتسب الإجابة على هذا السؤال أهمية استثنائية، لأن مصر بعد مبارك ليست كما كانت قبله، ومعه، فهي تلعب دوراً مؤثراً في المعادلات السياسية المتداخلة على الصعيد العربي- العربي، وعلى الصعيد العربي- الإسرائيلي، وعلى الصعيد العربي- الإقليمي، وكذلك على الصعيد العربي- الدولي وتحديداً الأميركي.

وهناك علامات استفهام حول ما إذا كانت مصر بعد مبارك ستتحول من محافظ على المصالح الأميركية في المنطقة إلى ند لها. ومن متحالف مع إسرائيل إلى معادٍ لها. ومن متجاوز للحقوق الفلسطينية إلى متبنٍّ لها. وتنطلق علامات الاستفهام هذه من أن المسافة بين الدولة والسلطة كانت شبه معدومة أيام النظام السابق.

إن الجواب على هذا السؤال يتوقف على آلية التغيير التي ستعتمدها الإفرازات السياسية للحركة الشعبية الانقلابية على النظام السابق، وتاليّاً على طبيعة شكل الحكم الذي سيقوم على أنقاض النظام الذي طوت صفحاته أولاً الاستقالات الجماعية لأركانه من الدولة ومن الحزب.. وحتى من الحياة العامة.. ومن ثم استقالة رئيس النظام نفسه.

وكذلك يتوقف الجواب على الدور الذي سيلعبه الجيش المصري في الحياة السياسية بعد الأشهر الستة الانتقالية التي حددها بنفسه.. فهل يعود إلى الواجهة من جديد، أم أنه سيقتدي بما فعله الجيش التركي الذي علمته سلسلة تجارب الانقلابات العسكرية أنه لابد في نهاية الأمر من التسليم بأن quot;لله ما لله... ولقيصر ما لقيصرquot;، أي أن يترك السياسة لأهلها، وللمجتمع المدني.. وأن يتفرغ الجيش لمسؤولياته الأمنية؟

فإذا كان صحيحاً أن الحروب أخطر وأهم من أن يترك أمر البتّ فيها للعسكريين وحدهم، فمن الأولى أن تكون السياسة أهم وأخطر من أن تترك للعسكريين حرية التدخل المباشر في شؤونها وشجونها المتداخلة والمعقدة.

لقد أدرك هذه الحقيقة الجنرال التركي كنعان أفرين الذي نأى نسبيّاً بالجيش عن السياسة وترك الباب مفتوحاً أمام الأحزاب السياسية لتتصارع على السلطة.. ثم توالى تراجع الجيش وتقدم الأحزاب السياسية حتى أفِلَتْ النجوم العسكرية ولم تعد تُرى إلا على أكتاف الضباط داخل الثكنات أو أثناء الاستعراضات العسكرية. ولاشك في أن طموح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وشروط الاتحاد بوجوب قيام نظام حكم مدني ديمقراطي سليم يحترم الحريات العامة، ساهم في تسريع هذا التحول وفي تحقيقه. إلا أن المهم هو أن النتائج كانت مؤثرة للغاية. فتركيا اليوم التي يساوي عدد سكانها عدد سكان مصر (أي حوالي 80 مليوناً) تتمتع باقتصاد يبلغ أربعة أضعاف حجم الاقتصاد المصري. ثم إن دور تركيا السياسي في الشرق الأوسط، وفي وسط آسيا والبلقان، وفي حلف شمال الأطلسي، يجعل منها دولة مهمة تتمتع باحترام دولي كبير. وفي المقابل تبدو مصر منكمشة على ذاتها عاجزة عن التحرك الفعال حتى في السودان الذي انقسم على نفسه في غياب أي دور لمصر وهي المعنية به استراتيجيّاً على الصعيدين الأمني والمائي. ولقد كانتا دولة واحدة أيام محمد علي الكبير. ومشهورة الأغنية الوطنية التي تقول quot;السودان لمصر.. ومصر للسودانquot;. ولكن أين مصر اليوم من السودان؟ بل أين شمال السودان من جنوبه؟ وهل كان ذلك كله ليحدث لو أن مصر كانت حاضرة وفعالة، مثل الحضور التركي الفعال في المنطقة؟

عندما كان مبارك يشكو من أن دولة عربية صغيرة الحجم تحاول أن تلعب دوراً أكبر من حجمها، كان يتلقى إشارات ذكية من دولة عربية أخرى صغيرة الحجم أيضاً مؤداها أن ذلك يعود أساساً إلى إحجام الدولة صاحبة الحجم الكبير عن أداء الدور الكبير المتوقع منها.

