جميل مطر

يغامر الغرب حين يقرر حرمان الفلسطينيين من تحقيق رغبتهم في الحصول على مقعد للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، أو حين يقرر الالتفاف على هذه الرغبة . قرأت التصريحات المتغطرسة الصادرة عن بعض المسؤولين في الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، وراعني أنها تعكس استمرار حالة الإنكار التي هيمنت على السياسات الغربية تجاه العالمين العربي والإسلامي، أو أنها تعني أن الرسائل الصادرة من ميادين وشوارع المدن التونسية والمصرية واليمنية والليبية والسورية لم تفهم في عواصم أوروبا وأمريكا .

يتصرف المسؤولون في بعض دول الغرب كما يتصرف بعض الحكام العرب الذين يرفضون الاعتراف بأن شيئاً كبيراً في العالم العربي أصابه التغيير، وأن عرب اليوم ليسوا كعرب الأمس، حتى وإن بدا من بعض التطورات السياسية والاقتصادية في الدول الثائرة أن القوى المضادة للثورة تقف عائقاً ضد اكتمال أهداف الثورات العربية . يتصرفون، وأقصد بهؤلاء مسؤولين في الغرب وسياسيين عرباً سابقين وحكاماً متشبثين، مستخدمين سلوكيات استكبار وتعالٍ، ومتصورين أن حاجة شعب ليبيا إلى المساعدة الفورية، وحاجة حكومة مصر إلى دعم مادي خارجي، إضافة إلى رخاوة صوتها حيناً، وقصر نظرها حيناً آخر، ونقص كفاءتها في أحيان كثيرة، وحاجة ثوار اليمن إلى حياد الأقربين ورفع أيديهم عن بلادهم، وحاجة ثوار سوريا إلى دور خارجي هم أنفسهم لم يقرروا بعد نوعه وحجمه ومصدره، حاجات تعني أن الثورات ربما تكون تعبت، وأن فرصة الغرب حانت مجدداً لاستئناف الهيمنة وتقسيم ثروات العرب وإعادة تدويرها وتوزيعها، وزرع الفتنة في صفوفهم والتحكم في أقدارهم لقرن مقبل، كما فعلوا على امتداد القرن العشرين بدءاً بالخريطة التي رسمتها فرنسا وإنجلترا .

قدم الفلسطينيون، وهذا حقهم، طلباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة لطرح قضية انضمام دولة فلسطين، وهي الدولة المعترف بها من أغلبية الدول، إلى الأمم المتحدة عضواً . والمفهوم أن الأمين العام أحال الطلب إلى مجلس الأمن لإقرار عرضه على الجمعية العامة .

هناك في المجلس يتوقع الفلسطينيون أن تستخدم الولايات المتحدة حق الاعتراض فيسقط مشروع القرار كما سقطت من قبله عشرات المشاريع التي قدمها الفلسطينيون والعرب والأفارقة على مدى عقود عديدة . قدموا الطلب وهم يعلمون أنه سيرفض . بعض العرب رأى في منامه أن أمريكا ستتغير بأوباما، فتقف إلى صف العدالة الدولية أو تستجيب لنداء الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية . وبعضهم عاش حياته على أمل أن رئيساً أمريكياً ستتجدد له الولاية لفترة ثانية فيتشجع ويوافق على مشروع قرار في مجلس الأمن لمصلحة الشعب الفلسطيني .

راهنت ldquo;إسرائيلrdquo; والغرب دائماً على أن الحكام العرب يحتاجون إلى أمريكا أكثر من حاجة أمريكا إليهم . وتراهن ldquo;إسرائيلrdquo; الآن على أن حاجة العرب إلى أمريكا، وغيرها من دول الغرب، ربما صارت أشد في ضوء الصعوبات التي يواجهها بعض الحكام العرب، وفي ضوء نوع جديد من الصعوبات يواجهها المتصدرون لقيادة الثورات العربية . إذ إنه حين تتعقد الأمور كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، ترتفع أصوات ldquo;ثوريةrdquo; تطلب من الدول الغربية التدخل لحماية الشعوب من وحشية قوى الأمن وبطشها .

تقول ldquo;إسرائيلrdquo; في حيثيات رفضها مناقشة انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة، إن هناك أربعة شروط يجب توافرها للاعتراف، هي وجود شعب دائم، وحدود معروفة، وحكومة فاعلة، وقدرة على إدارة علاقات خارجية . وكلها حسب رأي ldquo;إسرائيلrdquo;، غير متوافرة كما ورد في المذكرة الرسمية التي وزعتها الخارجية ldquo;الإسرائيليةrdquo; على بعثات دول الاتحاد الأوروبي . أفهم أن تطرح ldquo;إسرائيلrdquo; اعتراضات، وأفهم أن تكذب، وأفهم أن تقتل وتشرد، فديدنها منذ هبطت علينا القتل والتشريد، ولكني لا أفهم أن تستمر دول في أوروبا الغربية، وأن تستمر أمريكا، في ترديد المعاني نفسها، وهي تعلم أنها غير صحيحة . لا أفهم هذا السلوك من دول تسعى إلى إقناعنا بأن القيم التي تدعو إليها وتبشر بها وتتصدرها هي قيم العدالة وحق تقرير المصير واحترام إرادة الشعوب . ولا أفهم أن يحدث هذا الآن، فالشعوب العربية أشعلت ثورات هدفها المعلن والأساسي استعادة كرامتها . هذه الشعوب رغم الضائقات التي تمر بها، مازالت معبأة بغضب شديد يتصاعد مع كل عمل تقدم عليه دولة غربية تسعى من ورائه إلى الاستفادة القصوى والفورية من حالة حاجة القوى الثورية إلى دعم خارجي، أو من حالة التعب المؤقت الذي أصاب المد الثوري .

