سمير عطاالله

تتجه جميع أمم الارض نحو المستقبل. لم يعد في أميركا اللاتينية تروخييو وسوموزا وبينوشيه. لم يعد في جاكرتا أحمد سوهارتو. لم يعد في يوغوسلافيا سلوبودان ميلوسيفيتش. جميع الطرق، الطبيعية، تقود الى الافضل. الى الحياة والحرية والكرامة الانسانية. والصور التي خرجت من مصر في الايام الاخيرة، كانت صورة أمة ترفض الانقياد الى الوراء. لقد شاهدنا الشبان العزل يواجهون quot;تدفق مجموعات الاخوان المسلمين والسلفيين الى قصر الاتحادية من جميع المحافظات. والاوتوبيسات تحمل الطوب والسنج والسلاح الابيض وبنادق الخرطوشquot; كما كتب فاروق جويدة في quot;الاهرامquot;، يوم السبت. لكن العتاة انهزموا امام صعاليك الحرية وآمال مصر.

لن تقبل هذه الامة بعد اليوم الاّ رجلا منها. رجلاً مثلها. انتهى زمن الذين يخرجون من بيوتهم بشراً ويصبحون آلهة بمجرد ان يدلفوا عتبة القصر. هذا ما حاولت الشعوب العربية ان تقوله منذ عامين، والحاكم لا يريد ان يصغي. يظن انها لا تزال تهتف له من أيام العصور الوسطى. يظن! جاء علي عبدالله صالح الى نيويورك بعد خروجه من صنعاء وفرق شبان اليمن بمكان اقامته وتجمعوا أمام فندقه. ودبت فيه الحماسة والحنين فخرج اليهم رافعاً يده بالتحية. لكنه عاد سريعاً الى الداخل وحماية الحرس: كانوا يهتفون ضده.

نسي quot;الفريقquot; علي عبدالله صالح انه في هذه البلاد عاد quot;الجنرالquot; ايزنهاور من انتصار الحرب العالمية الثانية وقد جعل بلده أكبر دول العالم. ولكن في اليوم الاخير من ولايته، كان عليه ان يغادر البيت الابيض، الذي بقي فيه البوّابون والطباخون. انت، دوايت ايزنهاور، بطل النورماندي المعروف، تحبباً، بـquot;أيكquot;، لم تعد لك اي علاقة بهذا المكان فقط اذا دعيت، تأتي. ليس للديموقراطية أي تفسير آخر، أو أي شكل آخر.

طلب زين العابدين بن علي الرئاسة مدى الحياة، وطلبها حسني مبارك لنفسه ولابنه من بعده. ولما هوى بن علي، قال مبارك ان مصر ليست تونس. ولما هوى مبارك قال معمر القذافي إن ليبيا ليست تونس ولا مصر. ولما عرض الثوار جثة القذافي على حصيرة، متجاوزين أي سلوك مقبول، قال علي عبدالله صالح إن اليمن لا شبيه لها. ونظر بشار الاسد الى الجميع وقال، هذا انا، ولا احد مثلي، ولا أحد سواي.

شاهد محمد مرسي كل ما حدث في العامين السابقين. ومع ذلك عندما ذهب يصلي الجمعة، قبل اسبوعين، سمح للإمام ان يقول إن كل من ينتقد الرئيس هو أسوأ من الكفار الذين اعتدوا على الرسول في مكة! هو ليس فقط أهم من محمد علي وعبد الناصر، وانما الاعتداء عليه كالاعتداء على الرسول. أو بالاحرى اسوأ. زمجر المصلون احتجاجاً.

ماذا يحدث للعربي عندما يصل الى الحكم؟ من وماذا يهمس له انه اصبح إلهاً؟ ليس مجرد اله يوناني، له اختصاص محدد في الريح أو المطر أو الحرب. لا اله بمعنى الإله، يقول ويقضي ويقر quot;ولا يُطعن عليهquot;.

لم تكن المفاجأة في قفز quot;الاخوانquot; من التوكيل بنسبة 50 زائد واحد الى التوكيل الإلهي المطلق بل كانت في خروج المصريين يرفضون هذا التسلط. ولى زمن العبوديات، ولن يعيده رجل أو حزب أو جماعة. لم ينتبه محمد مرسي الى ان السوريين يقاومون طائرات الميغ والسوخوي، وان أخبار وصول المزيد من البواخر الروسية الى طرطوس لا تعدو كونها خيال صحراء. أو خيال بحر. كل شيء أصبح مثل فزاع طيور. والروس الجدد يكررون مع الشعوب فصول الاسطول السادس.

الى أين تريد الانظمة ان تأخذ هذه الامة؟ يجب الا نخلط بين آمال الحرية والأمل النهائي في الانتصار. هكذا كتب ألبير كامو في quot;كومباquot; عام 1944. الحرية لم تنه شيئاً، قال كامو. انها مجرد بداية، ثم ان الحرية ليست السلام. كان يخشى ان تعمد quot;المانيا الهتلرية الى انهاء كل شيء بانتحارات مسرحية وتفرض ثمناً دموياً هائلاً مقابل النصر الذي لم يكتمل بعدquot;.

