: آخر تحديث

فرص العراق الضائعة

أضاعت الطبقة السياسية العراقية منذ تأسيس الكيان العراقي عام 1921م، ثلاث فرص تاريخية لقيام دولة نموذجية ربما تتجاوز في عطائها وتقدمها حتى دولة اليابان التي نهضت بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت خلال اقل من نصف قرن عملاقا عالميا في كل مناحي الحياة، حينما قررت الاعتراف بالخطأ والهزيمة، وأدركت إن القوة والعسكر ليست كل شيء في حياة الإنسان والشعوب، فاعترفت بهزيمتها ووقعت اتفاقية الصلح مع الولايات المتحدة، ولكن بدون أفلام كاوبوي على طريقة المقاومة والإرهاب التي استخدمتها فصائل البعثيين ومن شابههم بالعقيدة والسلوك من بقية أحزاب وميليشيات ما بعد 2003 حتى حولوا العراق إلى حفنة تراب كما تعهد بذلك كبيرهم الذي علمهم السحر!

لقد أضاعت الطبقة السياسية السنية العربية الفرصة الأولى حينما استلمت قيادة المملكة العراقية، وعملت على تهميش بقية المكونات الرئيسية من الشيعة والكورد، وأرست القيم القبلية والعلاقات والعادات المتخلفة، التي تم تجميلها ببرلمان وممارسات ديمقراطية في مجتمعات بدائية متخلفة، ليس لها أي انتماء غير عشيرتها أو منطقتها أو مذهبها، وحينما توفرت فرصة جديدة لقيام كيان عراقي تقدمي متحضر وان كان بانقلاب عسكري، رفع شعارات دغدغت مشاعر الأهالي مثل " لا شرقية ولا غربية " ولا عربية ولا كوردية" و " لا دينية ولا مذهبية " بل جمهورية عراقية تقدمية خالدة!

وخلال ما يقرب من خمس سنوات فشلت تلك القيادة لأسباب لا مجال لذكرها هنا في إرساء أسس دولة المواطنة، وربما التنحارات السياسية بين الأحزاب وخاصة البعثيين والشيوعيين أدت إلى اغتيال تلك الفرصة بانقلاب من قبل العنصريين القوميين والدينيين في شباط 1963م، وبذلك ضاعت الفرصة الثانية التي كانت تحتمل قيام اتحاد عراقي متين تقوم على أساسه دولة متحضرة مزدهرة.

وتمر سنوات القهر والتقهقر والتخلف والحروب، ويتم تدمير البلاد بالحروب والحصار، حتى أصبحت اغني دول الشرق الأوسط أكثرها فقرا وإذلالا، حيث استخدم النظام الحاكم وطبقته السياسية أبشع أنواع الاضطهاد ضد مكونات شعوب العراق، وإيهام الرأي العام بان العراق يمتلك أسلحة إستراتيجية كيماوية وجرثومية ومنظومة صواريخ، حتى اضطر المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من شن حرب مدمرة على العراق وإسقاط ذلك النظام، الذي اتضح انه فعلا بطل من ورق!

ويسقط هيكل نظام صدام حسين ويتشظى إلى عصابات وميليشيات ومنظمات للجريمة وهي جميعها من بقايا الأمن الخاص والمخابرات وفدائيو صدام، أطلقت على نفسها توصيف المقاومة، واستخدمت الدين والعقلية القبلية استخداما بشعا وقذرا لتنفيذ مآربها وإشاعة الرعب والإرهاب، وهذا ما أدى إلى استقطاب كل منظمات الإرهاب العالمية إلى الساحة العراقية وفي مقدمتها القاعدة وفروعها التي احتضنها نظام صدام حسين وعمل على استخدامها في الأيام الأولى للحرب.

ويقدم الأمريكان وحلفائهم رغم ما حل بالعراق من دمار وتخريب هائل، فرصة تاريخية هي الثالثة منذ قيام مملكة العراق، لإمكانية تأسيس كيان نموذجي على أسس مدنية وحضارية، تعتمد مبدأ المواطنة والمشاركة الفعلية لكل المكونات الأساسية للدولة العراقية، خاصة وان الكورد وصلوا بغداد ربما قبل معظم القيادات السياسية العراقية للعمل على وضع أسس هذا الكيان الجديد، وقد نجحت تلك القوى بالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء في وضع أول دستور دائم للبلاد، يضمن في روحيته ومبادئه السامية حقوق تلك المكونات بما فيها حق تقرير المصير، إلا إن الأحداث التي توالت بعد ذلك أكدت بالفعل ضياع آخر فرصة لبقاء كيان عراقي بحدوده المعروفة، خاصة وان الكوردستانيين قد قرروا بعد أن سئموا من خلافاتهم مع بغداد وعدم جديتها في تطبيق الدستور وبناء دولة مواطنة، واستخدامها ذات الأساليب التي كانت أنظمة بغداد الدكتاتورية تستخدمها ضد كوردستان، وآخرها الحصار المقيت على الإقليم ومحاولة تدميره وإشاعة الفوضى فيه، بحرمانه من حصته في الموازنة وقطع مرتبات الموظفين لإشاعة الفقر والنقمة والفوضى، مما عجل في الذهاب إلى خيار الاستفتاء على حق تقرير المصير، الذي يؤيده غالبية شعب إقليم كوردستان، وبذلك تبدأ الخطوة الأولى لاستقلال الإقليم الذي سيوفر فرصة تاريخية للعراق في بناء

