د. عبدالعظيم محمود حنفي

حقق النضال الفلسطيني انجازين مهمين لهما أبعادهما الستراتيجية الواضحة. كان الإنجاز الأول نتائج حرب غزة وتغير ميزان القوى الإسرائيلي- الفلسطيني. أما الإنجاز الثاني تحقق في 29 نوفمبر الماضي - وهي الذكرى السنوية لتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى quot;دولة عربية ودولة يهوديةquot; بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها عام 1947 - حيث صوتت الجمعية العامة على مشروع قرار جديد يعترف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو بأغلبية 138 مع اعتراض 9 دول, وكان اصرار السلطة الفلسطينية على اتمام ذلك النجاح بمثابة تحد للاعتراضات الإسرائيلية والأميركية على هذه الخطوة , ثم إن تسلسل الأحداث واضح وبسيط, فإسرائيل كانت تطالب الفلسطينيين بmacr;quot;العودة إلى مفاوضات السلامquot; من دون شروط, في حين كان الفلسطينيون يطالبون إسرائيل بأن توقف أولاً بناء المستوطنات غير الشرعية, لأنها تلتهم الأراضي التي يفترض أن تقوم عليها دولتهم. وبينما واصلت إسرائيل هذه quot;السرقة المنظمةquot;, قرر الفلسطينيون, الذين كان يُطلب منهم دائماً الامتناع عن كل خطوة أحادية, المضي قدماً وتحويل الدعم الساحق في الأمم المتحدة إلى أصوات لمصلحتهم. وبالاضافة الى النصر القانوني المعنوي فان ترقية وضع فلسطين في الأمم المتحدة يفتح الباب أمام محاولات الضغط للحصول على المطالب الفلسطينية عن طريق هيئات مثل quot;المحكمة الجنائية الدوليةquot; وquot;محكمة العدل الدوليةquot;.
وهذه الخطوة يراها الكثيرون بما فيهم عديد المحللين الاسرائيليين ان تلك الخطوة تعزز فرص السلام . والواقع ان تلك الخطوة تعزز ايضا منهج السلام والمقاومة السلمية بأنواعها كافة. فقد كانت شرعية ابومازن على المحك بعد حرب غزة لانه عد الانتصار لخيار المقاومة المسلحة على الخيار السلمي وفي الواقع فإن الرجل ورئيس وزرائه يحظيان بتقدير المجتمع الدولي, وقاما ببناء بنية مؤسسية فاعلة يجعل الدولة الفلسطينية امرا واقعا بالفعل .
وعلى الفلسطينيين البناء على هذين الانتصاريين عبر المصالحة الشاملة الجامعة لان حكومة اليمين المتطرف بزعامة نتانياهو - ليبرمان قررت المضي في غيها عبر قرار احمق اثار فزع وغضب المجتمع الدولي اثر اعلان الحكومة المتطرفة عن بناء ثلاثة الاف وحدة سكنية في القدس والضفة الغربية بعد أقل من 24 ساعة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنح فلسطين عضوية مراقب,خطورة القرار أن البناء في منطقة quot;E1quot; الفاصلة بين القدس ومستوطنة معالي أودميم, من شأنه أن يفصل الضفة الغربية عن المدينة التي يفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المقبلة. والواقع ان التبرير بالخطوة الفلسطينية امر خاطئ وغير دقيق لأن إسرائيل تحتل الأراضي الفلسطينية, بغض النظر عما يفعله الفلسطينيون أو ما لا يفعلونه.
إن مواصلة احتلال أراضي الشريك الذي يفترض أن يتم التفاوض معه حول السلام وقيام دولة يمثل quot;نفياً للمفاوضات نفسهاquot;, ولذا كان رد الفعل الغاضب للدول الأوروبية (استدعاء السفير الإسرائيلي) تجاه إسرائيل مبرر ومعلل, على أنه لابد من المزيد من أجل إعادة الزعماء الإسرائيليين إلى صوابهم.
وهناك من المؤشرات ما ينبئ ببدء فجوة في مواقف الطرفين الاوروبي والاميركي, والتاريخ يضيف للمسألة زخما عاطفيا متمثلا في الشعور الاوروبي بالذنب بسبب الاستعمار توافقه ذكريات محرقة اليهود. لقد ساعدت اوروبا على ولادة وطن لليهود بعد الحرب العالمية الثانية لكن الدعم الشعبي فتر بعد حرب عام 1967 والتي دمرت صورة اسرائيل باعتبارها داود الذي يقاتل جالوت العرب. والان تنظر اوروبا الى اسرائيل على انها دولة استعمارية محتلة تقتل الفلسطينيين. كما ان الحكومات الاوروبية تزداد حساسية تجاه مواطنيها من المسلمين وتقوى يوما بعد يوم نظرة اوروبا للشرق الاوسط باعتباره جارا. فالاتحاد الاوروبي اكبر المانحين للسلطة الفلسطينية. اما الولايات المتحدة فانهم يشاركون في القليل -عمليا- من هذه الطموحات وبالنسبة الى الادارات الاميركية سواء كانت جمهورية ام ديمقراطية, فإن الوقوف الى جانب اسرائيل يعد ركنا من اركان الايمان تقريبا !ومن هنا كانت المواقف متباينة, غير انه لا يجب التفاؤل كثيرا بهذا التناقض بين الجانبين وسادت قناعة لدى المحللين بأن هناك تقسيماً للعمل بين الأوروبيين والأميركيين في الشرق الأوسط. وانه طبقاً لهذا التقسيم, يختص الاتحاد الأوروبي quot;بقضايا الأمن اللينةquot;, بينما تتوافر الولايات المتحدة على التعامل مع quot;قضايا الأمن الصلبةquot;. من خلال محاولات إعادة الهيكلة السياسية, وخرائط الطريق, والغزو المسلح. ويكمل الدوران بعضهما, حيث يسهل quot;الأمن اللينquot; الطريق أمام quot;الأمن الصلبquot;.
كما ان الولايات المتحدة الاميركية تريد أن يبتعد الاتحاد الأوروبي عن القضايا السياسية للصراع العربي- الإسرائيلي ويقصر دوره على quot;تسهيلquot; تنفيذ الدور الأميركي. ويمكن القول إن هناك ثلاثة أبعاد للدور الأوروبي في علاقته بالدور الأميركي. وهذه الأدوار هي تسهيل الدور الأميركي Facilitator, وامتصاص الصدمات الناشئة عن الدور الأميركي Shock absorber, ودعم الدور الأميركي صراحة في الأزمات الحرجة Supporter in .critical thresholds وسنحاول استعراض هذه الأدوار على التوالي.

* خبير مصري بالشؤون السياسية والستراتيجية
[email protected]