وقد أدى غياب الدور المصري إلى خلل في العلاقات العربية- العربية، وإلى اقتحام تركي وإقليمي للساحة العربية. وأدى كذلك إلى تصاعد في الغطرسة الإسرائيلية بحيث تمكنت إسرائيل من أن تلوي ذراع سياسة أوباما في الشرق الأوسط، وأن تحمله على التراجع عن الوعود التي قطعها على نفسه وعلى إدارته بتحقيق حل عادل وسريع للقضية الفلسطينية، وذلك من دون أن تخشى من رد فعل عربي عام أو مصري خاص يسيء إلى المصالح الأميركية أو حتى إلى المصالح الإسرائيلية.

فقد بلغت السياسة المصرية في السنوات الأخيرة من عهد النظام السابق حالة من الترهل غابت فيها عن معالجة قضايا الداخل الاجتماعية والاقتصادية، فاستفحل الفقر والفساد والرشوة. وغابت الدولة عن معالجة قضايا الخارج السياسية والأمنية، فتوسعت الانقسامات العربية- العربية وتعطل أداء جامعة الدول العربية، وأصبح كثير من العرب يلهثون وراء مبادرات خارجية لها حساباتها ولها أولوياتها التي تتقدم على الحسابات وعلى الأولويات العربية.

ففي الوقت الذي تقف فيه دولة إقليمية غير عربية اليوم أمام بوابة النادي النووي الدولي، وفي الوقت الذي تقف فيه دولة إقليمية أخرى أمام بوابة الاتحاد الأوروبي بحجم اقتصادي يساوي نصف حجم الاقتصاد العربي مجتمعاً من المحيط إلى الخليج!! فان المجموعة العربية تقف أمام علامة استفهام لا تملك الإجابة عليها.

لقد تسلم مبارك الحكم في عام 1981 بعد اغتيال السادات. فأين مصر اليوم مما كانت عليه في ذلك الوقت؟

وتسلم أردوغان الحكم في تركيا في عام 2003 بانتخابات شعبية مباشرة. فأين هي تركيا اليوم مما كانت عليه في ذلك الوقت؟

وبالمقارنة لم يؤدِ النظام السابق إلا إلى المزيد من السلطة المطلقة، مما أدى إلى الفساد المطلق، وهو الذي أشعل فتيل الانتفاضة التي أطاحت به وبنظامه السياسي.

وفي المقابل نجح أردوغان في دفع مسيرة الديمقراطية والانفتاح والتقدم الاقتصادي قدماً إلى الأمام حتى أصبحت تركيا اليوم قوة مهابة في المنطقة وفي العالم.

ومن هنا العودة إلى السؤال الأساس، وهو: هل تقتدي مصر بعد مبارك بالتجربة التركية لتستعيد ذاتها، ولتجدد دورها؟ فإذا كانت تونس قدوة في الانتفاضة، فهل تكون تركيا قدوة في النهضة؟

لم تكن مصر مهمة لنفسها فقط. إنها مهمة للعالم العربي ولإفريقيا، بل للعالم الثالث كله أيضاً. وقد خَفَتَ نور هذا الدور على غفلة من الحكم المصري سنة بعد سنة وطوال العقود الثلاثة الماضية، حتى تجرأ على مصر من كان يهابها ويخشاها، بل حتى أصبحت مصر تخشى على حصتها من مياه النيل!

غير أن مصر ليست غنية بعدد سكانها فقط، ولكنها غنية بطاقاتها الإنسانية وبثرواتها الطبيعية وبموقعها الاستراتيجي، وهي قادرة بهذا المخزون الغني من الإمكانات أن تقف على رجليها من جديد لتستأنف دورها القيادي في العالمين العربي والإسلامي.