قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من المعروف أن الركود الاقتصادي يحدث في الأغلب بعد أن يظهر هناك ما يعرف بانعكاس منحنى عائد الاستحقاق، أي عندما تكون عوائد السندات قصيرة المدى أعلى من السندات طويلة المدى. وقبل أيام قليلة تجلت هذه الظاهرة بشكل حاد، ما دعا كثيرين إلى الاعتقاد بأن ركودا اقتصاديا عالميا بدأ يلوح في الأفق. انعكاس معدلات الفائدة هذا ليس خاصا فقط بالولايات المتحدة، بل إنه حاصل الآن على مستوى السندات السيادية العالمية، حيث يشير مؤشر بلومبيرج للسندات السيادية إلى أن الفارق بين السندات طويلة المدى والسندات قصيرة المدى انخفض إلى أدنى قيمة له منذ 2000، وهو الفارق الذي يأتي غالبا في مصلحة السندات طويلة الأجل ويتجاوز أحيانا 2 في المائة.

ماذا يعني كون نسبة الفائدة على سندات عامين 4.4 في المائة، بينما سندات عشرة أعوام نسبتها 3.7 في المائة؟ هذا يعني أن المستثمرين يرون أن فائدة 3.7 في المائة لمدة عشرة أعوام أفضل من 4.4 في المائة لمدة عامين، أي أن هناك من يقبل بفائدة سنوية أقل بمقدار 0.70 في المائة إن كانت ستستمر لأعوام أطول، وهو ما يعرف بمخاطرة إعادة الاستثمار.
مخاطرة إعادة الاستثمار تعني أن المستثمر يخشى أن يضطر إلى الاستثمار بفائدة أقل في المستقبل، لذا يقوم ببيع السندات قصيرة المدى، على الرغم من أن فائدتها عالية، لأنه يعتقد أن الفائدة في الأعوام المقبلة ستكون أقل من مستوياتها الحالية. لذا فإذا كانت الفائدة بمقدار 4.4 في المائة ستنتهي بعد عامين، سيضطر المستثمر لاحقا إلى شراء سندات قد تكون فائدتها أقل، مثلا 3 في المائة، ولذا فهو اليوم يفضل شراء سندات عشرة أعوام لضمان فائدة بمقدار 3.7 في المائة.
مرة أخرى، بيع المستثمرين السندات قصيرة المدى يعني أن مستثمري السندات، وهم الخبراء بطبيعة الفائدة ومستوياتها، يرون أن الفائدة في الأعوام القليلة المقبلة ستكون أقل من المستويات الحالية، وبالتالي يؤخذ ذلك على أنهم يعتقدون أن مسلسل رفع أسعار الفائدة سيتوقف قريبا، ما يعني أنهم يرون تراجعا في نسبة ارتفاع التضخم. بل إنهم يذهبون إلى أبعد من ذلك، فهم يعتقدون أن هناك ركودا اقتصاديا سيلحق بدول كثيرة حول العالم، وبالتالي ستضطر البنوك المركزية إلى خفض معدلات الفائدة لإنعاش اقتصاداتها، وهذا سبب مراهنتهم على أن معدلات الفائدة بحدود 3.7 في المائة لمدة عشرة أعوام تعد مغرية هذه الأيام.
يبدو أن المستثمرين في المملكة لم يقوموا بأخذ مخاطرة إعادة الاستثمار في الحسبان عندما تم شراء صكوك مصرف الراجحي قبل أيام بفائدة 5.5 في المائة، وهي نسبة عائد مغرية جدا، وعلاوة على ذلك فهي صكوك بعيدة المدى، أو بالأصح لا يوجد لها مدى فهي دائمة الأمد! قارن ذلك بعائد السندات الأمريكية لفترة عشرة أعوام عند 3.7 في المائة. لكن المشكلة أن هذه الصكوك قابلة للاستدعاء من قبل المصرف، وكذلك فائدة 5.5 في المائة ليست مضمونة لأكثر من خمسة أعوام لأنه يحق للمصرف تعديلها كل خمسة أعوام إن أراد ذلك.
لذا فإن المصرف قام بالتحوط من احتمالات انخفاض أسعار الفائدة بتضمين الصكوك صلاحية قيام المصرف بشراء الصكوك من الملاك بقيمتها الاسمية، أي ألف ريال، لذا فإن مخاطرة إعادة الاستثمار تقع على عاتق حملة الصكوك، ويحدث ذلك في حال انخفضت معدلات الفائدة في الفترة القصيرة المقبلة. الذي يحدث هو أن سعر الصكوك سيرتفع مع انخفاض معدلات الفائدة، وهذا أمر جيد، وعندها سيستطيع مالك الصكوك بيعها بسعر عال. لكن هناك مشكلتين، الأولى أن سوق الصكوك لدينا ضعيفة السيولة ما يعني احتمال عدم قدرة البائع التخلص مما لديه من صكوك، والمشكلة الثانية أنه في حال ارتفاع أسعار الصكوك بشكل كبير، الأمر الذي يحدث في حال حدوث انخفاض كبير في أسعار الفائدة، فإن المصرف سيقوم بشرائها من الملاك ليس بسعر السوق المرتفع بل بسعر الإصدار.
مخاطرة إعادة الاستثمار تعني أن المستثمر عليه دراسة جميع الاحتمالات عند الاستثمار في أي نوع من الأوراق المالية، سواء سندات أو أسهم أو غيرها من الفرص الاستثمارية. وهناك عموما مخاطر أخرى تؤخذ في الحسبان، فمثلا هناك مخاطرة الوسيلة نفسها ويحدث ذلك بسبب احتمال عدم قدرة الجهة المصدرة على الاستمرار في دفع الفوائد الدورية في حال السندات، أو في إفلاس الشركة في حال الأسهم. هذا النوع من المخاطرة خاص بالجهة، وهناك مخاطرة السوق ككل، التي تعني تغير أسعار الفائدة بالنسبة إلى السندات، وبالنسبة إلى الأسهم تعني انخفاض قيم مؤشرات الأسهم نتيجة التغيرات الاقتصادية. وهناك مخاطرة أخرى تسمى مخاطرة الفرصة البديلة، وتعني أن من يقرر الدخول في استثمار ضعيف السيولة، فإنه يكون معرضا لفوات الدخول في الفرص الاستثمارية الأخرى البديلة.
التوقعات هذا الأسبوع تشير إلى أنه ربما وصلت معدلات الفائدة إلى ذروتها، وهذا يتبين في تصريح الفيدرالي الأمريكي بأن الوقت قد حان لتخفيف رفع معدلات الفائدة، ويتبين كذلك في الانعكاس الحاد لمنحنى عائد الاستحقاق، حيث يتضح أن المستثمرين يبيعون السندات قصيرة المدى، وبالتالي نرى معدلات فائدتها مرتفعة، ويقومون بشراء السندات طويلة المدى التي نرى معدلات فائدتها آخذة في الانخفاض.