دولة متجانسة من الناحية القومية تتيح لها أن تكون دولة مواطنة عراقية عابرة للمذاهب، خاصة وان معظم بقية المكونات الدينية قد اختارت كوردستان ملاذا آمنا لها بعد أن تعرضت لحملات منظمة لإبادتها في العراق، وخاصة المسيحيين والصابئة والايزيديين.

إذا كنا قد فشلنا خلال مائة عام من أن نكون شركاء حقيقيين في الدولة العراقية، فإننا سنكون جارين حليفين لبعض، وستبقى كوردستان عمق العراق ورئته، ويبقى العراق عمق كوردستان وظهرها الساند.
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 24
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. استقلال كوردستان هو الحل
رياض الجغيفي - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 06:30
نعم استاذ كفاح بعد مئة عام فشلت حكومات العراق في بناء دولة المواطنة ولم يعد اليوم بالإمكان إعادة بناء ما تشظى من العراق إلا بولادة دول جديدة لمكونات كان يضمها العراق السابق لأن الكل غير مستعدين لاستمرار نزيف الدم في العراق وننتظر استقلال كوردستان حتى يعم السلام وتهدا منطقة الشرق الأوسط برمتها لأن استقلال كوردستان سيكون عامل استقرار وستجني المنطقة ثماره .
2. أوقفوا رقصة العبث
باسل الخطيب - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 06:44
أوقفوا رقصة العبث لا بد من الاعتراف بعد نحو قرن من الزمان بأن العراق بتكوينه الحالي لم يكن يوماً دولة واحدة تجمع أمة واحدة.. كما لا بد من الاعتراف أو الإقرار لا فرق، بأن صلاحية سايكس بيكو قد انتهت.. من هنا لا يمكن الاستمرار برقصة العبث وسفك المزيد من بحور الدم على أوهام.. لندع كل ذي حق يقرر مصيره ويبني كيانه الذي يرغب به وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان العالمية.
3. لإستقلاليون الكورد يؤمنون
Rizgar - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 07:37
لإستقلاليون الكورد يؤمنون بأن الشعب الكوردي شعب واحد و أن بلاده، كوردستان، محتلة و مجزأة و مقسمة بين عدة دول و يعملون من أجل إستقلال كوردستان بكافة أجزائها لجمع شمل شعب كوردستان في كيان سياسي موحد. الإستقلاليون الكورد يُشكّلون الغالبية المطلقة، حيث أظهر الإستفتاء غير الرسمي الذي جرى في الإقليم الجنوبي في بداية عام 2005، بأن 98% من المواطنين الكوردستانيين يريدون إستقلال كوردستان. من جهة ثانية فأن هناك من الكورد مَن تنم أعمالهم و ممارساتهم، ،سواء عن دراية أو بدونها، عن تبنّيهم و قبولهم بكون الشعب الكوردي جزء من الشعوب المحتلة لكوردستان و أن الأقاليم الكورستانية هي أجزاء لا تتجزأ من الدول المحتلة لكوردستان، أي أن أرض كورستان هي أرض تابعة لكل من (تركيا) و إيران و العراق و سوريا. هؤلاء الداعون الى تكريس إحتلال كوردستان، يعتبرون أنفسهم من مواطني تلك الدول و التي تعني أنهم يقرّون و يعترفون بواقع تجزئة كوردستان و يقبلون الواقع التقسيمي لها، و عليه فأنهم ينطلقون في أفكارهم و أعمالهم و ممارساتهم و طروحاتهم من منطلق القبول بالأمر الواقع، أي بقاء كوردستان بلداً محتلاً و مقسّماً، يفتقد شعبه الى هوية تُعرّف بها نفسه للعالم و لتبقى الشعوب المحتلة لوطنه تهيمن عليه و تسلبه هويته و لغته و تأريخه و تراثه و حريته
4. فرص العراق الضائعة
mohannad - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 08:14
كلام منطقي وواقعي مستنبط من واقع الحال. ..العراق بلد أقدم الحضارات وثاني بلد في مخزون النفط الستراتيجي في العالم وبلد الرافدين دجلة والفرات بمياهها العذبة وزراعتها المتنوعة كان يفترض ان يكون من الدول المتقدمة لو أن توفرت له قيادة حكيمة. ولكن مع الأسف الشديد على مر العصور النصرمة لم يشهد هذا البلد القيادة التي تأخذه إلى مصاف دول المواطنة الحقة. ..سلمت اناملك أستاذنا الفاضل
5. الى الجغيفي 1
كريم الكعبي - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 08:31
