&&آمال شحادة

&&& هذه المرة لم تلتزم إسرائيل الصمت تجاه الغارتين على القنيطرة وقتل ستة من مقاتلي حزب الله. فالإعلان عن العملية جاء على عكس ما اعتدنا سماعه في أعقاب عمليات قصف سابقة، إذ كانت التفاصيل في حينه، تنقل على لسان وسائل إعلام أجنبية تدعي أن إسرائيل أقدمت على القصف. أما هذه المرة، فجاء الإعلان في شكل واضح – نقلاً عن مصادر أمنية وسياسية عليا، أن سلاح الطيران الإسرائيلي قصف حافلة في منطقة القنيطرة أدت إلى مقتل عديدين «بينهم أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، الذي يخطط لعمليات مستقبلية في الشمال واحتلال بلدات في الجليل وهو علي طبطائي، وقائد لواء الجولان في حزب الله، جهاد مغنية، نجل القائد العسكري في الحزب عماد مغنية، الذي اغتالته إسرائيل قبل سبع سنوات».

بهذه الكلمات استهلت القنوات التلفزيونية تقاريرها حول هذه العملية. وحتى وزير الدفاع موشيه يعلون لم ينتظر، كعادة القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بالتلميح بعد يوم أو يومين إنما قال بعد ساعات قليلة: «لا أريد الحديث عن الموضوع. فطالما أن حزب الله أعلن عن تصفية قادته فليفسر هو ما الذي كان يفعله رجاله في الجولان». يعالون لم يعلن مباشرة أن إسرائيل تقف وراء القصف لكن حديثه كان واضحاً.

وعلى رغم عدم إظهار حال من القلق الإسرائيلي من احتمال رد حزب الله على هذا القصف، والإصرار على «ضرورة استمرار الحياة الطبيعية» للمستوطنين في الجولان، إلا أن قوات كبيرة من الجيش انتشرت على طول الحدود وأحاطت بعض البلدات الإسرائيلية المحاذية لجنوب لبنان والمنطقة الحدودية وقوات الجيش انتقلت إلى حالة استنفار. والأبحاث الإسرائيلية تناولت مختلف السيناريوات المتوقعة، «فهذه المرة نوعية القصف الإسرائيلي تختلف عن طبيعة ونوعيات عمليات القصف التي نفذت خلال السنوات الست الأخيرة»، و»ليس من المستبعد أن يرد حزب الله سريعاً فلا ينتظر سنوات أو شهوراً». ومن بين التسريبات ادعت إسرائيل أنها كانت على علم بهوية العناصر التي تواجدت في الشاحنة والهدف من تواجدها هناك «التخطيط لتنفيذ عمليات نوعية ضد إسرائيل». وكانت مدركة بأن القصف هذه المرة سيوقع عدداً كبيراً من القتلى.

ومع هذا كان الصمت من قبل قياديين واضحاً لكنه تحول إلى حراك داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية والحزبية، ولا يمكن في هذا السياق تجاهل تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، صباح أمس، في مستهل جلسة حكومته حيث قال إن إسرائيل ستعمل على تفعيل حقها في الدفاع عن أمنها بنفسها.

تنفيذ العملية تزامن مع إطلاق إسرائيل حملة دولية وأميركية واسعة لمواجهة قرار محكمة الجنايات الدولية القاضي بالتحقيق في ارتكاب إسرائيل جرائم حرب بحق الفلسطينيين. وهذه الحملة التي توحد حولها اليمين واليسار والمركز، رفعت الملف الأمني في إسرائيل إلى رأس سلم الأولويات، وأي حراك في هذا الجانب يرتبط في شكل مباشر بالانتخابات الإسرائيلية وبنيامين نتانياهو، المبدع في استغلال مثل هذه القضايا، تعامل مع قرار المحكمة كهدية تقدم له على طبق من ذهب. فراح يصعد تهديداته وتحذيراته مكرراً سياسة الترهيب والتخويف من أبعاد خطوة كهذه واحتمال أن تعرض إسرائيل لدعاوى شبيهة من قبل ما وصفها نتانياهو في جلسة حكومته التنظيمات الإرهابية كـ «القاعدة» و»حماس» و»داعش»، وطبعاً جعل التحريض على حزب الله والترويج للخطر منه في مقدمة حملته هذه.