عدت أقرأ خطاب أوباما الذي ألقاه في القاهرة في مارس/آذار من عام ،2009 والتعليقات الحالمة التي علق بها كبار المحللين والسياسيين وصغارهم في العالمين العربي والإسلامي على هذا الخطاب . أوحى أوباما إلى المسلمين والعرب في كل مكان، أنه سيقف ضد حروب ldquo;إسرائيلrdquo; الخارجية، وضد محاولات رفض مفاوضات وتعطيل مسيرة السلام . انتظروا أن يتخذ موقفاً شديد الصلابة ضد الاعتداء ldquo;الإسرائيليrdquo; على قافلة الحرية التركية، وأنه، وهو رجل القانون والعدالة والإنصاف، لن يسكت على مهزلة تراجع القاضي غولدستون عن تقريره الذي قدمه إلى المجتمع الدولي عن جرائم ldquo;إسرائيلrdquo; في غزة، ولن يسمح لحكومته بتسريع عملية دفن حكم محكمة لاهاي الصادر في قضية الجدار .

بالنسبة إلى الفلسطينيين، ولنا أيضاً، أوباما لا يختلف عن غيره من القادة الأمريكيين، فهو مثل سياسته الخارجية أسير إرادة الحركة الصهيونية، كما كشفت تصريحات المسؤولين في حكومته وخطابه التعس للغاية الذي ألقاه في مؤتمر آيباك الأخير، واعتراف أعوان له أن ldquo;إسرائيلrdquo; تدخلت في صياغته، أي أنها تدخلت في التعبير عن السياسة الخارجية الأمريكية . كان مثيراً هذه المرة ككل المرات السابقة، متابعة ردود فعل كثير من أجهزة الإعلام الأمريكية وتحركات البيت الأبيض لهزيمة مرشح الحزب الديموقراطي الحاكم في انتخابات تكميلية، كمؤشر له دلالة بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة . لم يخف قادة اليهود نيتهم إسقاط مرشح أوباما كنموذج على ما يمكن أن يفعلوه في الانتخابات الرئاسية، أرادوا ابتزاز الرئيس قبل انعقاد مجلس الأمن وطرح قضية انضمام فلسطين إلى عضوية الأمم المتحدة . ذهبوا إلى حد تبديل ولاءاتهم السياسية التقليدية كمناصرين للحزب الديمقراطي فصوتوا لمرشح الحزب الجمهوري للمقعد الذي شغر باستقالة النائب وينر الديمقراطي المنحرف أخلاقياً والمؤيد بشدة لrdquo;إسرائيلrdquo; . نعرف، ويعرف الكثيرون، أن غضب الناخبين نابع أساساً من الظروف الاقتصادية السيئة للغاية التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي .

كتب الرئيس الأسبق جيمي كارتر يحذر ldquo;إسرائيلrdquo; من مغبة تصعيد لهجة خطابها السياسي سواء في موضوع انضمام فلسطين إلى المنظمة الدولية أو بالنسبة إلى علاقاتها بمصر ، ويعاتب حكومة باراك أوباما على مواقفها المترددة ونكوصها عن التزامات الرئيس في خطاب القاهرة وبخاصة ما ورد فيه عن تمسكه بوقف الاستيطان، وخطابه التالي في مايو/أيار من العام نفسه وما ورد فيه عن حدود 67 . يذكّر كارتر في مقاله الذي نشرته له صحيفة ldquo;هيرالد تريبيونrdquo; أطراف كامب دافيد كافة وهو مهندسها، أنه بينما بقيت إتفاقية السلام سائدة بين الطرفين، فقد جرى تجاهل البنود الأساسية في اتفاقيتي كامب دافيد . ويحمّل كارتر مصر وrdquo;إسرائيلrdquo; المسؤولية فيقول إنه ldquo;بعد موت السادات لم يُلحّ مبارك على تنفيذ البنود الخاصة بالحقوق الفلسطينية، رغم أن الأغلبية العظمى من المصريين استمروا يلحّون على ضرورة أن تحترم ldquo;إسرائيلrdquo; التزاماتهاrdquo; .

كثيرون في مصر وخارجها حذروا الحكام العرب من مغبة عدم استعدادهم لفهم أبعاد التغيرات في نفسية الشعوب العربية . استمروا في غيهم وغطرستهم حتى فاجأتهم الثورات . كانت الكبرياء كلمة السر . نكرر المعنى نفسه في رسالة واضحة إلى زعماء الدول الغربية، ldquo;لا تستهينوا بدرجة الغضب الشعبي في العالمين العربي والإسلامي . حاولوا أن تفهموا وتتغيروا قبل أن يفاجئكم حريق هائلrdquo; . . وما زالت الكبرياء كلمة السر .