جاسم بو نوفل
المتابع للعلاقات الخليجية الإيرانية خلال فترة حكم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد سيجد أن هذه العلاقات قد تخللها فترات من المد والجزر، حيث إن منحنى هذه العلاقات ما إن يرتفع قليلاً نحو التحسن إلا أنه سرعان ما يعود إلى الانحدار بسبب التصريحات الاستفزازية التي يطلقها بين الحين والآخر بعض المسؤولين الإيرانيين تجاه دول الخليج العربية، وبالخصوص نحو السعودية والبحرين والكويت وإن كانت الأخيرة بدرجة أقل منهما، لكن بصورة عامة فإن السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول المنطقة لم تشهد تحسناً كبيراً يذكر في عهد ''نجاد'' بالرغم من مساعي بعض الدول الخليجية التي ترتبط مع إيران بعلاقات خاصة باتخاذ خطوات في اتجاه ترطيب الأجواء الساخنة بين الدول الخليجية وإيران. في هذا السياق يمكن الرجوع إلى مساعي دولة قطر التي وجهت دعوة إلى الرئيس أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون التي استضافتها الدوحة في ديسمبر من عام 2007م، وبالرغم من أن هذه الدعوة جاءت بناء على مبادرة من الدولة المضيفة للقمة ومن دون التشاور مع أشقائها في المجلس ومن دون رغبتهم حسب ما تشير بعض المصادر الخليجية، إلا أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لم يقابل هذه المبادرة بأحسن منها، إذ جاءت كلمته التي ألقاها أمام المجتمعين في قمة الدوحة مخيبة للآمال، حيث خلت من أية عبارات أو مؤشرات توحي للخليجيين بأنه -أي نجاد- يريد فتح صفحة جديدة في العلاقات الخليجية الإيرانية من خلال وضع أسس جديدة تقوم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فهو لم يقدم أية محفزات يمكن أن تعيد الثقة للخليجيين نحو إيران، وتدفعهم إلى اتخاذ خطوات إيجابية في اتجاه تحسين العلاقات بينهما، وطي صفحة التوترات التي لازمت عهده، وكان بإمكانه في هذه المناسبة أن يكسر الجمود الذي خيم على العلاقات بين بلاده ودول الخليج العربية من خلال إطلاقه مبادرة حسن نية لحل مشكلة احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى) وهي إحدى المشكلات العالقة التي كانت -ولاتزال- تمثل إحدى بؤر التوتر التي تحول دون تحسن العلاقات بين دول الخليج وإيران. لكنه لم يفعل ذلك بسبب أن إيران تنظر إلى هذه الجزر على أنها ''إيرانية'' إلى الأبد وتستهتر في الوقت ذاته بالبيانات الصادرة عن مجلس التعاون التي تطالبها بالتخلي عن هذه الجزر؛ وتبرر إيران موقفها أن دول الخليج يتحدثون عن أرض ليست ملكهم حسب وجهة نظرها. فضلاً عن أن الإيرانيين لايزالون يعيشون في جلباب الإمبراطورية الفارسية بالرغم من نعمة الإسلام عليهم، ونتيجة لذلك تتملكهم النظرة الاستعلائية إلى الخليجيين بسبب إحساسهم التاريخي بأنهم كانوا القوة الضاربة في المنطقة قبل الإسلام، وأنهم قادرون على استعادة هذه القوة لشعورهم بالتفوق العسكري على دول المنطقة في الوقت الراهن وهو الأمر الذي يدفعهم إلى الاستئساد على الخليجيين، ونتيجة لذلك ومن منطق القوة لا يعير الإيرانيون أي اعتبار للخليجيين لاعتقادهم أنهم غير قادرين على الوقوف في وجه إيران، خصوصاً بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق ووصول الجماعات السياسية الموالية لهم لسدة الحكم في بلاد الرافدين، إضافة إلى تواطؤ الولايات المتحدة الأمريكية معهم بسبب الموقف الإيراني من الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، حيث قدمت إيران خدمات جليلة للأمريكيين في احتلال هذين البلدين المسلمين. وغني عن البيان، فإن إيران ونتيجة لهذه المتغيرات السياسية في المنطقة تتصرف بغرور مع دول الخليج العربية. إن سلوك إيران الاستفزازي تجاه دول الخليج العربية وبالتحديد مع السعودية والبحرين لم يتغير، بل ازدادت وتيرته مع وصول أحمدي نجاد إلى السلطة في إيران، ففي فترة ولايته الأولى والثانية، شهدت العلاقات البحرينية الإيرانية انحداراً بسبب تصعيد لهجة ملالي إيران العدائية تجاه البحرين وتدخلهم في شؤونها الداخلية. فالتصريحات العدوانية الأخيرة التي أطلقها أحمد جنتي أمين مجلس صيانة الدستور في خطبة الجمعة الماضية في باحة جامعة طهران، جاءت لتؤكد من جديد أن الإيرانيين لم يتخلوا عن أحلامهم في البحرين، ولذلك فإن حلقات إثارة الفتنة وتأجيجها بين مكونات الشعب البحريني مستمرة، وها هو وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي يكمل ما بدأه جنتي من خلال تصريحاته الاستفزازية لقناة العالم الإيرانية بشأن البحرين فالأول نصب إيران بأنها ''القوة المطلقة في المنطقة والعالم الإسلامي''. والثاني يكرر الادعاءات الباطلة عن البحرين. من هنا نقول وعلى عكس ما تتناقله وسائل الإعلام عن وجود خلاف بين الساسة الإيرانيين: أن الإيرانيين متفقون فيما بينهم سواء المعممين منهم مثال: (جنتي) أو غيرهم مثال (صالحي)، إذ إن كلاً منهم يؤدي دوره المرسوم له حسب موقعه السياسي في النظام الإيراني. فأهدافهم وغاياتهم واحدة وإن اختلفت وسائلهم في تحقيق تلك الأهداف، ولذلك يخطئ من يعتقد من المراقبين للشأن الإيراني أن تسلم ''صالحي'' لحقيبة الخارجية سيساهم في إصلاح العلاقات الخليجية الإيرانية وتحسينها؛ لأن الجميع ينفذ أوامر المرشد الأعلى للثورة، وقد أثبتت الأحداث صحة ما نقول وفي هذا السياق يمكن أن نستحضر التصريح الذي نشرته جريدة ''الآن'' الإلكترونية لأحد المقربين من أسفنديار مشائي وهو المدير السابق لمكتب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الذي قال: إن خلافنا شكلي مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لأننا نؤمن جميعاً بضرورة التحالف مع الولايات المتحدة لعزل السعودية عن المنطقة، لأن أي تغيير ديمقراطي حسب قوله في السعودية سيطيح بكل ملكيات الخليج واحدة تلو الأخرى، وقال إن إيران تملك بوابة شعبية ضاغطة في البحرين وبوابة إعلامية في قطر. إن هذا التصريح يؤكد أن الإيرانيين معممين وغير معممين متفقون على السيطرة على الخليج، وأنهم ماضون في تحقيق هذا الحلم بشتى الوسائل، وأحداث البحرين الأخيرة واكتشاف الشبكة التجسسية في السفارة الإيرانية في الكويت خير برهان على سعيهم المتواصل نحو تحقيق هذا الحلم. في ضوء هذه المعطيات يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها: أن أحلام إيران في دول الخليج ستستمر ولن يوقفها إلا تكاتف الخليجيين وتلاحمهم واستعدادهم لمواجهة أي مغامرة قد تقدم عليها إيران












التعليقات