وأحزاب اليسار والمركز، التي رفعت هذه الأيام حدة معركتها الانتخابية، في محاولة لإضعاف نتانياهو، لم تتأخر هي الأخرى في استغلال هذا الملف وأظهرت نفسها كمدافع عن أمن إسرائيل، وحاولت ضرب عصفورين بحجر واحد، فإلى جانب موقفها الداعم لحملة نتانياهو الدولية ودعمه في الموقف الذي يحذر من خطر أن تتحول إسرائيل إلى متهمة في دعاوى من تنظيمات معادية لها، اعتبرت ما يحدث نتاجاً لسياسة نتانياهو وإخفاقاته في الجوانب الأمنية والسياسية والتي أوصلت إسرائيل إلى عزلة دولية خطيرة.

وكان مذهلاً في وضوحه تصريح الجنرال يوآف غالانت، بأن «هذه العملية ضد حزب الله مرتبطة في شكل وثيق بالانتخابات الإسرائيلية». وغالانت هو شخصية عسكرية بارزة جداً. هو القائد الأسبق للواء الجنوب في الجيش الإسرائيلي وعينه نتانياهو ووزير دفاعه باراك، قبل حوالى السنتين، رئيساً لأركان الجيش، ولكنهما اضطرا إلى إلغاء التعيين بعدما كشف فضيحة فساد، إذ تبين أنه سيطر على حوالى 60 دونماً من الأراضي العامة وضمها إلى بيته وحولها إلى مزرعة كبيرة تقدر قيمتها بعدة ملايين من الدولارات. واليوم هو مرشح في المكان الثاني للقائمة الانتخابية لحزب موشيه كحلون الجديد، المنشق عن حزب الليكود. وكشف خلال لقاء مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي التجاري: «عندما كنت قائداً للواء الجنوبي قدمت عدة اقتراحات لاغتيال أحمد الجعبري، رئيس الجناح العسكري لحركة «حماس»، ولكن طلبي رفض. وفجأة، من دون أن أطلب تم إعطاؤنا الضوء الأخضر من الحكومة لاغتياله في نهاية 2012 عشية الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية. وقد بدا واضحاً أن الحكومة (برئاسة نتانياهو)، تعمدت ذلك. وكما نعرف جميعاً فقد نفذت العملية العسكرية «عمود السحاب» (الحرب على غزة) بعد ذلك. ودخل نتانياهو المعركة الانتخابية وسط تأييد جماهيري ووحدة صف وطنية واسعة ضد «حماس»، شلت أحزاب المعارضة تماماً».

&

تدريبات على حرب لبنان الثالثة

التوقعات في إسرائيل أن تتحول عملية القنيطرة ومقتل ستة من عناصر حزب الله إلى عنصر هام في المعركة الانتخابية الإسرائيلية، خصوصاً أن الوضع الأمني يقلق الإسرائيليين دائماً. وهذا ما بدأ يظهر بعد ساعات من القصف حيث روجت وكثفت قيادات في الجيش وخبراء عسكريون من تقاريرهم حول التقديرات المتوقعة للفترة المقبلة للوضع الأمني على المناطق الحدودية، بخاصة تجاه الشمال، وسيناريوات الحرب التي ترسمها إسرائيل في حال تصاعدت الأوضاع الأمنية، بخاصة تجاه حزب الله. وهو أمر يجعل الإسرائيلي يفكر جيداً من القائد القادر على ضمان أمنه، وخطورة الحرب وطبيعة المواجهات التي تصل إلى حد احتلال مناطق في الجليل لعدة أيام أو محاصرة مجموعات سكانية من قبل عناصر حزب الله. والتركيز على هذا الجانب مع تحركات عسكرية مختلفة، كقصف الغارتين قد تؤدي إلى تغيير مسار وطبيعة المعركة الانتخابية، من دون أن نسقط من الحسابات تجارب في تاريخ القيادات السياسية التي تنقل أزماتها الداخلية إلى الخارج وأحياناً عبر تصعيد أمني.