في زمن صدام تستطيغ ان تغلق بهذه الكلمات ،غن الانفصال أم خير غون لجرائمه في الانفال وغيرها من المذابح التي المت بالاكراد ، الدستور الغراقي اليوم جغل الكل في ادارة الدولة حسب مقاغدهم النيابية ، تريدون القفز غلى الحقيقة المرة انتم اقلية حكمت في السابق بفضل بريطانيا وامريكا وتريدون الانفصال للغودة للمربغ الاول ، هيهات ذلك سقطت كل رهاناتكم مغ احلام مسغود وكفاح لأن الشغب الكردي غير راغب باحلام الطواغيت مطايا صدام في السابق
6. دولة العبودية العراقية
غانم الموسوي - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 09:48
فرص ضائعة عشتها وأنا شاب حتى شيخوختي، فبعد قيام دولة "المواطنة العراقية" في زمن الهاشمية ذات القيم القبلية والعلاقات إنتقلنا الى دولة "العبودية العراقية" في زمن النظام السابق بعيداً عن المكونات الأخرى، وأخيرا وبعد التحرير والإعلان سراً عن تأسيس كيان نموذجي على أسس مدنية وحضارية والتي تحسب خدعة من خدع المظلومية التي عشناها. اليوم نحلم بدولة المواطنة العراقية عابرة للمذاهب والأديان، ولكن دول الجوار تعمدت وتتعدم على ضياع الطبقات السياسية وعملت وتعمل على تهميش كافة المكونات وقيام دولة "العبودية العراقية"من جديد..
7. لو نصبتهم ملوكا
اديب سيف الدين - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 10:53
سئل ونستون تشرشل مرة عن رأيه بالشعوب ومنهم العرب فقال: وإذا مات العرب تموت... الخيانة! اخي العزيز الاستاذ كفاح محمود سنجاري: مهما أعطيتهم فرص ونصبتهم ملوكا على البلاد الاوروبية والعالم لن تتبدل نفوسهم لان النفس امارة بالسوء .. اما نحن الكورد سئمنا من نفاقهم وخداعهم ، وعرفنا طريقنا بقيادة الرئيس مسعود البازراني حفظه الله إلى الاستفتاء ثم الى الاستقلال .. وقريبا سنرفع علم الاستقلال فوق ربوع كوردستان وبين الاعلام الاممية وامام سفارات كل الدول الاوروبية والعربية . وسنصبح جارين علهم يستفديون من تجربتنا ..؟
8. لا شرف
د. حسن - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 11:57
للكردي الذي لا يعمل لتحقيق إستقلال كُردستان.
9. Who are you
Raid - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 14:26
Who the hell you think you are to speak on behalf of the Kurds and say what they do or do not want? A racist chauvinist has absolutely no right to speak on behalf of a whole nation that you hate so much. Therefore, your pathetic words and views matter not a jot. An unofficial referendum few years ago showed that 98% of the people of Kurdistan were strongly with separating from the pathetic state of Iraq. Let us have an official referendum and racist bigots like you will know that independence of Kurdistan is not because of what Massood Barzani or Talabani want but is the people of Kurdistan who forced their hands to declare independence because they have totally and utterly fed up with living with your al-maliky.
10. +جذ
+ - GMT الثلاثاء 30 مايو 2017 15:08
والله أن نبقى على مانحن عليه فتطول مرحلة عذاباتنا خيرٌ ألف ألف مرة من أن نتحوّل إلى دويلات بمسمّيات مضحكة ك((دولة لبن أربيل)) و((دولة كباب السليمانية)) فنضحك الأمم علينا أكثر مما ضحكت علينا لحد الآن.... بالله عليكم؛ بلد مثل العراق مهد الحضارات ينزل به الحال إلى هذا المستوى الذي يأتي فيه شذاذ آفاق وقطاع طرق زهق أهلهم منهم فرموهم علينا ليدنّسوا شمالنا الآشوري العريق ويحوّلوا جماله الخرافي الذي يضاهي جمال جبال سويسرا ولبنان إلى مجرد معمل للالبان ومطعم للكباب؟!! متى ستتوقف هذه المهازل التي تصدر من هؤلاء الأكراد الإيرانيين والاستفتاءات الاستفزازية الوقحة والفارغة؟ متى يتوقف هؤلاء الأغراب الثقلاء من تأليف النكات البايخة؟ بل إلى متى نسمح نحن العراقيين لأي قرد سائب التدبيك على رؤوسنا والتنطط على صدورنا؟!


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.