لم يكن يستطيع عقل ان يتصور ان الحكام العرب سوف يخوضون الحروب في عواصمهم وأريافهم ومدنهم. ولا أدرك الحكام ان سبات الذل يطول لكنه لا يدوم. كانت الاسكندرية تعتبر معقل quot;الاخوانquot; والمتشددين، فاذا انصار الحرية والدستور أكثر تشدداً وعزماً. ظن الحاكم ان جدار برلين يسقط فقط في برلين. لكن الذل مرض، اما الحرية فهي عدوى. لن تستبدل العبودية العسكرية بعبودية مقدسة. لقد فرقنا الحكام. فرقوا الاحداث الكبرى، والآن يفتّتون الوحدات الجوهرية. وجميع الذين كانوا يهاجمون سايكس ndash; بيكو كل يوم، يجعلوننا الآن نترحم على ما تركاه لنا من صيغ وحدوية. ألم تكن تسمى هذه quot;طرابلس الشامquot; فاذا هي اليوم جبهة الشام؟ طرابلس التي كانت ترفض ان quot;توصمquot; بلبنان، أصبحت الطلائع المناهضة لسوريا. كان اللبنانيون يحاربون تقسيم الوطن فصارت مدنهم، في الشمال وفي الجنوب، مثل عاصمتهم، أقانيم وأقاليم ومكاره تطل بعضها على بعض.

قال السفير جوني عبده لـquot;العربيةquot;، إنه يوم كان مديراً للمخابرات، كان يحجب عن الرئيس الياس سركيس ما يقوله السياسيون عنه، لأن الانسان ضعيف مهما كان قويا، وقد يضمر لمنتقديه النقمة. الآن يتخاطب السياسيون، مباشرة، بأردأ أنواع الاحقاد واسوأ ضروب التحقير. نَفَسٌ اسود كالضغينة. قال جيمس جويس عن رجل مريض إنه quot;يرسل أنفاساً ميتةquot;.

لا يخفف ظرف الرئيس نبيه بري مدى شعوره بالخوف والقلق. يكاد البلد يصبح عصفورية، قال. ولكن لا يفوتنّكم ان في العصفورية أملاً في العلاج. وان نيات مرضاها طيبة. وانهم عفويون، طيبون، غير مأمورين، ولا يقرأون البرقيات، كما ترد الى رؤساء المخافر.

يجب ان نتأمل، ملياً، ماذا حدث في مصر. هذه المرة الحمل هو الذي قام. الحمل هو الذي رفع صوته. والحمل هو الذي قال للدوغماتي الغوغائي الفاجر وأساليبه العفنة المجترة: انت خاين، وانت أميركي، وانت عميل، واما عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي فهم مصريون. مصريون مثل النيل ومثل الصعيد ومثل وادي الملوك وشجر البردي الاخضر، الذي يقاوم تلوث القاهرة. الشعب يريد ان يبقى هو الشعب، وليس ان يصبح الرئيس هو الشعب وهو الارض وهو قانون الارض والسماء. انتهت حكاية الشعب العربي مع الذل التاريخي. انتهى العقد مع النظام العربي الذي كافأه بأن اطلق عليه البلطجية والجلاوزة والشبيحة. انتبه كيف انسحب الحرس الجمهوري من حول القصر. لماذا؟ لانه مكلف حراسة الجمهورية وأمنها وسلامتها. الرئيس ليس الجمهورية.

ختم المصريون في ساحة قصر الاتحادية تجربة غاية في الرداءة بين النظام العربي والناس. لا احتكار للدولة بعد اليوم على أيدي حزبها. ولم يذهب حزب مبارك كي يأتي حزب مرسي. في العراق كان حزب البعث يحمل مفاتيح الابواب ومفاتيح الصدور ومفاتيح الجدران والعقول والموت والحياة. ومع ذلك هوى في يوم واحد. وفي سوريا لم يظهر الحزب خلال عامين الا في المادة الثامنة. أين ذاب قائد الدولة والمجتمع؟ نجح النظام العربي في ضبط الانفاس وفشل في معرفة النفوس.

إليكم المشهد الذي لا سابقة له أمام قصر الاتحادية: دبابات الحرس الجمهوري تنسحب، لان مهمتها حراسة الجمهورية لا القصر. والسابقة الاخرى ان صعاليك الحرية وبسطاءها يقتحمون الاسلاك الشائكة وفظاظة سكاكين المؤيدين: 7 قتلى و700 جريح. لم تعد الحرية لقيطة يخجل بها العالم العربي. ولم يعد الحاكم إلهاً. لم يعد من الممكن استبدال الاستعباد بالاستبداد.

يقول الحسن بن طلال إن اللاجئين السوريين يشكلون 4% من سكان الاردن، وان السل منتشر بين اطفالهم، ويقول إن أول حق يجب ان يضمنه الانسان العربي هو الحق في الحياة. ولكن ألا يزال الانسان العربي يعرف الفارق؟ هل تسمح له الغطرسة بالتمييز؟

امة مدفونة في نشرة الاخبار. ونشرة الاخبار وفيات وجنازات ممنوعة خوفاً من اصوات الموتى. قبل أشهر كان محمد مرسي دكتوراً في الهندسة ومرشحاً رديفاً للرئاسة. لم يكتف ان الشعب اعطاه صوته، اراد أيضا ان يجرده من حقه في اصدار الدستور، واراد إلغاء القضاء، ورفع على باب مصر عبارة quot;ممنوع الطعنquot; على كلام الرئيس وقرارات الرئيس ورغبة السيد الرئيس في احالة 90 مليون مصري على صمت المدافن الفرعونية.

خذ بال سيادتك. الدنيا (ومصر أمها، كما تعرف) على عتبة العام 2013 ميلادي فلماذا رفع الجدار الاسمنتي حول القصر، الذي يسمى عادة quot;قصر الشعبquot;؟ والشعب العربي موزع على أكواخ وزنازين ومخيمات وجوع وبرد وبطالة ومرض وعجز وتشرد وخوف وحالات طوارئ وهتافات: بالروح... بالدم.