حتى هذه اللحظة تستبعد إسرائيل أن يرد حزب الله على عمليات القصف ولكن في الوقت نفسه تواصل استعداداتها لمختلف السيناريوات، وليس صدفة أن ترفق بعض القنوات التلفزيونية إخبارها بتقرير حول تدريبات أجرتها وحدة جولاني خلال الشهور الستة الأخيرة، حول حرب ضد لبنان والتركيز على سيناريوين: الأول معارك تدور في أرض لبنانية مفتوحة وأخرى تدور في بلدات إسرائيلية ومستوطنات، إلى حد حديث البعض عن قيام حزب الله بالسيطرة على بلدة إسرائيلية لعدة أيام ورفع علمه فيها.

وفي جانب آخر تجري وحدات عسكرية تدريبات في جبال الكرمل في حيفا، وهي الأقرب لجغرافية الجنوب اللبناني. وقد استبقت هذه التدريبات تقارير تضمن بعضها استعراضاً لتوقعات الاستخبارات الإسرائيلية لمثل هذه الحرب، وقد استعرض جانباً منها الرئيس السابق لقسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الجنرال ايتان بارون، عبر صحيفة «إسرائيل اليوم»، المقربة من رئيس الحكومة وأعلن فيها أن «حزب الله يخطط خلال الحرب اللبنانية المقبلة لإطلاق أكثر من ألف صاروخ يومياً على إسرائيل، والتسبب بأضرار للمنشآت الاستراتيجية». وحذر بارون أنه: «خلافاً لحرب لبنان الثانية فان التوقعات أن نجد في الحرب المقبلة قوات حزب الله داخل إسرائيل عبر نوعين من القتال الأول في توجيه طعنات محددة في نهاريا أو شلومي أو معلوت، والثاني عمليات ملموسة أكثر للسيطرة على أراض إسرائيلية، أي سيطرة حزب الله على بلدة إسرائيلية كاملة».

التقديرات الاستخبارية تتحدث عن مواجهات مع إسرائيل في مزارع شبعا، وأن عملية القنيطرة قد تغير الظروف الإقليمية بادعاء أن حزب الله قد يرى في ذلك تحدياً يحتم عليه الرد كي لا يظهر ضعيفاً في الشارع اللبناني.

ويمكن حزب الله أن يؤخر الرد حتى تتوافر الظروف العسكرية الملائمة ويمكنه اختيار الرد على عدة حلبات، قد تشمل شن هجمات على أهداف إسرائيلية في الخارج (كعملية بلغاريا في 2012)، وعمليات في مرتفعات الجولان (كما فعل في العام الماضي)، وعمليات في مزارع شبعا أو من خلال شن هجوم نوعي ضد هدف رئيسي في الشمال أو في وسط البلاد.

وترى هذه التقديرات بأن رد حزب الله وقوته سيحدد نوعية الرد الإسرائيلي. وفي هذا الجانب يؤكد عسكريون وأمنيون ضرورة أن تكون إسرائيل مستعدة لكل السيناريوات ورفع حالة التأهب في منظومات الاستخبارات والدفاع وإبقاء حالة اليقظة على طول الحدود، لأن كل جندي يمكن أن يكون مستهدفاً»، كما نقل عن مسؤول عسكري في منطقة الشمال.

ولكن السؤال الذي بدأ الإسرائيليون طرحه، في أعقاب الاغتيال الجماعي في القنيطرة، هو: «ماذا سنفعل فيما لو رد حزب الله بقوة كاسحة، وتدحرجت الأمور إلى حرب ثالثة مع لبنان؟ فهل نتانياهو مستعد لذلك؟ وهل ستنفعه حرب كهذه في الانتخابات، عندما تصل مئات الصواريخ في كل يوم للمدن الإسرائيلية؟» و«هل هذا استعراض عضلات قوي أو مغامرة غير محسوبة؟!».
&